مارك ديبورت يحمل شهادة الدكتوراه في التنظيم العمراني، وكان قد أنجز دراسات عليا في الهندسة، كما أنه خريج مدرسة «البوليتكنيك» العليا ذات الشهرة العالمية الكبيرة. في فرنسا اختصاص هندسي «خاص» وليس شائعاً كبيراً في العالم.. انه يخص الملاءمة بين الأبنية المختلفة وبين المحيط البيئوي الموجودة فيه.. وحيث يتم النظر إلى هذه «العلاقة» على أساس الأفق البعيد..

ولكن الحاضر أيضاً، فمثلاً عندما يراد إقامة حديقة عامة فإن لهذه علاقتها المباشرة مع «الوسط الحي» المحيط بها ومع المكان.. والزمان أيضاً فيما يخص تبدل الفصول «مهندس المشهد» هو الذي ينبغي عليه تقديم «الشعور» الأفضل. إذا كان قد تم الحديث كثيراً عن دور الرسم مثلاً في تشكل «المشهد الغربي» المعاصر فإنه قد جرى بنفس الوقت إهمال كبير لدراسة دور التقنية فيه.

وخاصة تقنية المواصلات ان هذا الكتاب «مشاهد متحركة» يتعرض لهذه المسألة في تاريخها، منذ القرن الثامن عشر وحتى القرن العشرين.. أي في الفترة التي تغطي عملياً الثورة الصناعية الأولى. الفكرة المركزية التي يدور حولها هذا العمل تقول بان أي نمط جديد للنقل يفرض على المسافرين أشكالاً جديدة في السلوك والعمل والإحساس والرؤية، بل و«تحديد موقعهم» حيال المجال.

هكذا مثلاً نجد ان السكك الحديدية في القرن التاسع عشر قد «أرغمت» المسافر على ان يعلق نظره في المدى البعيد ذلك إنه لا يستطيع ان يثبت نظره، «حتى لا يستطيع ان يرى بشكل جيد، المناطق المجاورة مباشرة للسكة الحديدية نظراً للسرعة التي يتحرك فيها القطار، وكان هناك أيضاً تبدل في النظرة مع السيارة، ما قبل وما بعد شق الطرق العريضة التي تسمح بسرعة كبيرة.

ان السرعة واختراع الآلات المكرّسة للنقل العاملة بوساطة المحركات وتبني نظام الإشارات الضوئية من أجل تنظيم حركة السير والتنقل ساهمت كلها في بناء مكونات «المشاهد المتحركة» ان تقنيات النقل وتطورها كان لها تأثيرها المهم والكبير على مفاهيم عميقة:ولا يتردد البعض في ربط مفهوم «الأمة الفرنسية»بصيغتها الحديثة مع واقع بناء شبكة مواصلات كبيرة وحيث أصبح يمكن للبضائع والمنتوجات والأشخاص الانتقال بسهولة بين باريس ومرسيليا أو أية مناطق فرنسية أخرى.

وإذا كان مارك ديبورت يؤكد أهمية البعد «الوطني» لوسائل النقل فإنه يقيم تحليلاته في هذا الكتاب على أساس رؤية «تطورية» لعلاقة البشر مع محيطهم ليؤكد بان كل بنية أساسية للنقل أو أية وسيلة له أدّت إلى تحول جذري في نظرة المعنيين إلى «الإطار الذي يحيط بهم» وبحيث تتغير المفاهيم «المتعلقة بـ «المشهد».

يعود المؤلف في شروحه إلى البدايات الجدّية في مسيرة «التغير» في المشهد بالارتباط مع بنى النقل ووسائله إلى القرن الثامن عشر الذي شهد قيام أول شبكة مواصلات «وطنية» حقيقية.. ذلك انه في المراحل السابقة كان هناك باستمرار، بالطبع، طرق ولكنها لم تكن تشكل «شبكة»كما أنها كانت في أحسن حالاتها مثل «مدارج الطائرات» في أفريقيا حالياً، كإشارة إلى بدائيتها. بل وكان يمكن للطرق سابقاً ان تتبدل مواقعها تبعاً للفصول وأحياناً لحالة الطقس.

وكان السفر ذاته مجرد «انتقال» من مدينة إلى أخرى، من نقطة انطلاق إلى نقطة وصول.. وبالتالي لم يكن لدى المسافر عامة أي فضول حقيقي حيال ما يراه خلال رحلته.. هذا باستثناء، ربما الاهتمام بما يمكن ان يؤمن له ذلك الإطار المحيط: مما يمكن ان يقتات به، هكذا كانت تبدو «الجبال» بمثابة «صحاري» ينبغي تجنبها بقدر الإمكان.

ويرى المؤلف بان «مهندسي عصر التنوير» أي القرن الثامن عشر الذي شهد الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789، ساهموا إلى حد كبير عبر الشروع ببناء شبكة مواصلات في تغيير «مفهوم» البيئة المحيطة، وساهم تحسين تقنيات صناعة العربات، بكل أشكالها في ذلك.. هكذا شيئاً فشيئاً أصبحت المناطق التي يتم اجتيازها بمثابة «مشاهد» حقيقية.. هكذا بُديء أيضاً في «تذوق جمالها» فيما هو أبعد من «الفائدة» المباشرة.

وبنفس الوقت غيّر السفر نفسه من «هويته» إذ أصبح «وسيلة لتعلم العالم». بهذا المعنى يرى مؤلف هذا الكتاب بان «طرق التنوير» كانت أيضاً بمثابة «تجربة سعيدة» بما قدمته من نقاط ارتكاز ومن مرجعيات مقبولة من قبل الجميع. كذلك قام نوع من التناسق بين مفهومها وبين الطريقة التي تم تصورها بها وبحيث أصبح «للمشهد» معنى مباشراً وواضحاً.

مع السكة الحديدية التي بدأت وتطورت في فرنسا في ظل ما يسمى بـ «الإمبراطورية الثانية» في القرن التاسع عشر، دخلت تقنيات جديدة في رسم مسار الطرق حيث كان أحياناً لابد من حفر بعض التلال الصغيرة أو انفاق حقيقية تحت الجبال «وإقامة جسور فوق الأودية مما شوش «المشهد»، هذا بالإضافة إلى «تشويش» المحيط المباشر بسبب السرعة..

والوقت نفسه أعطيت الأولوية لـ «المشهد البعيد» والذي غدا ولوجه ممكن بـ «النظر» وليس بـ «الجسر»، ويشير «ديبورت» في هذا السياق إلى ان الرؤية التي ولّدها القطار «والتقاط الصور بواسطة آلات التصوير» عبّرتا عن «العلاقة الجديدة نفسها» بين الإنسان والمجال المحيط الذي أصبح موضوعاً للتأمل «نتيجة لاختراع تقنية جديدة».

ومع بداية القرن العشرين، وخاصة خلال العقدين الأولين منه، بدأ عصر اقتناء السيارات الخاصة بأعداد كبيرة، الأمر الذي ترتب عليه إمكانية اختيار الطرق التي يتم أخذها وكذلك اختيار الأوقات أيضاً، إلى هذه الدرجة أو تلك، وهذا ترافق مع بروز «مشهد جديد» يصفه المؤلف بالقول بانه «تسلسل من المناظر التي تتالى حسب زوايا متنوعة، وذلك كمحاكاة شبه كاملة مع ما تقدمه السينما أو المدينة الحديثة.

وهذا ما يشبهه المؤلف أيضاً مع الطريقة التكعيبية في الرسم مع بيكاسو حيث يتم رسم الشيء نفسه من زوايا مختلفة ومن عدة مشاهدين على اللوحة نفسها وبالوقت نفسه، وهذا ما يخرج منه المؤلف إلى القول بان أشكالاً متنوعة من التجديد أدت إلى بروز «تجربة جديدة» في العلاقة مع المشهد المحيط، وذلك باعتبارها منتجات الحقبة نفسها.

كما ان اختراع السيارات وتعميم استعمالها أدّى إلى تغير كبير في المشهد المحيط من حيث التطور العمراني، خاصة في المدن حيث أصبح تنظيم السير والانتقال يتطلب كمّاً كبيراً من الإشارات والدلالات. ان المدن تفقد من وحدة المشهد، إذ أنها إذا كانت تملك دائماً وحدتها» إذا تم النظر إليها من طائرة في السماء، فإن مثل هذه «الوحدة» لم تعد قائمة فعلياً بالنسبة لراكبي السيارات، من قاطنيها وغيرهم.

ما يؤكده المؤلف هو ان «المجال العام» لا تعود ملكيته لأحد وهي تعود بالوقت نفسه للجميع، ان الأفراد يولون اهتمامهم الرئيسي للمسائل المعمارية الخاصة بهم، لكن بالمقابل يولون أهمية ثانوية للعلاقة فيما بين «أشيائهم» الخاصة فيما بينها، وفي علاقتها مجتمعة مع الوسط المحيط بها..بتعبير آخر مع «المشهد» الذي «يتحرك»حكماً مع المستجدات العمرانية والتقنية..وتلعب في هذا الإطار بنى النقل وأدواته دوراً في صياغة هذا المشهد على اعتبار ان عالم النقل يشكله أحد معطيات نمط حياة «الإنسان الحديث».

ما تجدر الإشارة إليه هنا هو ان مهنة «مهندس المشاهد» بعيدة جداً عن جميع الأطروحات الإيديولوجية، ذلك انها محكومة بسياقاتها وبجغرافيتها.. وإلى حد كبير بمستوى التقنيات التي تعاصرها، ومن أهم الشروط التي يطالب بها المؤلف من أجل مزاوجة ناجحة لـ «المشهد» المحيط هناك الوصول إلى درجة عالية من التوليف بين مختلف مكونات هذا المشهد من هندسة معمارية وتخطيط عمراني وشبكة نقل.

كتاب يعالج فيه مؤلفه العلاقة بين «وسائل النقل» و«مفهوم المجال الجغرافي» في تاريخية هذه العلاقة وتحولاتها وذلك منذ «تكوين منظومة النقل» مع الثورة الصناعية وحتى عصر السيارات والطائرات.. مع دراسة تبديات هذه العلاقة تقنياً واقتصادياً وسوسيولوجياً..ومن خلال هذا كله تقديم بعض التأملات حول المشاكل التي تطرحها التكنولوجيات الحديثة على البيئة، وحيث ان وسيلة النقل الأساسية، أي السيارة، هي أحد المصادر الأساسية في التلوث الذي تتعاظم تهديداته أكثر فأكثر.

الكتاب: «مشاهد متحركة»

وسائل النقل ومفهوم المجال الجغرافي

من القرن 18 حتى القرن 20

الناشر: غاليمار ـ باريس 2005

الصفحات: 429 صفحة من القطع المتوسط

Paysages en movement

Transports et perception

De l'espace 18 - 20 siecle

Marc desportes

Gallimard - paris 2005

p. 429