مؤلفا هذا الكتاب هما الباحثان الفرنسيان سيرج بيرستاين وميشيل رينوك. وكلاهما أستاذ في علم التاريخ الحديث. وفيه يتحدثان عن تاريخ فرنسا المعاصر من بداية الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم. ومعلوم أن فرنسا شهدت تقلبات عدة وأحداثاً جساماً طيلة كل تلك الفترة. كما شهدت تعاقب أنظمة سياسية عدة على سدة الحكم.
ولكن النظام الجمهوري الناتج عن الثورة الفرنسية كان قد ترسخ نهائياً أثناء هذه الفترة. نقول ذلك ونحن نعلم أن القرن التاسع عشر كان يشهد عودة النظام الملكي القديم، والنظام الامبراطوري على طريقة نابليون وعائلته من حين إلى آخر. أما بعد 1914 فلم يعد من مجال إلا للنظام الجمهوري.
وقد رسخه جورج كليمنصو الذي حكم البلاد في بدايات القرن العشرين، هذا بالإضافة إلى شارل ديغول الذي حكمها بدءاً من منتصفه تقريباً. ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء كبيرة، وكل جزء إلى عدة فصول. فالجزء الأول يحمل العنوان التالي: «انقطاع التوازن في النظام الفرنسي». وقد كتبه ميشيل رينوك. وفيه يتحدث عن المحنة الكبرى التي عاشتها فرنسا أثناء الحرب العالمية الأولى. فقد ذهب ضحيتها ملايين القتلى والجرحى.
وكانت بمثابة مجزرة حقيقية. ولم تبق عائلة إلا وأصيبت في أحد أفرادها. ويرى الباحث سيرج بيرستاين في مقدمة قصيرة أن اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914 شكل أزمة وتحدياً كبيراً بالنسبة للنظام الجمهوري الفرنسي الذي كان قد ترسخ في البلاد عشية الحرب. والسبب لا يعود إلى عدم مقدرة النظام الجمهوري على قيادة الحرب وإنما إلى أن مبادئه الأساسية تقوم على السلام والحرية والديمقراطية لا على العدوان والحروب. وذلك على عكس الأنظمة الديكتاتورية والفاشية.
ولكن الشيء المدهش هو أن الوحدة القومية المقدسة تحققت آنذاك من أجل قيادة الحرب ضد العدو الألماني. ولكن ربما لم يكن ذلك مدهشاً كثيراً لأن العصبية القومية سرعان ما تستيقظ وتتشكل إذا تعرضت البلاد لعدوان خارجي. مهما يكن من أمر فإن هذه الوحدة ظلت سائدة طيلة فترة الصراع على الرغم من أن اليسار الفرنسي كان ممتعضاً من هذه العصبية القومية والشوفينية المضادة لمبادئه. ولكنه ما كان يستطيع الخروج على إجماع ما دامت في حالة حرب.
نقول ذلك ونحن نعلم أن زعيم هذا اليسار جان جوريس كان معارضاً للحرب باسم المبادئ الاشتراكية والجمهورية. وكان يقول إنها ستتم لصالح القوى الرأسمالية التي تصنع المدافع والسلاح وأنها ستجعل القوى العمالية لدى كلتا الجهتين في حالة صراع مع بعضها البعض. فالفقراء يذبحون بعضهم والأغنياء يتفرجون من بعيد.
ولكنهم اغتالوه قبل بدء الحرب بزمن قصير. فاليمين الفرنسي المتطرف رأى فيه عقبة أمام مشاريعه الشوفينية المتعصبة. ولذلك أرسل له شخصاً مهووساً ومجرماً لكي يطلق عليه الرصاص من وراء ظهره وهو جالس في أحد المقاهي الباريسية ويناقش ويخطب ضد الحرب.
وبعد تصفية جوريس لم تعد هناك أي عراقيل تقف في وجه اندلاع هذه الحرب المدمرة. وكان متوقعاً أن ينهار النظام الجمهوري والبرلماني لكي يحل محله نظام ديكتاتوري من أجل قيادة الحرب كما يحصل عادة في مثل هذه الظروف. ولكن النظام الجمهوري استطاع الصمود حتى النهاية وإن كان قد اضطر إلى تقليص الحريات العامة واتخاذ بعض التدابير الاستبدادية. فالحياة في زمن الحرب غير الحياة في زمن السلم.
ثم عاد النظام الجمهوري البرلماني إلى سابق عهده بعد انتهاء الحرب. ولكن ليس دون صعوبة. فالشعب قد تعوّد على الوحدة المقدسة أثناء المعارك التي استمرت أربع سنوات. ولذلك فإنه أصبح يرى في المناقشات الصاخبة التي تجري في البرلمان عبارة عن ثرثرات فارغة.
والواقع أن شعبية أعداء النظام الجمهوري كانت قد ازدادت بسبب الحرب. ويقف في طليعتهم الحزب الكاثوليكي الذي كان معادياً للثورة الفرنسية والنظام الجمهوري على طول الخط. فالحرب أتاحت له أن يعود إلى الساحة من جديد لأنه ساهم بقوة في خوض المعارك والتحميس لها والدفاع عن الوطن.
وقد ساعدت إدانة الفاتيكان لليمين المتطرف الفرنسي بزعيمه شارل موراس وحزبه في تسهيل عودة الكاثوليك إلى الساحة من جديد. فهذه الإدانة تعني فكّ التحالف بين اليمين القومي المتطرف والحزب الكاثوليكي المتدين. وهو تحالف استمر طيلة القرن التاسع عشر. وكان معادياً لمبادئ التنوير والحرية والمساواة والإخاء والديمقراطية والتسامح الديني وكل قيم الحداثة السياسية والجمهورية.
ثم يردف الباحث قائلاً: هذا من جهة اليمين، وأما من جهة اليسار فإن المشاكل كانت أيضاً موجودة. فالأحزاب الماركسية وبخاصة الحزب الشيوعي كانت تنظر إلى النظام الجمهوري البرلماني على أساس أنه نظام بورجوازي مضاد لمصالح الطبقة العاملة. وبالتالي فكانت تريد إشعال ثورة طبقية في البلاد وقلب هذا النظام الرخو والمائع. وهكذا نلاحظ أن النظام الجمهوري الديمقراطي كان يتعرض للتهديد والزعزعة من قبل أقصى اليمين وأقصى اليسار في آن معاً.
ثم جاءت الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد عام 1930 لكي تزيد الطين بلة وتزعزع النظام السياسي أكثر فأكثر، فاليمين واليسار كانا يحاصران النظام كما قلنا. وقد ازدادت محاصرتهما له بعد أن وجد صعوبة في حل المشكلات الاقتصادية. وراح المثقفون اليساريون ينشرون ثقافة سياسية راديكالية تدعو إلى الثورة باستمرار.
ففي رأيهم أن النظام الديمقراطي البرلماني هو عبارة عن خدعة. وبالتالي فينبغي إكمال الثورة الفرنسية عن طريق ثورة أخرى، طبقية هذه المرة، من أجل قلب النظام السائد وإحلال النظام الثوري العمالي محله.
وقد ظل هذا الوهم الثوري يلاحق مثقفي فرنسا طيلة تلك الفترة وحتى مشارف الثمانينات من القرن العشرين.، ثم انطفأ بعد ذلك تدريجياً بعد أن انكشفت نواقص النظام الماركسي في البلدان الشيوعية ولم يعد النموذج أو القدوة لأحد. والواقع أن النظام الجمهوري كان لفترة طويلة مهدداً من قبل الشيوعيين على يساره من جهة، واليمين الفاشي على يساره من جهة أخرى. وفي ذات الوقت كانت الديمقراطية مهددة بالطبع.
ثم يتحدث المؤرخ ميشيل وينوك بعدئذٍ عما حصل في فرنسا أثناء الحربين العالميتين من مشكلات وخضّات سياسية. ومعلوم أن الجبهة الشعبية وصلت إلى الحكم عام 1936، وكانت تضم اليسار الاشتراكي والشيوعي وممثلي النقابات العمالية، لكنها لم تستطع أن تحل المشكلات الاقتصادية للبلاد فانهارت بعد سنتين فقط من ممارسة الحكم. وبدا واضحاً أن النظام الجمهوري غير قادر على مواجهة التيارات اليمينية والفاشية التي تريد الانخراط في الحرب مرة أخرى.
ففي تلك الفترة ظهر على مسرح التاريخ الألماني شخص يدعى أدولف هتلر، وراح يحضر نفسه للحرب ضد فرنسا التي أذلّته باتفاقية فرساي عام 1920. وراح يهيّج الجماهير الألمانية من أجل الانتقام لشرف ألمانيا المهان. وبالتالي فقد وجد النظام الجمهوري نفسه مرة أخرى في خضم البحر الهائج الذي تتلاطم أمواجه. وجد انه مهدد من قبل القوى الفاشية التي تكتسح أوروبا. ومعلوم أن اليمين الفاشي يكره النظام الديمقراطي الجمهوري ويعتبره رخواً مائعاً غير قادر على مواجهة التحديات والأزمات.
ولذلك، فإنه قفز على السلطة برئاسة المارشال بيتان أثناء الحرب العالمية الثانية وألغى النظام الجمهوري وراح يتبع سياسة يمينية شبه فاشية. ومعظم القرارات التي أصدرها كانت مضادة لمبادئ الثورة الفرنسية وفلسفة التنوير وحقوق الإنسان.
لقد كان بمثابة انقلاب حقيقي على قيم الحداثة السياسية والديمقراطية الفرنسية. لكن لحسن الحظ، فإن الجنرال ديغول كان في الجهة الأخرى، جهة المقاومة والصمود. وقد حافظ على القيم الفرنسية الأصيلة واستطاع الانتصار في نهاية المطاف على المارشال بيتان. وهكذا أسقط نظامه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وهزيمة النازية والفاشية. واستلم ديغول الحكومة مدة سنتين بعد الحرب (1945 ـ 1947). وعندئذ أعاد النظام الجمهوري البرلماني إلى سابق عهده وألغى كل القوانين العنصرية أو الطائفية لحكومة فيشي البائدة.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت فرنسا محكومة من قبل كتلتين أساسيتين: كتلة الديغوليين وكتلة الشيوعيين. وتقلص نفوذ الحزب الاشتراكي إلى أقصى حد ممكن، وراح بعض القادة الديغوليين يقولون: بيننا وبين الشيوعيين لا يوجد أحد! بمعنى أن كل الأحزاب الأخرى أصبحت ضعيفة ومهمّشة.
ولكن تجربة ديغول في الحكم لم تدم طويلاً بسبب معارضة الشيوعيين له، وكذلك بعض الجهات الأخرى. ومعلوم أن الشيوعيين كانوا يتمتعون بهيبة كبيرة في نظر الجمهور بسبب تضحياتهم الكبيرة أثناء الحرب العالمية الثانية ومقاومتهم الباسلة ضد الاحتلال النازي لفرنسا. وكانوا يدافعون عن مصالح الطبقات العمالية والشعبية. ولكن تخلّي ديغول عن الحكم لم يكن لصالحهم.
فقد حل محله نظام الجمهورية الرابعة سيئ الذكر. وهو نظام متقلّب تكثر فيه الحكومات التي سرعان ما تنهار بعد فترة قصيرة من تشكلها.
وفي أثناء تلك الفترة كانت الهيمنة للحزب الاشتراكي والحزب الراديكالي وبعض أحزاب اليمين. ودخلت فرنسا عندئذ في مشكلة جديدة هي: مشكلة المستعمرات الخارجية. فزمن الشعوب كان قد أزف، وزمن الاستعمار أصبح يبدو قديماً بالياً بل ومضاداً للقيم الجمهورية والديمقراطية نفسها. لكن الحزب الاستعماري كان لا يزال قوياً في فرنسا. وقد حاول معارضة حركة التاريخ والتشبث بالمستعمرات في الهند الصينية، وفي الشرق الأوسط وأفريقيا الشمالية.
ولكن ثورة الشعوب في سوريا ولبنان وتونس والمغرب الأقصى والهند الصينية، ثم لاحقاً الجزائر أدت إلى دك معاقل الاستعمار وأعوانه. وراح العصر الاستعماري يترنح تحت ضربات المقاومة للشعوب التي تريد حريتها وكرامتها وسيادتها واستقلالها. وعرف العقلاء فرنسا عندئذٍ ومن بينهم الجنرال ديغول أن فرنسا سوف تفقد الكثير من مصداقيتها وسمعتها على الصعيد الدولي إذا ما استمرت في سياستها الاستعمارية، ولذلك قرروا التخلي عن هذه السياسة الرعناء والخاطئة.
الكتاب: عودة النظام الجمهوري
من عام 1914 إلى يومنا هذا
الناشر: سويل ـ باريس 2004
الصفحات: 612 صفحة من القطع الكبير
LA REPUBLIQUE RECOMMENCE'E
DE 1914 A NOS JOURS
SERGE BERSTEIN ET
MICHEL WINOCK
SEUIL - PARIS 2004
P. 612