تعتبر روايات نيليدا بينيون استكشاف لواقع قارتها وبلادها ولما هو إنساني في أعمق صوره وهي مكتوبة، في الوقت نفسه، انطلاقاً من روح استكشافية متيقظة ودينامية دائماً فيما يتعلق باللغة، ما دفع الحركة النقدية في بلادها إلى اعتبارها الوريثة العظيمة للتقليد الأدبي في البرازيل، لكنها توصف أيضاً بأنها أحد مجدديه الكبار.
كما وصفها توماس الوي مارتينيز في روايته «تحليق الملكة»، الفائزة حديثاً بجائزة «الفاغوارا» للرواية، بأنها «إحدى أذكى نساء إيبروأميركا»، فهي أول امرأة تترأس الأكاديمية البرازيلية للآداب وحازت على الجائزة الأدبية لأميركا اللاتينية والكاريبي «خوان رولفو» في عام 1995.
أعمالها الأكثر شهرة في العالم هي «جمهورية الأحلام» الصادرة عام 1984 والحائزة على جائزة نادي الكتاب وجمعية النقاد الفنيين البرازيليين، و«أغنية كاينا الحلوة»، الصادرة عام 1987 والحائزة على جائزة «يوبي» لأفضل رواية للعام، و«حرارة الأشياء وقصصاً أخرى»، الصادرة عام 1980، و«خبز كل يوم» الصادرة عام 1999 والتي تلقي الضوء على تأملات وجيزة حول الموضوعات التي دمغت حياة وأعمال هذه الكاتبة، و«عجلة الريح»، الصادرة عام 1996، و«حتى الغد، مرة أخرى»، الصادرة عام 1999 و«مغازلة ما هو رباني» و«قلب أميركا الجائز»، الصادرتان عام 2002 وأخيراً «أصوات الصحراء»، الصادرة عام 2004.
ولقد حازت الكاتبة البرازيلية أخيراً على جائزة أمير استورياس للآداب 2005، وذلك على «عملها الروائي التحريضي والمصور بطريقة فنية رائعة، في الواقع والذاكرة وكذلك الخيال والأحلام» كما ورد في نص قرار لجنة التحكيم.
تعيش سيدة الأدب البرازيلي في مدينة «ريو دي جانيرو»، حيث أجرت معها صحيفة «إيه بي سي» الاسبانية هذا الحوار عقب تلقيها نبأ الجائزة الأخيرة.
ـ قبل عامين، علمت بأن الفائزة بجائزة «مينبدينر بيلانو» عندما تحدثت إليك آلة ترك الرسائل الهاتفية. ألا تعتقدين أن ذلك يشكل نقطة انطلاق مناسبة لحكاية؟
ـ هذه المرة، استيقظت قبل آلة ترك الرسائل الهاتفية. آويت إلى فراشي الليلة، ليلة منح الجائزة، عند الساعة الثانية فجراً وعند الخامسة فجراً كنت انتهيت من الاستحمام وكنت رائقة جداً وعند الساعة السادسة والنصف، اتصلوا بي من مدينة أوفيدو الاسبانية وأخبروني بالنبأ السعيد. هذه الجائزة تعني المشروعية والاعتراف والفخر.
ـ بمن تفكرين؟
ـ بأمواتي الأعزاء وبأحيائي الأحباء.
ـ من هم أحياؤك الأعزاء وأمواتك الأحباء؟
ـ عائلتي الكبيرة، والدي ووالدتي، أعمامي وأخوالي وأساتذتي الأوائل. وأود أن أعبر عن امتناني للذين علموني هذه الحرفة الأدبية الساحرة وفي مقدمتهم ماشادو دي أسيس.
ـ عندما توفيت كلاريس ليسكتور، السيدة الكبيرة، الأخرى للأدب البرازيلي، التي كتبت مسكونة بالغموض وبعمق الكلمة، في التاسع من ديسمبر 1977 كانت يداها متشابكتان مع أيدي أخرى، احداها يدك اليمنى. أي شهادة تسترجعينها عن كلاريس، التي تعد واحدة من أمواتك الأعزاء؟
ـ أنا شهدت سكرة موتها الأخيرة وهي قدمت لي يدها اليسرى، فاليد اليمنى كانت لدى صديقة أخرى. الشهادة التي تخطر ببالي تذكرني بالمشهد الذي عبرت فيه ساو باولو عن امتنانها وشكرها لليونانيين وللرومانيين وللقدامى والحديثين. شهادة الاعتراف بالجميل. لقد انتهيت للتو من وضع اللمسات الأخيرة على كتاب بحثي تحت عنوان «هوميروس وأنا» وأعتقد أن كل أولئك البشر الذين لديهم ضمير متحضر تام لابد وأن يشعروا بأنهم خلفاء هوميروس. لا يمكن ممارسة حرفة الخيال من دون أن يشبه المرء هوميروس، في العالم اللاتيني وفي العالم الايبيري ـ الأميركي. فنحن ندفع ضريبة لكل شيء وللجميع.
ـ هل يعكس ذلك نوعاً من الحب الأدبي القابل للمجاهرة؟
ـ أنا أعشق سيرفانتس.
ـ هل تواصلين الدفاع عن وحدة الضفتين البرتغالية والاسبانية في الأدب واللغة، أم أنها أصوات في الصحراء كما هو عنوان روايتك الجديدة؟
ـ إننا مدانون، فلدينا الكثير مما هو مشترك.. دمنا الأدبي متصاهر، حيث لا يمكن التعلل بالبعد في أي من مناطق اللغتين. يتوجب علينا النضال لأن الضفتين تجعلانا أقارب ويتوجب علينا إدخال أنفسنا في الحيز الذي تولد فيه الفراشة وهناك علينا أن نوثق عرى القرابة بيننا أكثر وأكثر ونحن متعانقون وذلك العناق سيكون بمثابة إصلاح ذات البين.
ـ أي من أعمالك قد تعانقينه؟
ـ «جمهورية الأحلام»، الذي أعتبره حصيلة لاهوتيتي، حيث يتعلق الأمر بتركيب روائي للدور الأدبي.
ـ كتبت بعد «جمهورية الأحلام» و«أغنية كايتانا الحلوة»، الروايتان المتشابهتان إلى أحد كبير في تركيبتهما ومقصدهما، رغم أن الأولى فيها المزيد من الحماس ـ كتبت أعمالاً ليست أقل تعقيداً ولا اختلافاً عن كتاباتك وجماليتها. ما الذي يميز هذين العملين؟
ـ فضلاً عن أخذ التاريخ بعين الاعتبار، فإن هذين العملين يعكسان حالة من التأمل العميق حول الفن الروائي. فأنا أشعر أني كتبتهما بكل صراحة وإخلاص دون خوف ودون الخشية من التكلم عن عناصر لا يريد السوق المزيد من الكلام عنها. فالسوق الحالية فيها جمالية خطيرة ترفض مساعي أكثر عمقاً والسوق لا تريد أن يبتعد المرء عن ما يسمى أرباح النشر.
ـ كتبت رواية حول الفن الروائي، أليس هذا تحديداً هو نتيجة مباشرة لنظريتك الجمالية التي رحت تطورينها؟
ـ نعم، بالطبع، لأني بطريقة ما تأملت حول الكتابة في رواياتي. وأنا أضطلع، في إحدى روايات، بهذه الموضوعات عن طريق شخصية التي تنبسط في شخصيات أخرى وجميعها تدور حول السؤال التالي: ما مغزى أن يروى تاريخ الإنسان؟ وهل يعني ذلك رواية تاريخ الخيال والتخيل الإنساني؟ كيف يكون الأمر عندما يتكلم الخيال الذي نبتكره عن أنفسنا. إن الخيال هو نتاجنا وهو واقعي جداً، لا بل إنه أكثر واقعية من الواقع نفسه.
ـ حول هاتين الروايتين، «جمهورية الأحلام» و«أغنية كايتانا الحلوة»، الأكثر شهرة في العالم، واللتين تتضمنان مقترحك الجمالي ورؤيتك الأدبية، فضلاً عن أنهما، لا سيما الأولى، نوع من الأساطير التاريخية والعائلية. هل تستجيب هذه الرؤية الجامعة للرواية لمفهومك الأدبي؟
ـ نعم ولا، لأني لا أريد الاعتقاد بأن مفهومي الأدبي لا يتحرك وبأنه ليس في خدمة ممارسات جمالية كثيرة أخرى أو أشكال روائية أخرى، لأني أقوم بالتغيير دائماً. فإذا كان هناك حاجة، على سبيل المثال، للتخلي عن كوني متعددة النغمات فسأفعل ذلك. أستطيع أن أكون متعددة النغمات وأن أغني منطقة ما. أستطيع فعل ذلك مع أشخاص أو بدل أن أكون جواباً، فإني أستطيع الذهاب تحت السلم الموسيقي، إن كان ذلك يناسبني. لكن في المحصلة النهائية فإن لي صوتاً وحيداً في النصوص ورؤية متعددة معاني الألفاظ إلى حد كبير وتتصف في المقام الأول بأنها مكثرة.
ـ هل الحبر هو الذي يجري في عروقك أم أنه الدم؟
ـ إنها «بلازما» متحركة يا صديقي العزيز. فالأدب هو «بلازما». وأنا أضخ نفسي كل يوم بدم فتي، كما أني أتمتع بنوع لامع وأشعر أني فتية كما لو أني تلميذة. لقد كنت في باريس لمدة شهرين في الآونة الأخيرة ولم يعلم أحد بذلك، كنت هناك بصورة سرية وشعرت بأني تلميذة.
ـ ولد والدك لينو في بلدة كوتو بادي الاسبانية ووالدتك كارمن في البرازيل، لكنك أيضاً ابنة مهاجرين اسبان، إذ أنه من المعروف أن أجدادك الأربعة اسبان. هل تشعرين بأنك اسبانية؟
ـ كنت في نهاية مارس في كوتو بادي وكرموني هناك بمنحي لقب الابنة المتبناه للبلدة وأني سأحمل ذلك في قلبي دائماً، كما أحمل اسبانيا نفسها، المقدسة والأسطورية والمحببة إلي.
ـ هل الالتزام السياسي للكاتب موجود؟
ـ يثير اهتمامي التزام الأفكار وليس الالتزام بما هو أيديولوجي. لان الأيديولوجيا ملزمة ولا تستطيع العدول عنها. وهي تشبه السجن. والأيديولوجيات الكبيرة التي كنا قد عرفناها قيدت ضمائرنا ولم تحرر الإنسان، صحيح أنه لابد من تغيير المجتمع والتطبيق العملي، لكن عندما يموت المرء جوعاً فإنه يريد حلولاً ولا يريد أيديولوجيات انتهازية.
ـ وكيف ترين الطوباوية؟
ـ لا يمكن العيش من دون المثاليات، لكن هذه المثاليات تحبس أحلامنا أيضاً. فبسبب الغفلة الطوباوية، يتخلى المرء عن الالتزام بالواقع وتحت ذريعة المثالية والمثل العليا يبقى المرء نائماً في منزله بدل أن يبني منزلاً.
ـ هناك «مدعون» يريدون «بناء» أمم.
ـ السياسي الذي لديه نية بناء بلد محكوم عليه بالفشل. في البرازيل ثمة مجتمع كبير وشعب كبير، لكن لابد من تحسين الظروف وتوزيع الفوائد وانتشال الناس من المأساة. السياسيون ذاهلون جداً لكنهم لا ينسون مشاريعهم أبداً، فكل شيء بطيء عندما يتعلق الأمر بالأحلام. الحلم ينتمي إلى الـ «فورمولا ون» والممارسة.
ـ كتب عنك أنك «أحد تلك الكائنات الخارقة والسماوية التي يلتمس أي شخص ذكي أن يكون قريباً كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً».
ـ الذي كتب ذلك مناضل وأنا أقدره كثيراً. الأناقة لها بعد أخلاقي.
ـ وصل كل من بول اوستر وفيليب روث إلى المرحلة النهائية من مسابقة جائزة أستورياس للآداب.
ـ إنهما كاتبان كبيران جداً. لذلك فإنه لشرف عظيم أن يحصل المرء على هذه الجائزة الأدبية.
نيليدا بينيون في سطور:
ولدت الكاتبة البرازيلية «نيليدا بينيون» في الثالث من مايو عام 1937، من أبوين ينحدران من اقليم غاليسيا البرتغالي هاجرا إلى البرازيل في عشرينات القرن الماضي.
حصلت نيليدا على إجازة في الصحافة من جامعة ريو ووسعت دراساتها في جامعتي كولومبيا وجون هوبكينز في الولايات المتحدة أواخر الخمسينات وفي عام 1961، كرست نفسها ككاتبة في رواية «خارطة غابرييل اركانهو».
وألحقتها برواية أخرى ومجموعات قصصية مثل «خشب على شكل صليب» الصادرة عام 1963 و«زمن الفواكه»، الصادرة عام 1966 و«مؤسس» الصادرة عام 1969، و«بيت الحب» الصادرة عام 1972، التي فازت بجائزة ماريو دي اندرادي، و«قاعة الأسلحة» الصادرة عام 1973 و«عزلة قلبي» الصادرة عام 1974 و«قوة القدر» الصادرة عام 1977.
من أعمالها أيضاً «حرارة الأشياء» الصادرة عام 1980 و«جمهورية الأحلام» الصادرة عام 1984 والتي تعتبر قمة أعمالها، و«أغنية كايتانا الحلوة» الصادرة عام 1987 و«خبز كل يوم» الصادرة عام 1994 و«عجلة الريح» الصادرة عام 1996 و«حتى الغد، مرة أخرى» الصادرة عام 1999 و«مغازلة ما هو إلا هي» وٍ«قلب أميركا الجائز» الصادرتان عام 2002 و«أصوات الصحراء» الصادرة عام 2004.
نشرت وترجمت أعمالها إلى أكثر من عشرين لغة من بينها الاسبانية والروسية والإيطالية والألمانية، كما كتبت باللغة الانجليزية العديد من القصص التي نشرت في مجلات أميركية.
في السابع والعشرين من يوليو 1989، انتخبت عضواً في الأكاديمية البرازيلية للآداب لتحتل الكرسي رقم 30، الذي تركه الفقيه اللغوي أوريليو بواركي دي هولندا شاغراً إثر وفاته.
في أغسطس 1996، بدأت تدير بالوكالة مؤسسة «الخالدون» كما هي معروفة في بلدها الأميركي الجنوبي وفي الخامس من ديسمبر انتخبت رئيسة لـ «الخالدون» بإجماع أعضاء المؤسسة الأربعين.
وهي أستاذة أصيلة في كلية هنري كنغ ستانفورد للإنسانيات في جامعة ميامي الأميركية منذ عام 1990 كما أنها أستاذة زائرة في جامعات أخرى مثل هارفارد وكامبردج وجورج تاون وجون هوبكينز أوكولومبيا.
كما برزت نيليدا بينيون من خلال نضالها ضد النظام العسكري ودفاعها الشرس عن حقوق الإنسان عموماً وعن حقوق المرأة خصوصاً.
في الواحدة والثلاثين من شهر يوليو 2001، فازت بالجائزة الأدبية لأميركيا اللاتينية والكاريبي «خوان رولفو»، التي يطلق عليها «جائزة نوبل أميركا اللاتينية» وذلك كونها «إحدى الشخصيات التي تبرز بقوة في الآداب الأميركية اللاتينية المعاصرة».
ثم فازت بالجائزة الايبيرية الأميركية للرواية «خورخي إساكس» المقدمة من قبل المهرجان العالمي لفن كالي (كولومبيا). وفي السنة التالية، حصلت على جائزة «روساليا دي كاسترو» من نادي اتحاد الكتاب والناشرين في غاليسيا.
ويضاف إلى جميع هذه الجوائز حصولها على دكتوراه فخرية من من جامعات مثل جامعة بويتيرز الفرنسية وسانتياغو دي كومبوستيلا الاسبانية ومونتريال الكندية وانها عضو في أكاديمية لشبونة للعلوم منذ الثاني من ديسمبر عام1999.