ضمن سلسلة الرضا للمعلومات في دمشق صدر الكتاب الجديد للباحث د. حسين القاضي تحت عنوان «البعث في ظل العولمة» حيث يعرض مقدمات نشوء البعث العربي وعلاقته بالبعث الأوروبي في تشكيل وتطور حزب البعث العربي الاشتراكي وتشكل نظريته من خلال تفاعلها مع الواقع العربي والدولي المعاصر،
كما يقدم دراسة تحليلية نقدية موثقة تحاول الاستفادة من الماضي والحاضر لرسم معالم المستقبل على اعتبار أن البعث العربي الاشتراكي حركة سياسية بدأت تطرح أفكارها منذ بدايات القرن العشرين لم تتحرك أو تنشأ من فراغ، بل حاولت التعبير عن مشاعر العرب للوصول إلى وحدة قومية أسوة بأمم أخرى توحدت قبلهم محطمة الدويلات التي كانت متحكمة والأفكار التي كانت تسوغ بقاء هذه الدويلات.
فبنت أسواقها الاقتصادية المتجانسة وحكوماتها القومية المتماسكة، وتفجرت الصراعات فيما بينها مولدة صراعاً أيديولوجياً عبر عن مصالحها، فتعايشت الديمقراطيات الغربية الصاعدة، مع أيديولوجيات شمولية أخرى كالنازية والفاشية والماركسية، وكان من الطبيعي أن تتأثر حركة البحث بالأفكار السائدة والتي كانت تعبر عن تطلعات هذه الأيديولوجيات المصارعة سواء أمثلت أنظمة حكم أو تيارات سياسية مدعومة بالمطامع الاقتصادية والقوة العسكرية أم مثلت أفكاراً طوباوية إصلاحية غير قابلة للتطبيق العملي منذ البداية ففصلت بين الاقتصاد والسياسة وحولت المشروع القومي إلى حلم طوباوي.
وإذا كانت الأيام الأولى للحزب التي انعكست في دستوره تتبنى الديمقراطية البرلمانية هذه الديمقراطية التي نشأ الحزب في ظلها وترعرع داخل البرلمان من خلالها وعبر عن أفكاره ونشر صحفه ضمن قواعدها.
ففي الفصل الأول من الكتاب الجديد بحث عن المقدمات الأولى لنشوء الحزب ومقومات البعث الأوروبي ومدة نضج المشروع البعثي العربي والمبادئ الأساسية لحزب البعث.
فقد أسس حزب البعث العربي الاشتراكي في أبريل 1947 ولم يكن نشوء الحزب بمجرد طفرة أو محض المصادفة، بل كان يعبر عن مسيرة الأمة العربية في نضالها الطويل، هذا النضال الذي مثل قوى اجتماعية واقتصادية وسياسية عبرت عن نفسها من خلال هذا الحزب، فاستفادت من البعث أو النهضة الأوروبية التي سبقت البعث العربي بمئات السنين فواجهت الإقطاع الاقتصادي الذي كان يمثل نمط الإنتاج الأساسي في أوروبا في القرون الوسطى، ذلك النمط الذي خيّم على القارة الأوروبية، فجمد الفكر وأبطل الفلسفة وحارب الاكتشافات العلمية، وحدّ من طرق المواصلات مما جمّد الاقتصاد وحدّ من النشاط الاقتصادي من خلال تحالف متين بين الكنيسة والملوك والأمراء والحكام.
حيث وجدت حركة البعث العربي طريقها إلى النور لتعبر عن آمال شريحة من الناس ما تلبث أن تعقد مؤتمرها التأسيسي فتضع مبادئ أساسية ومبادئ عامة وبرامج أخرى عبر عنها دستور الحزب في المستقبل من الناحية الاقتصادية والاجتماعية من جهة ومن الناحية السياسية من جهة أخرى، هذه المبادئ التي تفاعلت مع الأحداث عن طريق قيادات الحزب خلال مسيرته النضالية الطويلة.
ولعل سبب التباين بين المشروع النهضوي الأوروبي والمشروع البعثي العربي يعود إلى الفارق الزمني بين المشروعين، فحين عقد البعثيون مؤتمرهم في أبريل 1947 كان المشروع الأوروبي قد نضج واستوعب الثورة الصناعية بأبعادها التقنية والاقتصادية والاجتماعية، وكان من نتيجة هذه الثورة الصناعية تسريح العمال في الشركات الأوروبية في القرن التاسع عشر والقرن العشرين لإحلال الآلة محلهم.
ومما حدا ببعض الاشتراكيين الإصلاحيين الأوروبيين إلى أن يتبنى حلولاً نظرية لتحقيق نوع من العدالة، مما جعل بعض مؤسسي الحزب يجنحون إلى تبني حل اشتراكي إصلاحي لمواكبة النهوض القومي الديمقراطي، وكان معنى ذلك عموماً إفشال المشروع القومي عن طريق الجمود الاقتصادي.
أما الفصل الثاني من الكتاب الجديد فيتناول أحلام الوحدة السورية ـ المصرية التي تبددت، وإيضاح الوضع الدولي في أعقاب الحرب العالمية الثانية واستراتيجية الحزب بعد المؤتمر التأسيسي وأثر الموقف من المسألة الفلسطينية، كذلك موقف الرأسمالية الوطنية من الوحدة بين سوريا ومصر وأسباب فشل هذه الوحدة.
فبعد عشرة أيام فقط من اختتام أعمال المؤتمر الأول لحركة البعث العربي احتفل السوريون بجلاء الاستعمار الفرنسي عن الأراضي السورية في 17 أبريل 1947، وكان الجلاء أمنية جميع أفراد الشعب السوري بصورة عامة مهما اختلفت اتجاهاتهم السياسية فإنهم يجمعون على حدود دنيا تمثل مطالب عموم الشعب وقد رحب جميع أفراد الشعب بتشكيل فارس الخوري مندوب سوريا في الأمم المتحدة الذي فاوض الفرنسيين للجلاء عن أرض الوطن بتشكيله للحكومة السورية رغم أنه ينتمي للأقلية المسيحية إذ ان المعيار الوطني هو المعيار الذي كان سائداً.
وحول متاعب السلطة والنضال من أجل الفوز بالسلطة واستراتيجية الحزب التنظيمية والسياسية وصولاً إلى نكسة يونيو 1967، يتناول د. حسين القاضي في الفصل الثالث من تجربة الوحدة الفاشلة بين سوريا ومصر انعكست على وضع الحزب التنظيمي واستراتيجيته القطرية والقومية.
فمنذ أن أقدمت القيادة القومية على حل الحزب تلبية لشروط عبدالناصر بدأت تتعرض لانتقادات متزايدة من قواعد الحزب، لذا قامت القيادة القومية بدعوة المؤتمر القومي الثالث للانعقاد في مدينة بيروت في سبتمبر 1959 وقد استهدفت القيادة القومية من هذا المؤتمر تقوية مركزها التنظيمي، وتسويغ قرار حل الحزب الذي اتخذ بمناسبة الوحدة وقد أوصى المؤتمر بالفعل بتقوية وحدة الحزب القومية وتوضيح مفهوم الديمقراطية المركزية وتعزيزه بالإضافة إلى تأييد قيام الجمهورية العربية المتحدة وإعلان موافقة المؤتمر على قرار القيادة السابقة بحل الحزب في الجمهورية العربية المتحدة.
من جهة أخرى، يتناول الفصل الخامس من الكتاب الجديد تطور الصراع العربي ـ الإسرائيلي وخروج مصر من المواجهة والصراع على الملعب اللبناني والإرهاب الديني، حيث كانت معادلة الشرق الأوسط قبل فصل القوات كما صممتها الولايات المتحدة الأميركية هي أن إسرائيل تمتلك قوة عسكرية ضاربة تزيد على ما يمتلكه العرب مجتمعين، أما بعد ذلك فقد خططت الإدارة الأميركية لإخراج مصر من المجابهة مع إسرائيل وإعادة الأراضي المحتلة من مصر عام 1967 فتتحول المعادلة من معادلة غير متوازنة إلى معادلة مستحيلة الحل.
وقد ازداد عدم التوازن هذا بفعل التفوق الأميركي على السوفييت مما جعل الاعتماد على الاتحاد السوفييتي غير كافٍ للمواجهة العسكرية مع إسرائيل واستعادة الأراضي المحتلة تنفيذاً لقرارات مجلس الأمن الدولي 242 و338 بعد أن اعترفت فيها سوريا وصارت تناضل من أجل تطبيقها بالرغم من أن شرائح من الرأي العام العربي ما زالت ترفض الاعتراف بإسرائيل والتفاوض معها.
ولما كانت الاستراتيجية الأميركية بنيت على أساس أن عدوها الأول في الشرق الأوسط هو الاتحاد السوفييتي والأحزاب الشيوعية والحركة القومية العربية الذي صار البعث أهم فصيل يمثلها بعد رحيل عبدالناصر.
لكن مع سقوط الاتحاد السوفييتي وتفتيته إلى 15 دولة زال القطب الآخر من العالم واختفى التوازن المزعوم وأخذت الحدود الدولية والقومية السياسية والاقتصادية تتداعى يوماً بعد يوم، وسط عالم تسوده المنافسة الاقتصادية الحرة من خلال منظمات دولية تحرص على حرية التبادل وحماية المستهلك واحترام قواعد المنافسة وتسعى المشروعات والشركات المحلية والمتعددة الجنسية إلى تحسين الإنتاج ومزيد من خدمات المستهلك لتنعكس على الرفاه الاقتصادي للدول والشعوب.
وإذا كان ما يزيد على أربعة أخماس سكان العالم قد انضموا إلى المنظمة الدولية للتجارة وقد أخذت دول العالم تشيد تكتلاتها السياسية والإقليمية على أساس اقتصادي بحت في سبيل رفاه شعوبها ضمن قواعد السوق والمنافسة التامة.
فإن وقفة لا بد منها يحتاج حزب البعث العربي الاشتراكي إليها من خلال نموذج يمثل سياساته في المجال السياسي الداخلي والخارجي وتعاطيه مع المبادئ الأساسية التي عمل على تطويرها خلال قرابة نصف قرن من الزمان، بهدف تعميق التجربة وترسيخ المناسب منها والإقلاع عن الخاطئ وتعديله.
فإن نظرية الحزب تمثل انعكاساً للواقع تنطلق منه فتتطور تلبية للوقائع الراسخة ولا تقف جامدة، تريد تهديم الجدران الصلبة وتسبح ضد التيار الإنساني المتدفق، وتحاول كسب الوقت وتأجيل الاستحقاقات السياسية والاقتصادية والنتيجة مزيد من التراجع وسط عالم يسير إلى الأمام بخطى لا تعرف الكلل.
ولهذا السبب يؤكد د. حسين القاضي في الفصل الأخير من كتابه الجديد أن معارضة الحزب للرأسمالية الوطنية المحرك الأساسي لبناء الوحدة السياسية هو الذي أفشل المشروع القومي، وقد جاء تأثير الحزب بالفلسفة الماركسية، وما تنطلق منه من صراع طبقي وعداء للطبقة الرأسمالية صاحبة المصلحة في التنمية الاقتصادية وتوسيع السوق ولجوئه إلى تأميم وسائل الإنتاج وإلغاء ورفاهية المواطن في سوريا أيضاً.
إذ إن الاشتراكية كانت نظرية انسانية واكبت التقدم الحضاري بهدف تخفيف الظلم الواقع على الفئات الضعيفة في المجتمع وتخفيف الاستغلال عنها للوصول إلى نوع من الاستقرار الاجتماعي وتكافؤ الفرص الذي يضمن لجميع الناس حدوداً دنيا من الحقوق السياسية والاجتماعية.
وهذا يحتاج إلى قيام الدولة بإعادة توزيع الدخل القومي عن طريق النظام الضريبي الذي يجمع الأموال لتمكين الدولة من التوسع بالخدمات الاجتماعية كالتعليم الجيد والمعالجة الصحية وتأمين فرص عمل جديدة عن طريق تقديم القروض للعاطلين عن العمل وتقديم مساعدات تضمن التحاق الجميع بعجلة الإنتاج والتنمية.
فكلما شاعت ديمقراطية رأس المال عن طريق الشركات المساهمة وارتفع دخل جميع المواطنين وقلت الفروق الطبقية بينهم كان النظام أكثر اشتراكية.
ويخلص د. حسين القاضي إلى القول: لعلي أفتح باب الحوار، فإن هذه المسألة تهم كل البعثيين، بل كل العرب الذين تصدى البعث لتبني قضاياهم وقاتل من أجلها، لأن الحوار الديمقراطي هو الحل الذي لابد منه إذا كنا نود التصدي للإصلاح واللحاق بالركب العالمي الذي لا ينتظر.
أحمد أبو الحسن
الكتاب: البعث في ظل العولمة
الناشر: دار الرضا ـ دمشق 2005
الصفحات: 240 صفحة من القطع الكبير