تعرف الكاتبة الأميركية ماريلين روبنسون حاليا، بكونها الفائزة بجائزة بوليتزر للأدب الروائي لعام 2005، وذلك عن روايتها «جيليد» وهي عبارة عن رسالة مطولة من الواعظ الذي يبلغ السابعة والستين من العمر إلى ابنه الوحيد البالغ من العمر سبع سنوات، وتتناول من خلالها حياة وأفكار وتجارب الأب وأجداده في تلك المدينة الصغيرة التي تدعى إيوا.
ولدت ماريلين عام 1947 في ضاحية ساندبوينت التابعة لمدينة إيداهي، وبعد تخرجها من جامعة براون عام 1966، سجلت في برنامج اللغة الانجليزية للخريجين في جامعة واشنطن، وخلال دراستها بدأت كتابة رواية «ربات البيوت»، التي حققت نجاحا كبيرا لدى نشرها عام 1981.
بعد نشرها لتلك الرواية بدأت كتابة المقالات، وعملت على تقديم عروض للكتب لمطبوعة هاربر، وعروض باريس، ولعروض الكتب الخاصة بصحيفة نيويورك تايمز. كما بدأت بالتدريس كبروفيسور زائر في العديد من الكليات والجامعات بما فيها جامعة كينت البريطانية ، وهي عضو في ورشة عمل الكتاب التابعة لجامعة إيوا.
ومن خلال مقال كتبته لهاربر بعنوان «أخبار سيئة من بريطانيا»، بدأت العمل على كتاب نقدي بعنوان «الوطن الأم: بريطانيا، ووضعها الراهن مع التلوث النووي» الذي نشرته في عام 1989، وكان ضمن القائمة النهائية للكتب المرشحة لجائزة الكتب الوطنية، ويعرض الكتاب نتائج انتشار تلوث البيئة الناجم عن آلية عمل مصنع سيلافيلد الخاص بمعالجة المفاعل النووي.
كما نشرت أيضا في ذات العام مجموعة مقالاتها في كتاب بعنوان «موت آدم» مقالات حول الأفكار الحديثة، وعبر مجموعة المقالات تلك التي تتناول مواضيع مختلفة مثل جون كالفين، وداروين، وفرويد وعلماء النفس في القرن العشرين. حيث تناقش في كتابها وتنتقد الأفكار التي وصلت إلينا عبر المثققين حول نظريات هؤلاء المفكرين. وجدير بالذكر أن روايتها الجديدة «جيليد» وصلت إلى القراء بعد انتظار دام عشرين عاما.
وربما سيندهش القارئ حينما يعلم بأن هذه الكاتبة التي قدمت لها عام 1998 منحة من قبل الأكاديمية الأميركية للفنون والرسائل قدرها مائتان وخمسون ألف دولار أميركي، تدفع على خمسة أقساط سنوية قيمة كل منها 000,50 ألف دولار، (بهدف مساعدة الكاتب على التفرغ للكتابة والإبداع من دون الحاجة إلى أي عمل يمكن أن يعيق انتاجه)، قد استغنت عن تلك المنحة المالية بعد إجازة استمرت ثمانية عشر شهرا، لتعود إلى حقل التدريس وورشة الكتاب.
وتبرر موقفها بقولها: «أحب التدريس، ولا يمكنني وصف القدر الذي تعلمته من خلاله. وورشة الكتّاب التي أعمل فيها تتمحور بالكامل حول احترام الكتابة والكتّاب، سواء فيما يتعلق بالكلية أو بالطلبة. وهو عمل مثمر جدا».
وعلى عكس العديد من الكتّاب، فإن ماريلين لم تفرض على نفسها مشروع كتابة رواية ثانية، فهي تعتبر الكتاب فعلا أو مشروعا خاصا بها، وبالتالي لم تخضع لضغوط عالم الأدب والنشر لتثبت لهم جدارتها مجددا، فهي في المحصلة تتبع أولا واخيرا ما يجول في قلبها.
وتذكر بأن ما قادها لكتابة روايتها الثانية هو إقامتها في إيوا، وارتباطها بتلك المنطقة من خلال دراستها لتاريخها وجغرافيتها مما جعلها تشعر بالإنتماء والحب لها أسوة بسكانها. تلك الألفة هي التي ساعدتها على تبلور فكرة هذا العمل.
وتوضح ذلك بقولها، «حينما تفهم المضمون الإنساني لطبيعة منطقة، تكون قد انتميت لها. وأنا مغرمة بهذه المنطقة وطبيعتها الرائعة الرحبة. فالنور جزء مهم أيضا، حيث تتواصل مع النور الأفقي للصباحات والمساءات بلا أية حواجز». وجدير بالذكر أن معظم أبطال روايتها هذه من الرجال المرتبطين بالكنيسة عكس روايتها السابقة.
أما روايتها «ربات البيوت» التي نشرت في عام 1981، فهي رواية غريبة في موضوعها وتتحدث بالمجمل عن الفقدان والحزن وصراع البقاء ومراحل التحول من الطفولة إلى ريعان الشبان، وذلك من خلال حياة ثلاثة أجيال من النساء عشن حياتهن بعزلة عن عالم الرجال، ليس بدافع النفور منهم، بقدر ما هي ظروف الحياة التي فرضت عليهن ذاك الظرف. وهي قصة عائلة ارتبطت نساؤها بالحياة وببعضهن البعض من خلال خيط رفيع وواه. وفعليا كانت كل منهن تحاول الهرب من إطار العائلة، وبالتحديد بعد وفاة الجد بحادث قطار أليم أدى إلى وفاته غرقا في البحيرة.
تبدأ الرواية التي تسرد على لسان بطلتها روث بقولها، «ادعى روث» وتنتهي بتعليقها «لم أكن أملك القدرة على التمييز بين التفكير والحلم .. بالتأكيد ستكون حياتي مختلفة لو تمكنت من قول الفرق، ما تعلمته نابع من أحاسيسي، التي ربما كنت أتخيلها».
وتدور أحداث الكتاب في منتصف عام 1900 في بيت العائلة المنعزل، الواقع قرب بحيرة في ضاحية فنغربورن في أقصى غرب مقاطعة إيداهو. وقد انتقلت روث أصغر نساء العائلة برفقة أختها لوسيل إلى تلك الضاحية للعيش مع جدتهما، وذلك بعدما أحضرتهما والدتهما، هيلين، التي تركتهما على مدخل البيت، لتقود سيارتها باتجاه مدينة البحيرة باتجاه المرتفع المطل على البحيرة لتتوقف وتفتح نوافذ السيارة الخلفية، وتعاود قيادة السيارة مجددا حتى النهاية، وبذا تهوي بسيارتها في البحيرة التي غرق فيها والدها سابقا.
ربت الجدة الطفلتين على قناعة أن حياة ربة المنزل في بيتها هو عالم المرأة وكينونتها، فالبيت وما فيه هو عالمها الأوحد الذي منه تستمد وجودها وبقاءها. فالبيت وما فيه هو حاميها. ومع وفاة الجدة تنتقل رعاية الفتاتين إلى عماتهن العانسات، ليستقرا أخيرا مع العمة سيلفي، ودوما في ذات البيت.
والعمة سيلفي، وهي شخصية غريبة الأطوار غامضة، توافق على العودة إلى فنغربورن لرعاية الفتاتين. تبدو العمة في نظر الفتاتين بداية شخصية واهية لا تثير اهتمامهما، ولكن مع مرور الوقت، تبدو تصرفاتها لهما غير متوقعة ومحيرة. وتصمم لوسيل أن تختار لنفسها حياة محافظة، وعليه تنفصل عن العائلة سيما العمة.
أما روث الفتاة الحالمة التي لم تبلور أفكارها بعد، والتي ما زالت تعيش حالة الحداد بعد فاجعة فقدان والدتها، مما دفعها إلى الانعزال عن مجتمع العالم الخارجي، تتجاوب وتنقاد لرؤى عمتها الشعرية. وتتجلى رؤى تلك العمة، من خلال ما ترويه روث عن نفسها، «إن فكرة جدتي المتجسدة في الرباط الوثيق بالمنزل، فكرة مضللة. من الأفضل أن لا نملك شيئا، حتى عظامنا سنفقدها يوما ما. من الأفضل أن لا نملك شيئا. وحينما نكون بمفردنا، من المستحيل أن نفكر بغير ذلك».
وفي النهاية تقوم روث بحرق المنزل، وتغادر مع عمتها الحياة الماضية، لتبدأ باكتشاف الحياة وحقيقتها من خلال التجوال في عالم الحياة. وتلك الرواية لم تصنف من ضمن الأدب الكلاسيكي الأميركي، استنادا على القصة وحدها فقط، بل لمهارة الكاتبة في كل من، وصف الطبيعة ببراعة متميزة إلى جانب ربط مصير شخصيات الرواية بتراث وجغرافية المنطقة المتمثلة بالبحيرة والجبال المحيطة بها، إلى جانب لغتها الشعرية التي وازت في جماليتها وقوتها القصة نفسها،
حيث تتجلى براعة الكاتبة في السرد، من خلال إجماع النقاد بأن أهمية تلك الرواية تكمن أيضا من خلال اللغة المختزلة المعبرة الشعرية، فقراءتها تشبه قراءة القصيدة، حيث يحظى القارئ بمتعة توازي متعته لقراءة القصيدة، فبدلا من الاكتفاء بمتابعة قراءة السطور لمعرفة تطورات الأحداث، يتمعن القارئ في كل جملة وعبارة.
رشا المالح