مؤلف هذا الكتاب هو الباحث هارولد في. ليفرمور أحد المؤرخين المختصين بتاريخ أوروبا الجنوبية وبخاصة اسبانيا والبرتغال. وهو هنا يقدم لمحة تاريخية عامة عن هذا البلد منذ أقدم العصور حتى اليوم. ومنذ البداية يقول المؤلف إن البرتغال تبدو وكأنها استمرارية جغرافية وبشرية وحضارية لاسبانيا.

وبالتالي فهناك علاقات وثيقة بين هذين البلدين اللذين يتكلمان لغتين متقاربتين جداً هما: البرتغالية والاسبانية. وقد كانت البرتغال أول دولة أوروبية تحقق وحدتها الوطنية. وهذا ما حصل منذ القرن الثالث عشر. ومنذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا لم تتغير جغرافية البرتغال ولم تتبدل على عكس ما حصل للدول الأخرى.

وكانت أيضاً أول بلد يشهد ثورة بورجوازية منذ نهاية القرن الرابع عشر. وكانت أول بلد يرسل البحارة لاستكشاف جغرافية الأرض والبلدان البعيدة منذ القرنين الخامس عشر والسادس عشر. ولكن على الرغم من كل هذه السوابق والانجازات فإن البرتغال تخلفت عن دول أوروبا الأخرى لاحقاً. وظلت بلداً إقطاعياً، أصولياً، زراعياً، متخلفاً حتى فترة قصيرة. ولولا أن الاتحاد الأوروبي ضمها إليه وضخ فيها مليارات الدولارات لتطويرها لما استطاعت اللحاق بركب الأمم المتقدمة.

وبالتالي فللاتحاد الأوروبي عليها فضل كبير. ثم يعود المؤلف إلى التاريخ القديم للبرتغال ويقول: ينبغي العلم بأن هذا البلد شهد الفتح الروماني ثم الغزو الجرماني ثم أخيراً الفتح العربي . وقد ابتدأ هذا الأخير عام (711) تحت قيادة البطل البربري طارق بن زياد فقد هجم المسلمون القادمون من الغرب الأقصى على البرتغال واكتسحوها بسرعة قياسية ما عدا منطقة الجبال العالية والوعرة.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وخضعت البرتغال للنفوذ العربي لمدة أربعة أو خمسة قرون. ثم انتهى بعد ذلك عندما قام البرتغاليون بحركة معاكسة لاستعادة السيطرة على بلادهم وطرد العرب. وبشكل عام يمكن القول بأن الفتح العربي كان متسامحاً ويعامل السكان معاملة جيدة الا في حالات معينة.

ويمكن تقسيمه الى ثلاث مراحل. الأولى تمتد منذ بداية الفتح عام 711 وحتى عام 932. وكانت هي فترة الاحتلال العسكري الذي استقبلته البلاد بنوع من السلبية وعدم المقاومة تقريباً.

وأما الثانية فتشمل القرنين العاشر والحادي عشر. وهي تتطابق مع فترة ازدهار خلافة قرطبة. وعندئذ تغلغلت الثقافة الإسلامية بعمق في البرتغال بمرور الوقت. نقول ذلك وبخاصة إنها كانت تتفوق على الثقافة المسيحية في جميع الميادين: من العلم، الى الفلسفة، الى الآداب والفنون.

فأوروبا كانت تعيش آنذاك فترة القرون الوسطى المظلمة وعصور الانحطاط المتواصلة. وبالتالي فإن العرب والمسلمين قدموا لها مشعل الحضارة وأيقظوها من سباتها التاريخي الطويل.

وهذا ما يعترف به الآن المؤرخون المنصفون سواء داخل البرتغال ـ اسبانيا ام خارجهما.

وفي تلك الفترة تبنى البرتغاليون معظم التقنيات الزراعية والحرفية والإدارية والقضائية والعسكرية التي جاء بها العرب، وأثبتوا بتصرفهم هذا صحة القانون السوسيولوجي والتاريخي القائل بأن المتأخر يقلد المتقدم دائماً وهو قانون نص عليه ابن خلدون أول مؤسس لعلم الاجتماع في التاريخ. وهذا ليس عيباً. العيب هو ان تظل متخلفاً وترفض الاستفادة من تقدم الحضارة والعلم لدى الآخرين. فهذا موقف غبي يدل على المكابرة والمنهجية الفارغة ليس إلا.

والدليل على تأثير الحضارة العربية الإسلامية على البرتغال وتغلغلها العميق فيها هو ان الكثير من المفردات العربية دخلت إلى اللغة البرتغالية ولا تزال موجودة فيها حتى اليوم.

أما المرحلة الثالثة للفتح العربي هناك فقد حصلت في القرن الثاني عشر الميلادي عندما وصل المرابطون والموحدون إلى البلاد وكانوا متشددين من الناحية الدينية ولذلك فانهم أثاروا ردود فعل المسيحيين عليهم وسرعان ما ابتدأت المشاكل وأخذ السكان الأصليون يفكرون بطريقة ما لطرد العرب من بلادهم.

ولكن هذه العملية سوف تستغرق وقتاً طويلاً قبل ان يقيض لها النجاح

ثم يردف المؤلف قائلاً بما معناه: ولكن بما أن البرتغال بعيدة عن مركز الخلافة الإسلامية فإنها ظلت تحتل مكانة هامشية بالنسبة للعرب. ولذلك اقتصر تأثيرهم لاحقاً على مجال الزراعة حيث أدخلوا تقنيات الري الحديثة التي أثبتت فعاليتها ثم اعتمد عليهم أمراء البرتغال لاحقاً من أجل النهوض بالبلاد زراعياً وإدارياً وحكومياً وظل تأثيرهم متواصلاً حتى القرن السابع عشر.

ثم ينتقل المؤلف بعدئذ للتحدث عن العصور الحديثة ويقول بأن حركة التنوير التي حصلت في فرنسا وعموم أوروبا لم تصل إلى البرتغال وإلا متأخرة. وهذا هو سبب تأخر البرتغال بالقياس إلى انجلترا أو ألمانيا أو إيطاليا أو فرنسا، هذا ناهيك عن هولندا والسويد والنرويج .. الخ.

ثم عصر الزلزال الهائل الذي دمر العاصمة ليشبونة عام 1755. وقد وصلت اصداؤه الى كل انحاء أوروبا ونشر الخوف والذعر في النفوس، ومعلوم ان الفيلسوف الفرنسي فولتير خصص له قصيدة طويلة واهتم به كثيرا وحاول فهم دلالاته الفلسفية. وكذلك فعل جان جاك روسو الذي اختلف معه حول تفسير مغزى هذا الحدث وحول دور العناية الالهية في الموضوع.

كيف حصل الحادث؟ في الأول من نوفمبر عام 1755 الساعة التاسعة والنصف كان الناس مجتمعين في كنائسهم للصلاة. وفجأة ينفجر اكبر زلزال شهدته العصور الحديثة. وقد ادى الى تدمير العاصمة البرتغالية في معظمها وقتل الناس بعشرات الآلاف.

والكثيرون ماتوا بعد ذلك بسبب المجاعة والأوبئة الناتجة عن الزلزال. وقد دمر الزلزال القسم الأقدم والأغنى من العاصمة ليشبونة.

وكانت تعتبر من أجمل عواصم أوروبا في ذلك الزمان. وقد اعاد امير البرتغال بناء المدينة من جديد بعد ان وسع رقعتها الجغرافية وتخلى عن فن العمارة القديم. الذي كان سائدا في العصور الوسطى وحتى عصر النهضة. وهي عمارة تتميز بالشوارع الملتوية والازقة الضيقة التي كانت شائعة في مدن القرون الوسطى.

لقد أنشأوا مدينة حديثة على أنقاض المدينة القديمة التي دمرها الزلزال وقد حصلت كل هذه الأشياء في عهد الملك دون جوزيه و وزيره المستبد المستنير بومبال (1750 ـ 1777). و معلوم ان هذا الاخير حارب نفوذ رجال الدين المسيحيين في البرتغل بل وطرد اليسوعيين من البلاد. واتبع سياسة عقلانية وتنويرية في ادارة شؤون البلاد. وذلك لأن التنوير الأوروبي وصل أخيرا الى البرتغال وان كان بشكل متأخر.

وقد أجرى هذا الوزير المستنير إصلاحات عديدة على نظام التعليم والمدارس والجامعات، وحاول تقليص نفوذ رجال الدين على مؤسسة التعليم. ومعلوم أنهم كانوا يهيمنون عليها من خلال اليسوعيين.

وهكذا راحت البرتغال تخرج ولو قليلاً من هيمنة الكهنة عن طريق إنشاء نظام مدرسي شبه علماني إلى جانب النظام المدرسي الديني السائد منذ مئات السنين.

ثم أجرى الوزير بومبال إصلاحات عديدة على النظام الحكومي والضرائبي للدولة البرتغالية.

وبعدئذ ينتقل المؤلف للتحدث عن الحرب الأهلية التي جرت بين المحافظين والليبراليين، ويقول بما معناه: لقد أثرت الثورة الفرنسية وحروب نابليون على البرتغال مثلما أثرت على كل أنحاء أوروبا، وأدت إلى زعزعة النظام الملكي والإقطاعي القديم الذي كان سائداً في لشبونة منذ قرون عديدة، وهذا ما يدعى عادة بصدمة الحداثة الناتجة عن عصر التنوير والثورة الفرنسية.

وهكذا تعرضت الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبرتغال إلى اضطرابات وهزات كبيرة على مدار نصف قرن (1808 ـ 1851). واندلعت الحرب الأهلية عندئذ بين المحافظين والليبراليين، أي بين أنصار النظام الملكي القديم وأنصار الثورة الفرنسية والنظام الجمهوري، ومعلوم أن مبادئ الثورة الفرنسية كانت تنص على الحرية والمساواة والإخاء بين جميع المواطنين.

وكانت ترفض تقسيم المجتمع إلى طبقات عدة كالنبلاء، والكهنة، وبقية أفراد الشعب، بمعنى آخر فإنها ألغت امتيازات الطبقة الارستقراطية الإقطاعية إلى طبقة النبلاء، لأنها كانت ظالمة ولم تعد تتناسب مع روح العصور الحديثة. ولذلك لقيت صدى واسعاً في أوساط المثقفين البرتغاليين المستشرقين. فحاولوا الترويج لها وتطبيقها في البرتغال أيضاً. وعندئذ اصطدموا بالقوى المحافظة التي ترفض التغيير كما هي العادة دائماً.

وعن هذاالاصطدام نتجت الحرب الأهلية. فالحزب الجمهوري أراد إغلاق الأديرة المسيحية التي تفرخ التعصب والمتعصبين على حد قوله. هذا في حين ان التيار المحافظ أراد الحفاظ عليها لأنها تمثل ثوابت الأمة وخصوصية الشعب البرتغالي.

وهذا صراع كلاسيكي شهدته كل دول أوروبا بأشكال متفاوتة. ولكنه كان ضارباً أكثر في البلدان التي يهيمن عليها المذهب الكاثوليكي بسبب معاداة هذا المذهب لروح الحداثة. ينبغي ألا ننسى ان محاكم التفتيش استمرت في اسبانيا والبرتغال حتى نهاية القرن الثامن عشر في حين انها انتهت في فرنسا قبل ذلك التاريخ بوقت طويل.

ولهذا السبب فإن اسبانيا والبرتغال كانتا من أواخر الدول التي دخلت العصر الديمقراطي الحديث.

فالواقع ان سيطرة النظام الاقطاعي الأصولي الرجعي لفرانكووسالازار دامت فترة طويلة، أي حتى منتصف السبعينات من القرن الماضي. بعدئذ استطاعت البرتغال أن تخرج من عصورها الوسطى الاستبدادية وتدخل عصر الحريات الديمقراطية والحياة البرلمانية والسياسية التعددية. وكما قلنا سابقاً فإن الاتحاد الأوروبي لعب دوراً كبيراً في إخراج البرتغال من مستنقع التخلف والتزمت.

الكتاب :البرتغال

الناشر: بويديل وبريور ـ نيويورك 2005

الصفحات: 200 صفحة من القطع المتوسط

PORTUGAL

HAROLO V. LIVERMORE

BOYDELL AND BREWER - NEW YORK 2005

P. 200