يثير المنصف المرزوقي، في كتابه «عن أية ديمقراطية يتحدثون»، جملة من الإشكاليات الديمقراطية التي تخص ما يطرح حول استحقاقاتها في البلدان العربية، وعلاقة الديمقراطية بأزمات الداخل وضغوطات الخارج، متناولاً قضية الديمقراطية من خلال تحليل نظري متعمق لتناولها في الغرب، وتمايزها عن الليبرالية، وعلاقتها بمفهوم سيادة الشعب وحقوق الإنسان وجملة المفاهيم الحديثة المتداخلة معها والمتخارجة عنها.
ويرى المرزوقي أن العرب، الذين يقرنون آليا بين الديمقراطية والغرب، نادراً ما يعون ضراوة الحرب التي أعلنت على الديمقراطية في أوروبا الغربية، طوال فترة امتدت من منتصف القرن التاسع عشر إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث بلغت تلك الحرب ذروتها بين الحربين العالميتين ـ وفي إثرها ـ باستتباب الفاشية الإيطالية بقيادة موسوليني والألمانية بقيادة هتلر والفرنسية بقيادة بيتان والأسبانية بقيادة فرانكو والبرتغالية بقيادة سالازار،
وكانت جميعها أنظمة قامت على اغتيال تجارب ديمقراطية سابقة. ومن الطريف أن نجد اليوم في كتابات اليمين الإسلامي المتطرّف كلّ التهم، باستثناء تهمة الانتماء إلى الغرب، وأحياناً بنفس الجمل والعبارات التي استخدمها اليمين الغربي المتطرّف طوال قرن لمحاربة المشروع الديمقراطي. ونجد في مستوى القيم نفس الاحتقار للحرية كقيمة، ونفس تغليب الواجب على الحق،
ونفس الأولوية للدين عندنا أو الأمة أو العرق عندهم، واعتبارها وحدها مصدر كل شرعية ومحل كل تقديس. نجد نفس الإيمان بدور القوة تجاه الخارج والقمع في تطهير المجتمع من «الشوائب» و«الانحرافات». ونجد نفس التهكّم والازدراء للنظام التمثيلي والسياسة والسياسيين وألاعيبهم وفسادهم.. الخ.
الصفحات: 232 صفحة من القطع الكبير وهناك من يعتبر أن عيوب الديمقراطية، القائمة أساسا في مستوى المؤسسات، تلعب دور الخرقة الحمراء في وجه الوحش الفاشي النائم بعين واحدة داخل كلّ ثقافة، لأنه التعبير عن الجزء المظلم والغرائزي المكون في الإنسان، وهذا يعني أن مستقبل المشروع الديمقراطي في الثقافة العربية الإسلامية رهن بقدرته على تقديم حلول تحافظ على جوهر القيم الديمقراطية، لكن في إطار مؤسسات تتعلّم وتتجاوز الأخطاء التي كانت دوما إحدى ذرائع الفاشية للعودة إلى ممارسات كلفت وستكلّف الأشخاص والشعوب والإنسانية الثمن الباهظ.
وتسهم القراءة النقدية للتجربة الديمقراطية في طرح إشكالية تطوير التجربة الديمقراطية، انطلاقا من دروس التجارب التي أصبح العالم بأسره مسرحا لها. وهي نابعة من داخل انخراط كامل في قيم الديمقراطية وأهدافها لاعتقاد راسخ أنها، إلى حدّ الآن، أفضل النظم السياسية التي ما انفكّت الإنسانية تجربها عبر التاريخ بحثاً عن أحسن الحلول لإدارة شؤون المجتمعات الإنسانية. ولحسن الحظّ أنه ليس للديمقراطية نصوص مقدسة تكبلها وتمنع تجديدها، بوصفها عمل يعترف بإنسانيته،
وبالتالي بنواقصه، مما يجعل الإصلاح والمراجعة والترميم ممكناً. لكن مراجعة المؤسسات دون إعادة تأسيس الدعامات الثقافية التي تنتصب فوقها وتستمدّ منها متانتها بمثابة ترميم قصر أثري عائم فوق الماء والطين.
غير أننا اليوم في الوطن العربي نقف بين مطرقة الدكتاتورية الجاثمة وسندان الدكتاتورية التي تترصّد، ومطالبون بالبتّ في نوع النبتة التي نريد زرعها، في نفس الوقت الذي نحن مطالبون بتهيئة أرض قاحلة، حتى ولو لم تكن بورا. وإن لم ننجح في معركة القيم والمؤسسات فإن أي نظام ديمقراطي أو شبيه به لن يكون إلا بمثابة محطة استراحة عابرة بين دكتاتوريتين.
وإن كان الاستبداد ظاهرة مرضية في المجتمعات مثلما هو ظاهرة مرضية في نفسية المستبد، فإن المنصف المرزوقي يتناول مرض الاستبداد بوصفه مرضاً عصياً على الشفاء، حيث أن الثابت اليوم هو أن العقل الجماعي فهم بعمق لماذا تاهت الأمّة في الطرق الفرعية؟ لا يسلمها تقاطع طريق مسدود إلاّ إلى تقاطع طريق مسدود آخر.
لقد أصبح واعيا أنّ السبب الأخطر - حتى وإن لم يكن الأوحد - في المأزق الذي تتخبّط فيه هذه الأمّة هو الاستبداد. والنظام الاستبدادي، الذي وضعنا على وجهه البشع كلّ أنواع المساحيق الإيديولوجية، هو نفس النظام الذي قادنا إلى ما نحن عليه من أوضاع مزرية، بظلمه وقبحه وفساده وعجزه عن إدارة شؤوننا، سواء أسميناه وطنيا أو قوميا أو اشتراكيا أو إسلاميا. إنه مرض الأمّة العضال.
ويتساءل المرزوقي عن عوامل بقاء الاستبداد، معتبراً أن العلة تكمن في خلل في الجسم السياسي، أساسه اختلال الجسم وعموم الفوضى أو خطرها، الأمر الذي يتيح الفرصة لمرض الاستبداد مهاجمة الجسم والتغلغل فيه.
ويستند المستبد، في وجوده واستمراره، على جوانب خلل كثيرة، منها وجود بطانة فاسدة، تعكس الخلل القائم في النظام واعتماده على الأعوان من بين الأسوأ. إضافة إلى دوائر من المنتفعين والسلبيين التي تدعم هذا الوضع، فضلاً عن ان الاستبداد يستند إلى أساس متين، قوامه وجود «الإنسان المستبد»، الذي يتجسد عملياً بالإنسان العادي، ذلك الممارس للاستبداد حسب مجاله: الرجل في الأسرة، وكذلك المرأة، ورجل الأمن، والمسؤول الصغير، في حلقة تكبر حتى نصل إلى قمة الهرم الاستبدادي.
ويتطلب الخلاص من الاستبداد تفجير الطاقات الكامنة في المجتمع، ذلك أننا عندما ندقق البحث سنجد في أعماق مجتمعنا العربي الإسلامي المتشبع بقيم الاستبداد والغارق في ممارساتها إلى الأذنين، قوى جبارة يمكن ان تدفع بالإنسان الديمقراطي إلى مركز الصدارة. أي ستجد عملية التأسيس، في العائلة والمصنع والإدارة، مخزونا هائلاً من الأفكار والقيم والسلوكيات السرية الرافضة للاستبداد وظلمه، والمستعدة للدفاع عن أي نظام بديل، يرجع الكرامة المسلوبة والاعتبار الذي صادره الاستبداد.
وينتقد المرزوقي الفهم الخاطئ للديمقراطية، معتبراً أن وحدات الاستكشاف المتقدمة من المناضلين السياسيين عاجزة عن تصوّر مراحل انتقال نظامنا السياسي القديم إلى النظام الديمقراطي: هل سيقع تدريجيا، سلميا أو بالعنف، مع الغرب أم ضدّه؟ مع الإسلاميين أو بشرط القضاء عليهم؟
فنحن لا نعرف لحدّ الآن من سيقود المشروع الديمقراطي العربي إلى خاتمته السعيدة؟ وهل يمكن تصوّر حزب طلائعي ديمقراطي يقود العملية في كل قطر كما قاد الحزب الشيوعي بناء شصالاشتراكيةصص في روسيا وحزب البعث في سوريا والعراق وجبهة التحرير الوطني في الجزائر؟ ثم أين تقف حدود ما يمكن أن نسميه بالتيار الديمقراطي؟
وهناك جماعات حقوق الإنسان التي تفهم الديمقراطية كحركة أخلاقية طوباوية، مهمتها الفضح والاحتجاج والمطالبة مع التوقف عند خطّ أحمر وهو العمل السياسي. ويعتبر المرزوقي أن هذه المدرسة غير قادرة إلا على انتظار الإصلاح من أنظمة لا تَصلح ولا تُصلح. وهناك مجموعة التائبين الذين جاءوا إلى الديمقراطية من الاشتراكية والقومية والوطنية، بعد أن غرقت كلّها في وحل الاستبداد، ويحدوهم أمل إحياؤها بجرعة من الديمقراطية، لكن خلفياتهم ومرجعياتهم وآليات تفكيرهم مازالت قديمة.
كما أن هنالك جيل جديد، جاء إلى عالم السياسة في مرحلة تشبع الجوّ السياسي بقيم الديمقراطية فالتقط بعض شعاراتها دون أن يعني ذلك فهما عميقا لها أو انخراطا تامّا في مشروعها.
إنها حالة نجدها عند بعض أطراف الطيف الإسلامي أو القومي، لكنها لا تنذر بنقلة نوعية وعميقة في تفكير التيارين. وهنا يعتبر المرزوقي أن الأخطر من هذا كلّه، هو أن عملية «الدمقرطة» التي بدأت منذ السبعينات من داخل المجتمعات المدنية العربية،
بدت وكأنها انتزعت من أيدينا لتتكفّل بها قوى خارجية، وكأنها قضيتها التي اكتشفتها فجأة، وليست قضيتنا التي نناضل من أجلها منذ ربع قرن وأكثر. وبالتالي هنالك من يتساءل، في أيامنا هذه، لماذا لا يأخذ الديمقراطيون العرب المبادرة الأميركية بخصوص ما تسميه دمقرطة «الشرق الأوسط الكبير» على محمل الجدّ فيضعون أيديهم في أيديها للانتهاء من أنظمة ساقطة تجد نفسها لأوّل مرّة بين فكّي كمّاشة الداخل والخارج؟ وهل من الممكن أن نركب نحن الديمقراطيون العرب المطالب الأميركية وأن نستعملها لمصالحنا مثلما تركب الإدارة الأميركية مطالبنا وتحاول استعمالها لمصالحها؟
يرى المرزوقي أن الديمقراطيين الوطنيين هم آخر من يقبل ـ نظرياً على الأقلّ ـ الانخراط في المشروع الأميركي، وآخر من يستطيع المشروع الأميركي التعويل عليهم. وثمة قاسم مشترك بينهم على تباين مرجعياتهم هو إيمانهم أن على الديمقراطية أن تكون أداة تحرّرنا من الاستبداد الداخلي والتبعية للخارج، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الاستبداد استعمار داخلي والاستعمار استبداد خارجي.
وبالتالي فإن وطنيتهم وقوميتهم تجعلهم ـ مثلا ـ من ألدّ أعداء التطبيع مع إسرائيل، خاصة في ظرف الاستئساد الشاروني، ومن ألدّ أعداء الاحتلال الأميركي البريطاني للعراق. كل هذا يجعل من المستبعد جدّا تلاقي الديمقراطيين الوطنيين مع المشروع الأميركي.
لكن الأخطر من هذا كلّه هو نموذج «الديمقراطية التي يراد تصديرها لنا. هل هي برلمانات منتخبة وأحزاب تتخاصم وحكومات تذهب وتجيء وصراخ متصاعد من أعمدة الصحافة»؟ إذا كان الأمر كذلك فقد عرفت مصر وسوريا ولبنان، وحتى عراق الخمسينات أنظمة ديمقراطية كنستها الانقلابات العسكرية ولم يدافع عنها أحد؟ ألم يحصل ذلك لأنّها كانت قشرة سطحية تعوم فوق بحر هائج من الظلم الاجتماعي والإهانة الوطنية وثقافة استبدادية قاهرة.
إذن ما هي مصلحتنا في استنبات قشرة سطحية جديدة وعمق البحر لم يتغيّر فيه شيء؟ ولأن نفس الأسباب تولّد نفس النتائج، فإنه من حقنا أن نفترض أنه لو استطاعت أميركا فرض نموذجها في الديمقراطية فلن تكون غير مرحلة. ويمكن تفهم كل من يتساءل عن مدى أهلية وأحقية الأنظمة الغربية وخاصة الإدارة الأميركية الحالية في إعطائنا دروس الديمقراطية. فقد انحازت هذه الأنظمة، إلى حدّ الآن، لصالح رؤية ضيقة وقصيرة المدى، تنهض مساندة النظام السياسي العربي، لأنه يحمي مصالحها الظرفية، ويوهمها بأنه قادر على حمايتها من المدّ الأصولي.
يبقى السؤال المحوري وهو هل لنا نموذج في مواجهة النموذج الأميركي، ذلك أن الرفض ليس بديلا عن البديل، وما هو النموذج الذي نحمله في عقولنا وقلوبنا ونريد بلورته في واقعنا الاجتماعي والسياسي لكي نخرج نهائيا من مسلسل الاستبداد وما يستتبعه من تخلّف وتبعية؟
إن الردّ على هذا السؤال محبط للعزائم، لأننا لو حاولنا الإجابة عليه بنزاهة لاكتشفنا أنه ليس لنا رؤيا محلية للديمقراطية وليس لنا مشروع يفيد في كيفية تحقيقها. كما أن هنالك إجماع بين جلّ الديمقراطيين، يعتبر أن الديمقراطية لا يمكن تطبيقها كوصفة جاهزة، بل يجب التأسيس لها، قانونياً وحقوقياً، ويجب تعلمها من خلال الممارسة اليومية.
لا يكتفي المرزوقي بطرح إشكاليات الديمقراطية ونقدها المفصل، بل يفرد مساحة هامة من كتابه لما يسميه «التأسيس»، بوصفه مرحلة تقتضي جملة من الخطوات اللازمة لتأسيس نظام ديمقراطي متكامل وقابل للاستمرار، ويقترح الضمانات الدستورية لكيفية إرساء النظام الديمقراطي، وإشاعة قيم الديمقراطية، ومفاهيم حقوق الإنسان، وهي اقتراحات مثيرة للجدل، وتسهم في إرساء تقاليد النقاش الديمقراطي، وتدعو للتأمل النظري العميق والمشاركة في نقد وإثراء ما تطرحه من اهتمامات ومشاغل، ومن هنا تنبع أهميتها.
عمر كوش
الكتاب: عن أية ديمقراطية يتحدثون
الناشر: دار الأهالي والمؤسسة الأوروبية
العربية للنشر ـ دمشق ـ باريس 2005
الصفحات: 232 صفحة من القطع الكبير