بحكم تنقله للعمل في عدد من الجامعات مصرية والعربية قام الدكتور أحمد حسين الصغير (أستاذ مصري بجامعة الإمارات) برصد علمي لتحديات تواجهها الجامعات العربية على المستوى المحلي وهي تحديات لا تقل خطورة عن التحديات العالمية، تتمثل في بقاء هذه الجامعات لأكثر من نصف قرن، دون تجديد أو تطوير، وفي ظل ممارسات تقليدية، وفي إطار من عدم الاستقلالية، حتى وصلت إلى ثبات وجمود يشل حركتها ويحد من أدوارها.
من هنا تنبع أهمية كتاب «التعليم الجامعي في الوطن العربي ـ تحديات الواقع ورؤى المستقبل» للدكتور أحمد حسين الصغير الذي يقول في مقدمة بحثه ـ إن العالم في عصر ما بعد الحداثة انقسم إلى شمال غني يملك العلم وينتج المعرفة، وجنوب فقير يستورد العلم ويستهلك المعرفة، وبات واضحا أن مقياس التقدم في هذا العصر لا يعتمد على الثروات الطبيعية التي تملكها الشعوب، بل على حجم ما تملكه من الثروة البشرية المتسلحة بالعلم والقادرة على إنتاج المعارف.
فكيف في ظل هذه المعطيات تسعى الجامعات العربية لدور رائد ومؤثر؟ الإجابة يحاول الدكتور أحمد الصغير أن يجيب عليها عبر سبعة فصول، عالج الفصل الأول من الكتاب مفهوم الجامعة والتعليم الجامعي والتطور التاريخي لنشأة الجامعات العربية ، كمدخل تمهيدي لابد منه لفهم أبعاد القضية ومراحل تطورها.
حيث أوضح أنه منذ نشأة الجامعات حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر كان يُنظر للأستاذ الجامعي، على أنه مدرس في المقام الأول، وليس باحثا، لذا لم يكن معيار تميز الأستاذ الجامعي في ذلك الحين هو إنتاجه من الأبحاث المنشورة في مجلات علمية محكمة، وإنما كان معيار التميز هو مدى كفاءة وفاعلية أستاذ الجامعة في قاعات الدرس.
ويعاني التدريس في العالم العربي حاليا ـ والكلام لا يزال للمؤلف ـ من النمطية في الأداء والمحاضرات النظرية، في ضوء الأعداد الغفيرة من الطلاب، وفي المقابل يعاني البحث العلمي في العالم العربي من عدم وجود رؤية واضحة للبحث العلمي ، والافتقار لخطط منهجية علمية ـ تتضمن أهدافا مؤسسية .
ومن الوظائف التي من المفترض أن تضطلع الجامعات العربية بها: خدمة المجتمع، و لعب دور أساسي في تنميته، تنمية شاملة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية وتربوية وذلك عن طريق برامج تدريبية وورش عمل وندوات وبحوث ترتبط بمتطلبات مجتمع المعرفة الجديد.
ويؤكد المؤلف في موضع تال من بحثه «إن المجتمع العربي يواجه تحديات جسام، فهو يدخل مجتمع المعرفة وعلى ظهره أحمال ثقيلة، والجامعات العربية جزء من المجتمع العربي، وهي مسؤولة عن إعداد وبناء الإنسان العربي».
ومن بين ما تحتاج إليه الجامعات العربية بشدة التمويل، وتأسيس بنية تحتية من شبكة الاتصالات الحديثة والمعلومات، بحيث تصبح قادرة على القيام بأدوارها في مجتمع المعرفة، حيث تؤكد الشواهد والدراسات أن البنية المعلوماتية وبنية شبكة الاتصالات في الجامعات العربية بنية هزيلة، ويكفى الإشارة إلى نسبة استخدام الإنترنت في الولايات المتحدة الأميركية، فهي تصل إلى 54 % من السكان بينما تصل في العالم العربي إلى نحو 4 % فقط.
تناول الكتاب كذلك قضية مجانية التعليم وهي بالطبع من القضايا الشائكة للغاية فالمجتمعات الإنسانية على اختلاف أيديولوجياتها تحاول السعي لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية، ولما كان العامل المادي هو من مقومات تحقيق ذلك التكافؤ ..فإن هناك إجراءات متعددة ترمي إلى تذليل المعوقات المادية وتحييدها، وهي تمثل مكان الصدارة في تجارب الشعوب، وتأتي مجانية التعليم كأقدم وأشهر الإجراءات التي يلجأ إليها المسؤولون لتأكيد مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية.
إلا أن الربع الأخير من القرن العشرين، شهد توجها قويا يعارض مجانية التعليم الجامعي، حيث توصلت بعض الدراسات إلى أن المجانية هي سبب رئيسي في انخفاض نوعية التعليم الجامعي ، ففي ظل سياسة الباب المفتوح والمقرونة بمجانية التعليم الجامعي مضت الجامعات في التوسع بسرعة فائقة تحت ضغوط الطلب على التعليم الجامعي، لتجد الجامعات نفسها في نهاية نفق مغلق، وأزمة حقيقية أهم أبعادها، الإخفاق في تأمين تعليم جامعي ذي كفاءة مرتفعة ونوعية جيدة، في ظل مصادر التمويل المحدودة والتي تكاد تعتمد على التمويل الحكومي اعتمادا كليا.
بينما يرى آخرون أن المجانية ليست سببا في تدهور التعليم الجامعي وخفض نوعيته، بل على العكس ، يعد الإنفاق العام على التعليم الجامعي أحد المقومات التي يمكن من خلالها المحافظة على جودة ونوعية التعليم الجامعي، لأن الإنفاق الخاص يسعى باستمرار إلى الربح ولو كان ذلك على حساب النوعية .
ويوصي المؤلف في هذا السياق بضرورة إصلاح النظم المالية بالجامعات، والبحث عن مصادر تمويل تدعم التمويل الحكومي، والانفتاح على القطاع الخاص وإشراكه في تحمل أعباء التعليم الجامعي، خاصة في ظل وجود اتجاه عام في الدول العربية نحو تقليص إسهام الحكومات في تمويل الجامعات الرسمية.
أي أن أفضل السبل لحل هذه المعضلة هو التمويل المختلط كحل وسط بين التمويل الحكومي غير القادر على الوفاء بمتطلبات التعليم الجامعي، والتمويل الخاص الذي ينحو منحى الربح.
وجدير بالذكر في هذا الإطار أن إحصائيات عن تطور ميزانيات الجامعات المصرية دلل الباحث بها على أنه على الرغم من زيادة الميزانيات إلا أن شريحة كبيرة منها خصصت لبنود الأجور والاستخدامات الأساسية والمصروفات الجارية مما يقلل بشدة ـ في ظل ارتفاع الأسعار من نصيب الطالب من الميزانية ويجعله غير كاف.
كما استشهد الصغير بإحصائية تشير إلى أن معدل الإنفاق على البحث العلمي بالنسبة لإجمالي الدخل القومي يبلغ في اليابان 3. 2 % وفي أوربا الغربية 8. 1 % وفي الصين 8. 0% بينما يبلغ في الدول العربية 2. 0% فقط .
ومثلما هو الحال في ميثاق الأمم المتحدة، يعد الفصل السابع في الكتاب أخطر وأهم فصوله حيث استعرض فيه المؤلف مداخل تحسين التعليم الجامعي في الوطن العربي من خلال نقاط محددة تمثلت في: إعداد رؤية لكل كلية بالجامعة نظرا لكون التعليم الجامعي حاليا لا يلبي طموحات الوطن العربي، مع التوضيح بأن الرؤية المقصودة لكل كلية عبارة عن تصور عام يساعد القائمين على شؤون الجامعات وكذلك أعضاء هيئة التدريس على فهم أهداف العمل الذي يقومون به ، وماهيته ومتطلباته، وبشكل مواز يتم إعداد رسالة لكل كلية بالجامعة تترجم الرؤية السابق ذكرها وتجعلها أكثر تحديدا ، فتعمل رسالة الكلية على تحديد الأهداف والأفكار والقيم ، والتخطيط لوضع كل ذلك موضع التطبيق والممارسة الفعلية من خلال إطار مفاهيمي يوضح جوانب العمل ومساراته.
كما أكّد المؤلف أن تحديث البنية التحتية لمواكبة مجتمع المعرفة وهو مجتمع معقد والاستفادة من منجزاته تتطلب الوصول إلى مستوى معين ، يمثل الحد الأدنى من التعامل مع آليات وإنتاجات هذا المجتمع، ومن أهم الخطوات الإجرائية أن تبادر الجامعات العربية بتأسيس بنية تحتية قوية من شبكة الاتصالات الحديثة ومن قواعد المعلومات ، فالجامعات العربية لا سبيل أمامها سوى الاختيار التكنولوجي للتطوير والتحسين ، فالاهتمام بتكنولوجيا المعرفة أصبح يشكل أبرز مكونات الجامعات العريقة في القرن الحادي والعشرين.
في نهاية كتابه يوصي المؤلف بتحويل الجامعات إلى مجتمعات تعلم وهو مفهوم يرتبط بنشر ثقافة التفكير في الجامعات العربية، ونشر ثقافة التنمية المهنية فيها الجامعات لرفع مستوى هيئة التدريس ، وبناء شراكة فاعلة بين الجامعات لتقديم الاستشارات والخدمات المناسبة، بجانب بناء نظم تقييم فاعلة في الجامعات العربية.
وهو ما يكشف بجلاء أن وضع الجامعات العربية حاليا يفتقر لكل هذه التوصيات على الرغم من بداهة بعضها وكونها ضرورة آنية.
المؤلف وضع في نهاية بحثه تصورا شاملا لتمويل التعليم الجامعي في الوطن العربي يقوم على تنويع مصادر التمويل لتشمل التمويل الذاتي بتقديم خدمات استشارية على سبيل المثال مع ترشيد الإنفاق واستثمار الأصول المملوكة للجامعات بجانب تخصيص بعض الرسوم والضرائب يتم تحصيلها من المقتدرين.
أحمد فؤاد أنور
الكتاب: التعليم الجامعي في الوطن العربي
تحديات الواقع ورؤى المستقبل
الناشر: عالم الكتب ـ القاهرة 2005
الصفحات: 222 صفحة من القطع المتوسط