قام بتأليف هذا الكتاب الباحثان إيان بوروما وافيشاي مارغاليت. والأول استاذ علم الاجتماع في كلية «بارد» في الولايات المتحدة، والثاني أستاذ فلسفة. وفي هذا الكتاب يستعرضان موقف الحضارات الشرقية من الغرب: أي الحضارة الصينية، والحضارة اليابانية، والحضارة العربية الإسلامية، الخ.

ويرى الباحثان أن هناك تيارين أساسيين في هذه البلدان الشرقية: تيار معاد للغرب، وتيار مؤيد ومعجب بحضارة الغرب. التيار الأول مشكّل عموماً من الاتجاهات القومية والأصولية المتشددة، وأما التيار الثاني فيشتمل على المثقفين والسياسيين الليبراليين والتنويريين. فاليابان مثلاً كانت معجبة جداً بالغرب وحضارته إبان حكم سلالة الميجي التي حكمتها منذ عام 1868 إلى عام 1912. وكلمة «الميجي» تعني في اللغة اليابانية الحكم المستنير.

وفي ذلك الوقت كانت النخبة الثقافية والسياسية اليابانية تطرح الشعار التالي: الحضارة والتنوير. وقد أسسوا مجلة تحت هذا الشعار، وهذا الاسم. وقال المثقفون اليابانيون ما معناه: لقد تفوق الغرب الأوروبي ـ الأميركي علينا وعلى الصين وكل الأمم الشرقية بسبب سيطرته على العلم والتكنولوجيا، ثم بسبب انتشار الفكر العقلاني والفلسفي لديه.

ولهذا السبب استطاع أن يسيطر علينا ويستعمرنا. وبالتالي فلكي نلحق بالغرب أو حتى لكي نتفوق عليه ينبغي أن نقلده في كل شيء وأن نتعلم منه أسرار العلم والحضارة والصناعة والفكر والفلسفة.ثم يردف المؤلفان قائلين: وعلى هذا النحو راح امبراطور اليابان يرسل البعثات إلى الخارج، أي إلى ألمانيا، وهولندا، وانجلترا، وفرنسا، والولايات المتحدة وسواها لكي ينقل العلم الغربي إلى اللغة اليابانية. وأخذت اليابان تقلد اللباس الأوروبي، والقانون الدستوري الألماني والاستراتيجيات البحرية البريطانية، الخ..

كما وراح مثقفو اليابان يدرسون الفلسفة الألمانية، وفن العمارة الفرنسية، بالاضافة إلى أشياء أخرى عديدة. كل ذلك نقلوه إلى بلادهم وحاولوا تعديله لكي يتلاءم مع بيئتهم وشخصيتهم التاريخية.

وعلى هذا النحو تحولت اليابان من دولة اقطاعية متخلفة إلى قوة عظمى خلال بضعة عقود من السنين فقط. وأصبح من المستحيل استعمارها من قبل القوى الغربية كما حصل للهند مثلاً.

بل واستطاعت أن تحقق انتصاراً عسكرياً مذهلاً على قوة أوروبية هي: روسيا. وكان ذلك عام 1905. وقد قال تولستوي عندئذ جملته الشهيرة: انه انتصار المادية الغربية على الروحانية الآسيوية أو الشرقية لروسيا. وكان يقصد بذلك أن الغرب يمثل المادة والشرق يمثل الروح.. والروح لا تستطيع ان تواجه المادة.

والواقع أن سيطرة اليابان على التكنولوجيا المدنية والعسكرية هي التي أتاحت لها أن تنتصر على روسيا التي ظلت متخلصة من هذه الناحية على الرغم من الجهود التحديثية التي بذلت هناك بدءاً من بطرس الأكبر وحتى بدايات القرن العشرين.

ثم يردف المؤلفان قائلين: ولكن اليابان أخذت تعاني بعد ذلك من عسر الهضم الحضاري فيما إنها سيطرت على الحضارة خلال فترة زمنية فإنها راحت تعاني من أزمات نفسية أو من ردود فعل هائجة على الحضارة. وعلى هذا النحو ظهرت فيها نزعات قومية متعصبة تكره الغرب وحضارته وتلوم النخبة اليابانية الحاكمة على تقليده والذوبان فيه.

وفي الفترة الواقعة حوالي عام 1930 التقى التيار الماركسي للمثقفين اليابانيين بالتيار اليميني المتعصب على كره الامبريالية الغربية. وراحوا يفكرون في كيفية قهر الغرب أو الانتصار عليه.

ولكن التيارات اليابانية الكارهة للغرب لم تلجأ إلى أساليب العنف والارهاب للانتقام منه كما فعلت الأصولية الراديكالية في العالم الاسلامي وهنا يكمن الفرق الأساسي بينما كره الغرب لدى المسلمين وكرهه لدى الصينيين أو اليابانيين أو الهنود أو شعوب الشرق الأقصى عموماً.

وهدف الكتاب هو الكشف عن الجذور العميقة لكره الحضارة الغربية لدى جميع هذه الشعوب. فالاستغراب يزعج الكثيرين هناك وكذلك الاستشراق. والمقصود بالاستغراب هنا انتقال الأفكار الغربية وكذلك نمط الحضارة والحياة الغربية إلى شعوب الشرق وانتشارها هناك. وهذا ما يؤدي إلى انحسار نمط الحياة الشرقية والتقاليد المحلية أو الخصوصية: كالتقاليد اليابانية، أو الصينية، أو الهندية العريقة. وكذلك التقاليد العربية ـ الاسلامية.

أما الاستشراق فيعني دراسة الحضارات الشرقية من قبل العلماء الأوروبيين أو الأميركان منذ القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا.

وبعد أن أولع اليابانيون بنمط الحضارة الغربية في البداية راحوا يرتدون عليه لاحقاً ويرون فيه خطراً على أصوليتهم أو خصوصيتهم. وراح بعض فلاسفة اليابان يقولون بأن حضارة الغرب تختلف جوهرياً عن حضارة الشرق لأنها مغرقة في ماديتها وحبها للامتلاك والاستهلاك.

وقالوا بأن السبب يعود إلى تخلي أوروبا عن الدين والتعالي والروحانيات منذ ان كانت قد شهدت حركة الاصلاح الديني والنهضة والتنوير وازدهار العلوم الطبيعية التي لا تعترف إلا بالماديات المحسوسة وتنكر الروحانيات.

ثم يردف المؤلفان قائلين:

ولكن نزعة معاداة الاستغراب، أي الحداثة في الواقع تعود إلى بعض تيارات الغرب ذاته قبل أن تظهر لاحقاً لدى الشرقيين.

فالحركة الرومانطيقية التي ظهرت في القرن التاسع عشر كانت بمثابة رد فعل على التنوير وعقلانيته الناشفة أو الجافة البعيدة عن رطوبة الخيال ونداوة العواطف والقلوب.

ثم ظهرت الحركة الاشتراكية من ماركسية وسواها في القرن التاسع عشر كرد فعل على الرأسمالية وشرهها للمال والفائدة واستغلالاً للطبقات العمالية، والواقع ان بعض التقنيين اليابانيين يميلون إلى هذا الاتجاه الأخير، فهم لا يدينون التنوير ولا النهضة، ولكنهم يعتبرون ان العلّة تكمن في التصنيع الرأسمالي والاقتصاد الحر والنزعات المادية والاستهلاكية التي رافقت ذلك كله. فالإنسان لا يشبع، والرأسمالية لا تشبع.. وهنا يكمن أساس الشرور الحديثة.

ويرى أتباع التيار اليميني في اليابان والعالم الإسلامي أيضاً أن أصل الشر يكمن في الفصل بين الدين والدولة، وهو شيء حصل في نهاية القرن التاسع عشر في أوروبا، ففي رأي هؤلاء انه لا يمكن فصل الكنيسة عن الدولة، لأن الإنسان يشعر عندئذ بانفصام الشخصية.

ثم يردف المؤلفان قائلين: في الواقع ان السمة الأساسية التي تميز الحضارة الغربية عن العالم الإسلامي هي هذه: أي فصل الدائرة السياسية عن الدائرة الدينية، فالمسلمون يقولون باب الفصل مستحيل، لأن الدولة الإسلامية قامت منذ البداية على الجمع بين الدين والسياسة، ولكن الشيء الغريب هو ان مثقفي اليابان ليسوا مسلمين، ومع ذلك فقد انتقدوا الغرب في هذه الناحية ودعوا إلى الجمع بين الدين والسياسة في دولة واحدة.

وهكذا عادوا إلى دين «الشنتو» وهو دين آبائهم وأجدادهم وقالوا ان قيمة الروحانية ينبغي أن توجه السياسة والمجتمع والعادات والتقاليد وكل شيء في المجتمع، نقول ذلك ونحن نعلم ان شخص الامبراطور مقدس لديهم، وبالتالي فهم من هذه الناحية ينتمون إلى العصور الوسطى الأوروبية، حيث كان الملك لويس الرابع عشر يمثل ظل الله على الأرض.

ولكن هذه النظرية التي تخضع كل شيء للدين أو للعقيدة الأيديولوجية في المجتمع كانت لها نتائج سلبية على مدار التاريخ القديم والحديث، فطالما استغل المتطرفون الدين لأغراض سياسية وقاموا بمغامرات حمقاء أدت إلى خراب البشرية.

نذكر على سبيل المثال لا الحصر محاكم التفتيش في أوروبا، وكذلك حروب المذاهب والأديان، كما ونذكر مغامرة هتلر الذي أخضع كل شيء في المجتمع للعقيدة النازية، وراح يؤطّر الشبيبة ايديولوجياً ويدجّنهم عقائدياً، وكذلك فعل موسوليني في إيطاليا، أو ستالين في روسيا الشيوعية، أو ماوتسي تونغ أثناء الثورة الثقافية.. الخ.

وهذه المغامرات السياسية أدت إلى سقوط عشرات أو مئات الملايين من القتلى. فهي تؤدي إلى النظام التوتاليتاري: أي النظام الكلياني الشمولي الذي يخنق الأرواح والحريات. ومعلوم ان هتلر كان من أكبر أعداء الديمقراطية والحضارة الليبرالية وكان يقول بما معناه: إن مشاعري تجاه أميركا هي الحقد الأعمى.

وكذلك كان موقف ستالين وماوتسي تونغ وجميع القادة الشيوعيين، فالغرب كله يتجسد في أميركا في نظرهم.

وبما أن أميركا غنية جداً، وقوية، وذات نزعة امبريالية، بسبب قدرتها الهائلة، فإن الجميع كانوا يكرهونها ويخافون منها، وقد خلفهم على كرهها في عصرنا الراهن ابن لادن والزرقاوي والظواهري وسواهم من قادة الحركات الأصولية المتطرفة، فهؤلاء يعتقدون ان أميركا تمثل الشر المطلق وانه ينبغي تدمير حضارتها بأي شكل. وكذلك كان يفعل الخميني عندما وصف أميركا بالشيطان الأكبر، واعتبرها عدوة للمسلمين، ودعا إلى محاربتها في كل مكان.

ثم يردف المؤلفان قائلين: وقد صرح بن لادن بعد ضربة (11) سبتمبر قائلاً: لقد دُمّرت قيم الحضارة الغربية بعد سقوط البرجين التوأمين في نيويورك، فالبرجان الجباران اللذان يجسدان حضارة أميركا ويتحدثان عن الحرية، وحقوق الإنسان، والنزعة الإنسانية، كل ذلك تم تدميره، وذهب البرجان في الدخان المتصاعد بعد تدميرهما.

على هذا النحو عبّر زعيم القاعدة في فرحته لضربة (11) سبتمبر واعتقد أنه انتصر على أميركا، ولكنه نسي ان أميركا ليست الاتحاد السوفييتي وأنها قادرة على الرد الصاع صاعين على من يعتدي عليها.

الكتاب: الاستغراب

الغرب في نظر أعدائه

الناشر: بنغوين بوكس ـ نيويورك 2005

الصفحات: 165 صفحة من القطع الصغير

OCCIDENTALISM

THE WEST IN THE EYES OF ITS EDNEMIES

IAN BURUMA AND AVISHAI MARGALIT

PENGUIN BOOKS - N. Y. 2005

P. 165