شغالسان تشيناغ هو كاتب من منغوليا وأحد أشهر الروائيين المنغوليين المعاصرين.. تمت ترجمة العديد من أعماله إلى العديد من اللغات العالمية مثل «بيليك» و«صيد في التاي العليا» و«دوجنا». «نهاية الغناء» عمل جديد تدور أحداثه في سهوب «التاي» الموجودة بأواسط منغوليا التي يجتازها نهر «شومدو»..
إنها المنطقة التي يصفها المؤلف بالقول إنها تقدم البرهان على إن «لا شيء ينام ولا شيء يمضي ولا شيء يمحى». و«نهاية الغناء» هو نشيد حياة وللتأكيد بأن الحياة هي التي تنتصر دائماً. هذا ما يشرحه «غالسان تشيناغ» عبر حكايتين متوازيتين.. لأحصنة ولبشر. تبدأ الحكاية بطفلة فقدت أمها للتو وتركتها مع أخويها الاثنين ووالدها.. لذلك تجهش بالبكاء ليتداخل المشهد مع الحكاية الأخرى.. لفرس نفق المهر الذي ولدته..
وترفض بإصرار أن تعطي الحليب، «حليبها»، لمهر نفقت أمه عندما ولدته.. الطفلة تبكي وتتوسل للفرس ـ الأم أن تقبل إرضاع المهر الوليد (القريب) والمهدد بالموت. تقرأ في وصف هذا المشهد: «يرتفع صوت الفتاة الصغيرة صافياً متوحداً ممزقاً. لكن الأم ـ الفرس الصهباء تحتفظ بالمهر الذي ولدته ميتاً عشية اليوم السابق. مطأطأة الرأس وعيناها مغلقتان بينما تتدلى شفتها السفلى إلى حد ملامسة المهر الميت المخشب وقوائمه الأربع ترتفع نحو السماء مثل شجرة ميتة.
أما المهر الآخر الحي يبقى بعيداً خائباً ولا يتجرأ على الاقتراب من أثداء الأم الغريبة». إن المؤلف يضع في إطار واحد المأساتين.. مأساة الأم التي تموت تاركة وراءها أطفالها الثلاثة وزوجها.. ومأساة الفرس التي نفق المهر الذي وضعته ويمنعها «حدادها» عليه من إعطاء حليبها لمهر آخر فقد أمه عند الولادة.
ومن قلب هاتين المأساتين، لدى الخيول ولدى البشر يبحث «غالسان تشيناغ» عن الدروب التي يمكنها أن تؤدي بالبشر إلى «مصادر الحب». وبحثاً عن واحدة من هذه الدروب تحاول الفتاة الصغيرة أن تحف ذيل المهر الحي، المهدد بالموت عطشاً، بجسد الفرس كي «تختلط رائحتهما».
ويبقى المؤلف ابن الستين عاماً الذي كان قد ولد وترعرع وعاش في كنف أسرة من الرحل ومربي الخيول، وفياً لذلك العالم الذي تربى فيه، ليرسم على خلفية الأحداث صورة لشعب «التوقاس» في غرب منغوليا والذي يعيش في حالة حرب مستمرة، وهم الرحل المقاتلون، ضد «الغزاة» من روس وصينيين وغيرهم، لكنه لا يقدم لشعبه صورة مثالية..
وإنما يربطهم بشرطهم الإنساني ويبين كيف ان واقعهم جعلهم قساة القلوب ينقصهم الحنان في تعاملهم، بل وغياب الحنان لديهم وهم يمارسون أكثر الأفعال حميمية. وهذا ما يرمز إليه بشكل جيد الزوج «شومور» الذي توفيت زوجته التي «لم يتعلم كيف يحبها» ولم يكتشف فضائلها إلا بعد موتها، وبعد أن بقي وحيداً مع أطفاله الثلاثة.
إن العالم الذي رسمه «تشيناغ» في «نهاية الغناء» يبدو وكأنه خارج العالم وعلى حدود الحلم.. فالبشر فيه لا يزالون يتركون جثث موتاهم الذين يحبونهم للصقور الجارحة ويضعون على صخرة في البراري جمجمة الحصان الميت لانهم يريدون أن يعترفوا له بالجميل ويكرموه ويحرقون بالحديد المحمي مؤخرة الكلاب كي تتوقف عن النباح وينظفون جراحهم ببودرة بارود بنادقهم.
باختصار إنهم يبدون كشعب خارج الجغرافية وخارج التاريخ أيضاً ويجيدون الحديث مع أحصنتهم أكثر من الحديث مع البشر الآخرين. ولهم أيضاً أحلامهم السعيدة الزاخرة بالحياة.. لكن أبناء شعب «التوقاس» يعتقدون بإنه «لا ينبغي البوح بالأحلام لأي شخص». ولا شك بأن «نهاية الغناء» حلم أدبي جميل «شذ» غالسان تشيناغ عن القاعدة. وباح به.
الكتاب: نهاية الغناء
الناشر: ليبري دوبينانسول باريس 2005
الصفحات: 192 صفحة من القطع المتوسط
LA FIN DU CHANT
GALSAN TSCHINAG
LESPRIT DES PENINSULES PARIS 2005
P. 192