روجيه دادون، مؤلف هذا الكتاب، هو فيلسوف وعالم نفساني وشاعر وأستاذ في جامعة السوربون السادسة (جوسيه). سبق له وقدم عدة أعمال في مجالات اختصاصاته المتنوعة. منها: «التحليل النفسي السياسي» و «فرويد» و «الشيخوخة والمتعة» و «مئة وردة من أجل ويلهلم رايش» ـ رايش هو مؤلف كتاب «الثورة الجنسية» و «اليوتوبيا وانبعاثاتها» .. الخ.

«بيان من أجل شيخوخة متقدة» يريد له مؤلفه ان يكون في عداد سلسلة الأعمال التي تبدأ بكلمة «بيان» مثل «بيان من أجل الديمقراطية» و«البيان الشيوعي» لمؤلفه كارل ماركس .. لكن «بيان» الفيلسوف روجيه دادون هو في الواقع «من أجل الحياة». إذ أراد له أن يكون «وسيلة للنضال» لدى أولئك الذين تقدمت بهم مسيرة العمر ـ وهو واحد منهم ـ ويؤكد المؤلف بإن الطاعنين في السن يواجهون في واقع الأمر احد أكثر أشكال العنف قسوة ..

فهو عنف يتشارك فيه «الزمن» و «الجسد المتهالك» و «المجتمع الذي يمارس التهميش».ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب على مدى صفحاته كلها وبأشكال مختلفة هو ان للسن «أهمية قليلة»، اذ يمكن للإنسان ان يكون «ابدياً» الإنسان الذي اختاره .. ولا يتردد في ان يذكّر قارئه منذ البداية بتلك الشخصيات العظيمة الذين أبدعوا بينما كان الآخرون يعتقدون، هذا اذا لم يكونوا يريدون، وضعهم في «البّراد» هكذا برهن شاعر فرنسا الكبير فكتور هوغو في الثمانينات من عمره بإنه لا يزال مبدعاً

ولا يزال أيضا يعرف كيف يمارس «فن أن يكون جداً» وسيغموند فرويد ظل منتجاً حتى سن متقدمة كذلك رسم بابلو بيكاسو بعض أجمل اعماله وهو يداعب أحفاده . هؤلاء جميعاً وأمثالهم يجد المؤلف بينهم قاسماً مشتركاً هو أنهم قد رأوا مستقبلهم «أمامهم» وليس «وراءهم».

الطاعنون في السن ممن تجاوزوا السبعين من العمر يطلقون عليهم في الغرب تسمية» العمر الثالث» .. وهم يشكلون الآن نسبة مهمة من مجموعة عدد السكان .. وحيث قد غدا قريباً في بلد مثل فرنسا أفق أن يصبح عدد المتقاعدين أكبر من عدد العاملين الذين سيكون عليهم ان يتحملوا عبئاً ثقيلاً. لكن المتقاعدين هم على قناعة ـ وهذا ما يضمنه القانون لهم ـ بأنهم ينالون الجزاء الطبيعي لمساهمتهم خلال عقود عديدة من الزمن في الإنتاج، بل انهم قد نزلوا مرات عديدة الى الشارع للتظاهر والمطالبة بحقوقهم المتمثلة في زيادة المبالغ التي يتقاضونها بسبب ارتفاع الأسعار.

وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب أيضاً هو انه يمكن لأولئك الذين بلغوا سن الشيخوخة أن يحافظوا على ذهنية الشباب، وليس بالطبع بحيويتهم الجسدية. وهو يشير الى أن التحليلات التي يقدمها في هذا الكتاب إنما هي نتيجة للخبرة المتراكمة التي اكتسبها من خلال عمله لسنوات طويلة كـ «محلل نفساني» لـ «الأطفال الكبار»

ولأعمالهم حيث أثبت العديدون منهم انهم لا يزالون يحتفظون بـ «قدرة إبداعية هائلة. وينقل المؤلف عن الشاعر فكتور هوغو، الذي كان قد ساد فكرياً وأدبياً على قرنه، قوله بعد أن كان قد أنهى الجزء الأكبر ـ تقريبا كل ـ من أعماله: «إنني ابلغ الرابعة والسبعين من العمر وانني أبدأ مسيرتي المهنية الآن».

لم تكن جملة فكتور هوغو تحتوي على أي قدر مهما كان صغيراً، من المزاح أو المجاز، إذ انه قد أصبح بعد ذلك عضواً في مجلس الشيوخ الفرنسي وأبدى دعمه الكبير لأحد أهم الشخصيات السياسية الفرنسية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر أي «جول فيري» الذي كان وراء القرار التاريخي الخاص بالمدرسة الابتدائية ومناهج التعليم فيها حيث قرر بأن يجعلها «مجانية وإجبارية وعامة»،

أي أنه وضع الأسس الأولى لعلمنتها مع ما ترتب على ذلك من تحول كبير لا تزال آثاره بادية، بل بارزة، في الحياة السياسية الفرنسية حتى اليوم من خلال النقاش الذي لا يزال مستمراً حول العلمانية، وكان فكتور هوغو هو الذي كتب العديد من النصوص المكرسة لاستخدام «فيري» لها.

كذلك قدم فكتور هوغو في تلك المرحلة المتقدمة من العمر كتابه الذي يحمل عنوان «فن ان تكون جداً» الذي أثار في وقته جدلاً كبيراً شارك فيه مفكرو عصره .. وينتج المؤلف في هذا السياق في حديثه عن فكتور هوغو ليشير الى ان ذلك الشاعر الكبير بقي حتى أيامه الأخيرة مولعاً بالنساء وحيث كان يحرص «على عناق جولييت» بين اللقاءات التي كان قد كرس الكثير من وقته لها مع الأدباء الشباب من أمثال الشاعر الكبير «مالارميه» ..

ومن المشهور عن فكتور هوغو هو أنهم كانوا قد «ضبطوه ذات يوم بالجرم المشهود» مع إحدى عشيقاته في غرفة كان قد استأجرها في جادة السان جرمان الشهيرة في باريس .. يومها خرجت الصحف وهي تتحدث عن «الفضيحة» ولم يتردد العديد من النقاد في القول بأن فكتور هوغو قد «انتهى أدبياً» وانه سيبقى مكبلاً بالفضيحة طيلة حياته .. وكانت إجابته هي أنه أصدر بعد عدة أشهر رائعته المعروفة «البؤساء» التي قرأها مئات الملايين من البشر في جميع أنحاء العالم.

ويؤكد مؤلف هذا الكتاب بأن أديباً فرنسياً كبيراً آخر، هو «شاتوبريان» الذي قال هوغو عنه عند شروعه في كتابة أعماله الأدبية بأنه «يطمح الى ان يكون شاتوبريان او لاشيء» .. لكنه لم يقتصر على «مباراته» في الأدب، بل في نمط الحياة أيضاً .. اذ ان «شاتوبريان كان من نفس الطينة» كما يشير المؤلف.

وإذا كان فكتور هوغو وشاتوبريان مثالين بين أمثلة أخرى عديدة من عالم الأدب، فإن مؤلف هذا الكتاب يؤكد بأن المبدعين في مجال الفن لا يقلّون «شبابا» عن نظرائهم من اصحاب القلم ذلك «ان الريشة تحمي أيضاً من استنزاف الزمن» .. فهذا هو «كلود مونيه» صاحب لوحة «النيلوفر» الشهيرة بل وإحدى أشهر اللوحات في تاريخ الرسم كله، ظل حتى سن متأخرة يتأمل من نافذه بيته ـ اليوم متحف يؤمّه سنوياً مئات الآلاف من عشاق الفن من مختلف أنحاء العالم ـ حوض «النيلوفر» الذي رسمه في بلدة «جيفرني» إحدى الضواحي غرب باريس ليرسمه ..

ويرسمه من جديد. ان «موكب» الفنانين، وخاصة الرسامين، الذين يقدمهم مؤلف هذا الكتاب كـ «شواهد» على شباب «الكبار» ومن بين هؤلاء ا لرسام «ميرو» الذي تحوّل «نهائياً الى النحت وهو في مطلع عامه التسعين .. وبابلو بيكاسو، الذين رسم وهو في الثانية والتسعين من العمر لوحاته الشهيرة حول عالم «الإثارة الجنسية»، وهي اللوحات التي كانت باريس قد شهدت في العام الماضي معرضاً خاصاً بها .. وحيث كان النقاد قد أطلقوا عليه آنذاك صفة : «الرجل الفاجر الورع».

وفي محصلة القول يلخص الفيلسوف والمحلل النفساني روجيه بادون الشيخوخة بالصيغة التالية: «الشيخوخة ينبغي للمرء ان يقول لنفسه عنها بأنها النضال النهائي، النضال الذي لا يمكن لأي كائن إنساني ان يهرب منه، انه النضال المحتوم الذي يجعل من السن المتقدم، وعلى عكس كل الثرثرات وكل السرابات من المعركة بامتياز».

وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب يشير المؤلف بالاعتماد على الإحصائيات إلى أن «محاربي» المرحلة الثالثة من العمر يكسبون أكثر فأكثر معركة زيادة «أمل الحياة»، هكذا كان في فرنسا عام 1995 حوالي خمسة آلاف شخص تتجاوز أعمارهم المئة سنة، وتدل التوقعات بأن عددهم سوف يبلغ ثمانية عشر ألفاً عام 2010 وخمسين ألفاً بالنسبة لعام 2030.

ان مثل هذه الإحصائيات لا تثير، بالضرورة، الحماس، لا سيما في بلد غربي تتنامى فيه النزعات الفردية في ظل المجتمع الاستهلاكي . لكن المؤلف يقدمها في اطار يدعو «للتفاؤل» هكذا يختار في كلماته الأخيرة من الكتاب، جملة قالها الكاتب الفرنسي مارسيل دوشامب، وهي مكتوبة على أحد القبور في مدينة «روان» الفرنسية .. تقول الجملة: «دائماً الآخرون هم الذين يموتون» .. وهذا ما يعلق عليه «دادون» بالقول: «التأكيد» ولكن في آخر وقت ممكن».«الشيخوخة سن. جميل»، هكذا تقول رسالة هذا الكتاب.

الكتاب: بيان من اجل شيخوخة متقدة

الناشر: زيلما ـ باريس 2005

الصفحات: 166 صفحة من القطع المتوسط

NIFESTE POUR UNE VIEILLESSE ARPENTE

ROGER DADOUN

ZULMA - PARIS 2005

P. 166