علي أبو شادي ناقد سينمائي مصري عمل في عدة مناصب رسمية تختص بالشأن السينمائي وترأس عدداً من المهرجانات السينمائية وله أكثر من كتاب في النقد السينمائي. وفي محاولة «لرصد انجازات السينما المصرية خلال القرن الماضي يسعى علي أبو شادي الى تناول وقائع هذه السينما

وأهم انجازاتها من خلال منهج تاريخي يسهم في التعريف بالتحولات والتطورات التي شهدها تاريخ هذه السينما للوقوف على مسيرة قرن كامل تميزت فيه بالتنوع والتطور، وصناعة النجوم في بداية الكتاب يتوقف عند أهم المحطات التاريخية التي شهدتها بدايات العروض السينمائية في مصر بدءا من عام 1896 اضافة إلى الافتتاحيات الأولى لدور العرض السينمائية بالقاهرة والإسكندرية وكذلك بدايات الانتاج السينمائي، والرقابة على صالات السينما ومن المفارقات التي شهدتها العروض السينمائية الأولى 1912 ظهور ترجمة عربية لعناوين وحوارات الأفلام الأجنبية،

وكانت هذه الترجمات تكتب على ألواح من الزجاج يظهرها الفانوس السحري على شاشة صغيرة بجوار الشاشة الأصلية، وقد اخترع هذه الطريقة شخصية ايطالية كانت تقيم في مصر آنذاك، أما أول رواية ظهرت في فيلم سينمائي فهي رواية (زينب) لمحمد حسين هيكل، وكان ذلك عام 1914.ويعود تاريخ إنشاء أول شركة إنتاج سينمائية إلى عام 1917 عندما تأسست الشركة السينمائية الايطالية لإنتاج الأفلام الروائية وتعود ملكيتها إلى شخص ايطالي، وقد كانت المشاركة الأجنبية في بدايات الإنتاج السينمائي واضحة من خلال الدور الذي لعبته هذه الجالية في تأسيس شركات الإنتاج، وإقامة صالات العرض وفي التمثيل أيضا.

وكان واضحاً في ذلك دور الجالية الايطالية التي دفعها إلى التركيز على عمليات الإنتاج في مصر ظهور الشمس مدة طويلة أكثر من ايطاليا إذ أنّ التصوير كان يعتمد في تلك الفترة على ضوء الشمس.

ويتابع الناقد توثيقه التفصيلي لوقائع السينما المصرية في تاريخها الطويل الذي يسجّل عروض الأفلام الإخبارية القصيرة، أو الروائية الطويلة وفق تواريخ عرضها دون أن ينسى الإشارة إلى التحولات التي كان يشهدها مسار هذه السينما ومنها بداية اهتمامها برصد وتسجيل الأحداث السياسية المهمة كما جرى عام 1921 الذي عرضت فيه عدة أفلام عن عودة سعد زغلول من منفاه،

وممّا يمّيز تلك المرحلة أنّ جميع دور العرض السينمائي كانت ملكيتها أجنبية، وكان الدخل الأسبوعي لكل واحدة منها لا يقل عن 60 جنيهاً مصرياً، لكنّ عام 1923 شكل بداية تحول إذ شهد عرض أول فيلم مصري روائي طويل بعنوان «في بلاد توت عنخ آمون» لعب دور البطولة فيه عدد من الممثلين الأجانب، إضافة إلى الممثل المصري فوزي منيب، ورغم أنّ المخرج كان أجنبياً فإن التمويل والصناعة كانتا مصريتين، وتعد السيدة آسيا السورية الجنسية من أقدم الممثلات العربيات في تاريخ هذه السينما.

يوثّق أبو شادي لأول فيلم مصري روائي طويل اعتبر بداية التاريخ للسينما المصرية بفيلم (ليلى) الذي أخرجه الايطالي استيفان روستي، ومثّل فيه عدد من الممثلين المصريين والذي يعود تاريخه إلى عام 1927، ويؤرخ لأول منع عرض فيلم من قبل الرقابة وهو فيلم «مأساة الحياة» الذي منع عام 1929،

وهو من تأليف وإخراج وداد عرفي وتمثيل وداد عرفي وعبدالغني البدراوي إلى جانب ممثلين أجانب، والسبب في هذا المنع مشاهد الرقص الخليع وينتقل إلى تاريخ السينما المصرية الذي يعود إلى عام 1932 مع الفيلم الروائي المصري الطويل «أولاد الذوات» من إخراج محمد كريم، وبطولة يوسف وهبي ثم جاء الغنائي الناطق «انشودة الفؤاد» بعد شهر على عرض الفيلم الأول ولم تكن المرأة المصرية بعيدة عن لعب دور مهم في تاريخ هذه السينما، إذ قامت الممثلة فاطمة رشدي بإخراج فيلم «الزواج»، ومثلت فيه مع علي رشدي ومحمود المليجي أما الممثلة عزيزة أمير فقامت بانتاج وإخراج فيلم (كفّري عن خطيئتك) .

وقد أنتج هذان الفيلمان عام 1933 وهو العام الذي احتجت فيه مشيخة الأزهر على الرقابة لسماحها بمشهد للملحن والمطرب محمد عبدالوهاب يقبل فيه بطلة الفيلم سميرة خلوصي وهو يرتدي الطربوش ذلك أن الطربوش كان شعار مصر القومي آنذاك.

أما أول الجوائز التي حصل عليها العاملون في صناعة السينما فكانت جوائز لجنة مراقبة التمثيل بوزارة المعارف حيث منحت لعزيزة أمير عن فيلمها السابق وفاطمة رشدي عن فيلمها الأول وآسيا داغر عن فيلم «عندما تحب المرأة» وبهيجة حافظ عن فيلم «الضحايا» وهذا يؤكد أهمية الدور الذي لعبته الفنانة المصرية في تاريخ هذه السينما.

ويبّين الكاتب أنّ الفنانة المصرية فاتن حمامة ظهرت لأول مرة كطفلة في فيلم «يوم سعيد» أمام محمد عبدالوهاب، ويعد أحمد بدرخان من أقدم المخرجين المصريين في حين انّ السينما المصرية قدّمت لأول مرة فيلماً عن عمل أدبي للكاتب توفيق الحكيم عام 1944 في فيلم «رصاصة في القلب» اخراج محمد كريم وبطولة عبدالوهاب،

وقد ارتفع عدد الافلام التي تم عرضها في ذلك العام إلى 23 فيلماً .

وفي العام نفسه تم إنشاء المعهد العالي للتمثيل وأوكلت ادارته إلى زكي طليمات، وتعتبر سنوات الاربعينات من أخصب السنوات التي أسهمت في تعزيز صناعة السينما المصرية، وزيادة حجم إنتاجها، واجتذبت الكثير من النجوم المصريين والعرب إليها، إضافة إلى تقديم أسماء مخرجين جدد كصلاح أبو سيف وأنور وجدي وأحمد كامل مرسي.

لقد شهدت الخمسينيات قفزة واضحة في حجم الإنتاج السينمائي، كما بدأت فيها عمليات تنظيم صالات العرض ومسابقات الأفلام الروائية، ورسوم دعم السينما، وإنشاء أول مؤسسة عامة للسينما في مصر والوطن العربي، ومع بداية الستينات أقيم أول مهرجان سينمائي دولي في مصر.

كما ظهر عدد من المخرجين الجدد، وأنتج عدد من الأفلام المهمة كما وصل عدد شركات القطاع العام الخاصة بالسينما إلى ست شركات، كذلك قدّم القطاع العام عدداً من الأفلام المتميزة لعدد من المخرجين تعرّض بعضها بالنقد للنظام السياسي في مصر وفي مقدمتها فيلم «القضية 68» للمخرج صلاح أبو سيف، ويدون الكاتب الأفلام الروائية القصيرة التي فازت في مهرجانات تلك الفترة، ثم ينتقل إلى عقد السبعينات وما شهده من قرارات تتعلق بجهات الإشراف على الإنتاج،

وقد استطاعت بعض الأفلام أن تحقق جماهيرية واسعة، إذ استمر عرض فيلم «خلي بالك من زوزو» للمخرج حسن الامام وتمثيل سعاد حسني قرابة عام، وبعد حرب عام 1973 تم انتاج عدد من الأفلام التي تناولت هذه الحرب، وشهدت المهرجانات السينمائية فورة واضحة، كما حصل عدد من الأفلام المصرية على جوائز محلية وعربية، وكانت بداية الثمانينات نقطة تحوّل شهد فيه الانتاج المصري تراجعاً ملحوظاً.

في الوقت الذي ظهرت فيه أسماء عدد من المخرجين الجدد إلى جانب عدد من المخرجين المخضرمين أمثال يوسف شاهين ومحمد خان، إلا أن السنوات التالية شهدت تطوراً في حجم الانتاج، وكان واضحاً من خلال الجوائز التي حققتها بعض الأفلام أن السينما المصرية تواصل انجازها الفني لمخرجين مميزين كعاطف الطيب، ورأفت الميهي، وصلاح أبو سيف، وخيري بشارة، وعلي بدرخان. إذ قدّم هؤلاء المخرجون عدداً من الأفلام الجديدة التي تنتمي إلى سينما الواقعية الجديدة التي ترسخت في حقبة الثمانينات،

لكن هذه السينما شهدت في تلك الفترة أيضا مشاكل حقيقية مع الرقابة التي زاد تدخلها في مراقبة الأفلام، وفي عمليات الحذف والمنع.

ويشير علي أبوشادي إلى أن التسعينات شهدت منذ بداياتها دخول خمسة مخرجين جدد إلى عالم الاخراج السينمائي هم محمد مرزوق، وعادل عوض، ونبوي عجلان، وسعيد محمد مرزوق، وطارق العريان، وفي العام نفسه حصل عدد من الأفلام المصرية على عدد من الجوائز المصرية والدولية، كما تابع مهرجان القاهرة السينمائي الدولي دوراته، وازداد عدد الأفلام المعروضة.

كما توالى ظهور الكثير من المخرجين الجدد الذين حققوا منذ أعمالهم الأولى حضوراً مميزاً استحقوا عليه العديد من الجوائز العربية كالمخرجين رضوان الكاشف، وسعيد حامد وأحمد عبدالسلام، إلا أن منتصف التسعينات عاد وشهد انخفاضا في حجم الأفلام المعروضة في الوقت الذي جرى فيه تكريم عدد من الفنانين المصريين عالمياً وعربياً كالمخرج يسري نصر الله عن فيلمه (مرسيدس)، و(المهاجر) ليوسف شاهين الذي حصل في مهرجان واحد في جوهانسبرغ جنوب أفريقيا على سبع جوائز،

إضافة إلى العديد من الجوائز التي حصل عليها عدد من المخرجين كالمخرج رضوان الكاشف، والممثلين أحمد زكي ونور الشريف ويسرا.

واذا كان الكاتب يعتمد الطابع التوثيقي في دراسته لمسيرة قرن من السينما المصرية انتاجاً واخراجاً، وتمثيلاً ومهرجانات، فإنه كان جديراً بالتوقف عند بعض المحطات التاريخية المهمة التي شكلت علامات فارقة في هذه المسيرة الحافلة.

وكذلك عند بعض الأسماء التي لعبت دوراً كبيراً في تعزيز وتطوير السينما المصرية، من أجل التعريف بالجوانب الابداعية والفنية، وابراز دورها، إذ أن كثافة المعلومات، وتسلسل تواريخها لا تعفي من مسؤولية التوقف عند أهم المحطات في تاريخ هذه السينما التي شكلت السينما العربية الأبرز، وقدّمت عشرات الوجوه من الفنانين والفنانات، والمخرجين الذين امتد تأثيرهم إلى خارج مصر، وكانوا بحق صانعي تاريخ هذه السينما.

أحلام سليمان

الكتاب: وقائع السينما المصرية

في القرن العشرين

الناشر: وزارة الثقافة ـ دمشق 2004

الصفحات: 198 صفحة من القطع الكبير