رجل يستيقظ من غيبوبة من دون ذاكرة. انها تقنية روائية مستهلكة، تعتبر كلاسيكية أو كليشيهاً ممجوجاً بحسب مهارة الروائي الذي يستخدمها، تقنية لعبت دوراً محورياً في نتاج عدد لا يحصى من أعمال كبار الروائيين. جيامبيستا «يامبو» بودوني، بائع الكتب القديمة الذي يستطيع أن يتذكر كل قصيدة وكل رواية سبق وأن قرأها في حياته، لا يستطيع أن يتذكر وجوه زوجته وبناته. لكن باعتبار أن يامبو هو صنيعة الكاتب الإيطالي أمبرتو ايكو، فهو شخصية تستحق قراءة روايتها بالفعل.

مشكلة كبيرة مثل هذه تستدعي عادة الشعور بالهلع واليأس، لكن لأن يامبو لا يشعر بالفضول لتذكر المرأة التي أمضى معها 30 عاماً أو ابنتيه اللتين لم يكن يمضي معهما الكثير من الوقت، فإن هذا الموقف يثير الشعور بالاستغراب. يمضي يامبو الأيام الأولى بعد خروجه من المستشفى في محاولة تذكر ما إذا كان له علاقة مع مساعدته الشقراء الجميلة.

ويبدو هذا شيئاً منسجماً مع السياق لأن أول شيء أخبرته به زوجته عن زواجهما هو انه كانت لديه علاقات كثيرة مع النساء.إيكو ليس مهتماً باستطلاع موضوعي الخيانة الزوجية، كما انه لا يستخدم بطل روايته وموضوع فقدان الذاكرة لفعل شيء غير مثير كأن يصبح إنساناً أفضل. إيكو يستخدم مصيبة يامبو لرسم ملامح ذاكرة جماعية لجيل من الإيطاليين نشأ في مرحلة بينيتو موسولين يني.وفي محاولة لاستعادة الذاكرة، يغادر يامبو ميلانو إلى بيت العائلة الريفي في سولارا، ليبحث في أوراق طفولته، ويمضي أيامه وهو يعمل على بناء «ذاكرة ورقية» له.

إيكو يخبرنا بأكثر مما يقرأه يامبو، فهو يرى القارئ طوابع وأناشيد فاشية وصفحات مصورة من كتب قديمة تزين صفحات الرواية. هي مناورة روائية، لكنها فاعلة كما أن قراء إيكو لابد وأنهم سيقدرونها باعتبار انه قد ذكر في اللقاءات التي أجريت معه أن معظمها مأخوذ من مجموعته الشخصية التي يحتفظ بها.

كما أن يامبو، مثل إيكو، يتمتع بمجموعة واسعة من المقتطفات التي يستخدمها في الرواية من أعمال كلاسيكية شهيرة وكثيرة.

أولئك الذين لا يتمتعون بالصبر للبحث عن قائل كل مقولة يتضمنها الحوار والسرد، لابد أن يشعروا سريعاً بالتعب وهم يقرأون «الملكة لوانا»، غير أن القراء الحقيقيين سيشعرون أنهم يحصلون على قيمة مضافة من قراءة الرواية الممتلئة بأقوال كتاب آخرين، بل إن بالإمكان القول إن «الملكة لوانا» لإيكو هي «حكاية الكتب».

حين يسأل الطبيب يامبو عما إذا كان يتذكر اسمه، يجيب الأخير: «اسمي آرثر غوردون بيم» وهي الجملة الافتتاحية لرواية «حكايات آرثر غوردون بيم من نانتوكيت»، الرواية الوحيدة للشاعر ادغار آلان بو، والتي يعتبرها كثيرون الرواية التي استوحيت منها رواية «موبي ديك».

وحين يطلب الطبيب أن يحاول التذكر ثانية، يجيب يامبو: «نادني اسماعيل! يامبو يستطيع أن يتحدث عما يتذكره وليس عما هي الذاكرة.

يقول فلاديمير نابوكوف في سيرته الذاتية «تحدثي أيتها الذاكرة»: «منوميسين، كما لا بد من الاعتراف، قد أكدت انها بنت عابثة جداً». وهذا الكاتب الروسي عرف تماماً استحالة بناء ذاكرة عاطفية من الأوراق.

بالنسبة لإيكو، وهو البروفيسور في علم العلامات، فإن كل شيء يمثل مفتاحاً أو إشارة مهمة للفهم. يقول: «البشر يتواصلون باللغة، لكنهم أيضاً يتواصلون بكل شيء يفعلونه. الكتب التي يقتنونها، الطريقة التي يزينون فيها بيوتهم، أيلبسون ربطة عنق أم لا، هذه كلها علامات على أشياء أخرى. هذا هو جوهر علم العلامات».

الرواية وسردها تجعل الكاتب يمارس فحصاً تشريحياً للحنين. يقول «بالتعريف، كلمة حنين تعني الرغبة في العودة، الرغبة في العودة إلى الطفولة أو العودة إلى العشرينات أو الثلاثينات من العمر. أنا راض بما أنا عليه الآن، علاقتي بالماضي هي علاقة عطف ومحاولة متواصلة للفهم. طيب، لأعترف بأني كنت دوماً أحن إلى طفولتي، الأمر بدأ حين كنت في الرابعة عشرة من العمر».

ولهذا فإن «الملكة لوانا» هي على نحو مفاجئ أكثر ذاتية من كل أعمال إيكو السابقة، حيث يقول: «لقد صنعت شخصية مختلفة بما فيه الكفاية عني وبحيث استطيع أن أضع في الرواية الكثير من ذكرياتي الشخصية وأشعر في الوقت نفسه أن خصوصيتي تبقى مصانة.

على سبيل المثال كثيرون لابد وأن أحبوا شخصاً وهم في عمر 16، لكنهم لا يتحدثون عن ذلك أبداً. وفي هذه النقطة بالذات فإن الفتاة التي في الرواية كانت فتاتي في الواقع».

نجاح ايكو وشهرته في أعماله الروائية نابعان من قدرته على نقل أفكاره المعقدة والاستفادة من هذه الأفكار وإشاراته الموسوعية في تدعيم حبكته بدلاً من إثقالها. في روايته «بندول فوكو عام 1988، يسرد إيكو قصة ثلاثة رجال في إيطاليا المعاصرة تدفعهم ألعابهم الفكرية عن فرسان المعبد إلى التورط في مغامرات خطرة.

وإلى جانب رؤيته الأخرى «اسم الوردة»، فإنها ساهمت في تفريغ نوع جديد من أدب الإثارة الذي يستخدم من التاريخ مادة له، آخر مثال عليه هو «شيفرة دافنشي» لدان براون.

إيكو ليس مقتنعاً بالصيغة التي يستخدمها براون، «فالمؤامرة كلها المتضمنة في الحبكة محتواة أصلاً في بندول فوكو، انها مادة قديمة استخدمت آلاف المرات سابق

ذاكرة واعية

شذاكرتي مثل الدودة الشريطية، لكن بخلاف الدودة الشريطية، ليس لها رأس، هي تتجول في متاهة، واي نقطة منها يمكن ان تكون البداية أو النهاية لرحلتها. يجب ان انتظر ذكرياتي لتأتي من تلقاء نفسها، وفق منطقها هي. هذا ما يكون عليه الأمر في الضباب. في ضوء الشمس، تستطيع ان ترى الأمور من بعيد وتستطيع ان تغير اتجاهاتك حسب رغبتك من اجل ان تواجه شيئا محدداً.

أما في الضباب، فإنك تحس بأن شيئا أو شخصا يقترب منك، لكنك لا تستطيع ان تعرف من هو أو ما هو حتى يصبح قربك. غير اني حين أفكر بحياتي في اوراتوريو استطيع ان أراها كلها، لا أعود أواجه دودة شريطية، بل تسلسلاً منطقياً.

تغيرت الحياة حين بلغت من العمر أحد عشر عاماً، مع رحيلنا عام 1943 إلى سولارا. في المدينة، كنت صبيا مكتئباً يلعب مع رفاقه في المدرسة ساعات قليلة في اليوم. باقي اليوم كله كنت أمضيه منكباً على كتاب، أما في سولارا، حيث كنت أذهب إلى المدرسة ماشياً وحدي أجوب الحقول وكروم العنب، فقد كنت حراً، هناك انفتحت امامي منطقة غير منظمة، كان لدي الكثير من الأصدقاء الذين أتجول معهم.

حين كان الحلفاء يقصفون المدينة، كنا نرى الوميض البعيد من نوافذنا في سولارا، حيث كانت الارتجاجات تأتينا مثل الرعد. الحرب حولتنا إلى عدميين، القصف كان مثل العاصفة، نحن الأطفال كنا نلعب في سكينة مساءات الثلاثاء وفي أيام الأربعاء والخميس والجمعة، لكن هل كنا مطمئنين بالفعل؟ ألم نكن قد بدأنا نشعر بالتوتر نتيجة ذلك المزاج السوداوي المندهش والمسترسل الذي استولى على كل من يعبر على قيد الحياة حقلاً تنتشر فيه الجثث؟

مقتطف من رواية «اللهيب الغامض للملكة لوانا»

اً. الأمر يجعلني أضحك وأن أرى الناس ينظرون إليها بجدية».

الكتاب: اللهيب الغامض للملكة لوانا

الناشر: هاركورت ـ لندن 2005

الصفحات: 480 صفحة من القطع المتوسط

The Mysterious Flame of Queen Loana

Umberto Eco

Harcourt - London 2005

P. 480