الدكتور فاضل الأنصاري مؤلف هذا الكتاب أستاذ جامعي عراقي، وباحث في التاريخ والجغرافيا السكانية. وُلد في النجف عام 1940 وحصل على شهادة الدكتوراه من معهد الاستشراق في موسكو. عمل أستاذاً في جامعة دمشق. من مؤلفاته: «سكان العراق»، «أبحاث في الجغرافيا الإنسانية»، «الجغرافيا الاجتماعية»، «مشكلة السكان»، «جغرافيا السكان».

وفي كتابه الجديد «قصة الاستبداد» الذي قُدّر أن يكون آخر كتاب له، وهو الذي أراد أن يكون الأول في سلسلة تبحث في تاريخ الاستبداد وآليته، ذلك الأسلوب المتوحش في الحكم الذي أصاب أمتنا لقرون فأسهم في تأخرها وتدهور حالتها. تندرج في مصطلح «الاستبداد» مترادفات كثيرة، يتضمن كل منها شكلاً كلاسيكياً للظاهرة الاستبدادية المطلقة.

من قبيل (الديكتاتورية، الأوتوقراطية، السلطة المطلقة، الاستئثار بالسلطة، الطغيان، الاستعباد السلطوي، نظام الغلبة، الفردية الحاكمة، التسلّط، الاعتساف.. وغيرها)، مما يتضمن تصرف الفرد أو قلّة من الأفراد في حقوق الآخرين وحرياتهم، من دون تبعة أو مساءلة وبغير ضوابط محددة أو ثابتة. وبالنقيض من هذا المصطلح كانت كلمة «الديمقراطية» ومضامينها.

يتألف الكتاب من بابين وخمسة فصول. يقول الدكتور فاضل الأنصاري: عن مباحث الفكر الإسلامي حول الحاكمية، إن القانونية التي رعاها العلماء والمفكرون من رجال الدين قدمت خزيناً ضخماً من المفاهيم والمجريات حول شرعية حقوق تألّه الحاكم وقدسيته، وهي الحقوق التي أصبحت بعض حركات التسلّف الديني تستعيرها مجدداً.

ففي الوقت الذي ذهب فيه مفكرون إسلاميون محدثون من أمثال «محمد عبده» (9481 ـ 1905) إلى «تجريد الحاكم من أية سلطة دينية»، تظهر المطالبات بالعودة إلى تلك الآراء التي تبنّاها عدد من المفكرين الإسلاميين البارزين في التاريخ المبكر أو الوسيط، من قبيل وصف علو مراتب الملوك بما يقترن بالخالق (كإمامة إلهية غير مسؤولة أمام أي شخص سوى الله، وليس من حقوق للناس بإمرته في تحديد واجباته أو محاسبته على سلوكه)،

وباعتبار أن «الملكية أمانة الله والملك أمين الله» وأن «الله أكرمهم فسمّاهم ملوكاً وسمّى نفسه ملكاً»، أو أن الملك كالنبي واتباع أوامره واجب مقدّس. وإن تراجعت تلك الإثارة الأسطورية التي تقدّس الحاكم بذريعة العقيدة والدين، فإنها تظل مرتبطة بعمق الأزمة التي صنعت الاستبداد، تقليداً ما زالت بعض مظاهره ومنعكساته وصراعاته باقية في الحاضر.

وفي الفصل الثاني من الباب الأول يتحدث عن تداعيات الحاشية فيقول: يختص المستبدّ النموذجي بحاشية نموذجية من الأصحاب والأقرباء وأبناء العشيرة والحراس الذين يقودون المؤسسات ويروّجون للحكم، وتمتد أصابعهم إلى سائر مفاصل الدولة والمجتمع، وهم جزء أساسي من حضانة المستبد ومقوّماته ومرتكزاته وقوته ووسائط ملاهيه، وملاذات طاعته.

وقد يكون بينهم سياسيون وعسكريون وكتّاب وأدباء ورجال دين، جنباً إلى جنب مع بطانة توفر المسرة وتشارك المستبد هواياته وجائحاته. ومعظمهم منافقون مستعدون لفعل أي شيء، يجيدون ثقافة التملق والمداهنة التي ترضي المستبد وينتشي بصنوفها.

وعن «استبداد الضرورة» يشير الباحث إلى اختلاف نماذج الحاكم باختلاف الضرورات والمواهب والظروف المكانية والزمانية، فيكون متجبراً أو متساهلاً، ظالماً بعمومية القسوة أو قاسياً حين يجب، متفرداً في رأيه أو مشاركاً الآخرين في صيانة قراراته، مؤسساً لدولة قوة أو محافظاً عليها من الانهيار. وفي كل الحالات لا يتنازل عن سلطة القرار وحرية اتخاذه، وله وحده حقوق قيادة الدولة وإدارة حركتها، ومنح الصلاحيات للأتباع أو حجبها عنهم.

ونجد أن معظم الكتابات العربية الإسلامية القديمة التي ساهم فيها مؤرخون ومفكرون وفقهاء، سوّغت ملك الحاكم المستبد وأسهبت في معالمه ومدى الحاجة إليه، بغض النظر عن الضرورات الفعلية للاستبداد في حينه. وتذرّعت تلك الكتابات بنظرية الطاعة تجنباً للفتن من دون الخوض في عواملها ومسبباتها.

ومع نهايات القرن التاسع عشر جاهر «محمد عبده» بالحاجة إلى المستبد المستنير لإنقاذ البلاد العربية من النير العثماني، بوصفه: يكره المتناكرين على التعارف، ويُلجئ الأهل إلى التراحم، ويحمل الناس على رأيه في منافعهم بالرهبة، ثم يتساءل محمد عبده: هل يعدم الشرق كله مستبداً من أهله، عادلاً في قومه، يصنع في خمس عشرة سنة ما لا يصنع العقل وحده في خمسة عشر قرناً.

وعن القواعد التأسيسية لنظرية الحكم في الإسلام يتحدث الباحث في الفصل الأول من الباب الثاني فيقول: لم تغفل نصوص القرآن الكريم ضرورات الحكم وممارسة السلطة، وهي تناقض عموماً مفاهيم الاستبداد، وتجرّد الحكام عملياً من مشروعية استبدادهم، على قواعد من المساواة بين الحاكم والمحكوم في الخضوع للمبادئ الواجبة على الجميع، والمسئولية أمام الله تجاه ما يقومون به أو يفعلونه في دنياهم. ولما يتكرّر قوله تعالى في بداية الدعوة في سور نزلت جميعها في مكة: «إن الحكم إلا لله» (الأنعام: 57)، (يوسف: 40، 67)، (غافر: 12) و«ألا له الحكم» (الأنعام: 62) و«من أحسن من الله حكما» (المائدة: 50). لا يسوغ جوهر هذا المبدأ، تسييس الديانة،

ويسحب الحق الإلهي سلطة الحق البشري المقدس، وبالتالي يجرّد السلطة المستبدة من مضمونها ومقوماتها، بأن يلغي عنها بساط التقديس من غير نيابة عن الله، الأمر الذي يصبح مستحيلاً، لعدم إمكانية التماثل في العدل والحق. فالله «ليس كمثله شيء» هو المطلق الوحيد خارج تاريخنا وإرادتنا، بينما سائر البشر، أناس في الزمان والمكان، وأن عدل الله الواحد، ورعايته لمصالح البشر ليس مجرّد قدوة للسلطة الأدنى فحسب، وإنما هي أمر واجب للحاكم على الأرض، حتى لو تفرّد الحاكم بغطاء ديني، وإلا هو كافر ظالم فاسق.

بهذا يلزم الإسلام، أي سلطة حاكمة أن تقيم شرعيتها بالإيمان بما أنزل الله، في أولية لابد أن يتقدم فيها الأخلاقي على السياسي، الأمر الذي عده بعض المفكرين تسويغاً لغياب السلطة، من حيث هي كذلك الديانة الإسلامية، لأن السلطة الحقيقية هي الله. وإن نزلت هذه الآيات لسبب معين في «مدينة الرسول»، فإنها تشكل احدى الضوابط القاعدية المهمة لعدم الانحراف في ممارسة السلطة.

ويمكن تصور المنهج السياسي العام لنظرية الحكم في الإسلام بالمعالم التالية: أولا: مبدأ الشورى. ثانيا: مبدأ حرية الرأي ومشروعية المعارضة. ثالثا: مبدأ المساواة والتفضيل بالتقوى. رابعاً: مبدأ العدل ومقاومة الطغيان. خامساً: مبدأ الطاعة.

وفي الفصل الثاني من الباب الثاني يتناول الباحث عصر الراشدين ـ الدور الأول (11 ـ 13ه/ 632 ـ 634م) وتحت عنوان: من غلبة العقيدة إلى غلبة القوة. يقول: انتهى عهد عمر بن الخطاب والدولة الإسلامية تخطو حثيثاً نحو القوننة والمؤسساتية، وباتجاه قواعد، لم يتسن لها الاستكمال في ظرف تلك المدة القصيرة التي لم تتجاوز عشر سنوات من العمل الجاد. وبالاحتكام للقوة في الاستخلاف، أوصدت مجريات الشورى التي نسبت لعمر، الباب أمام حاكمية الشعب، لصالح حاكمية الله ومرجعيته التي لا يجوز للأفراد والجماعات مخالفتها أو الاعتراض عليها.

فصار المجتمع الاسلامي يحث الخطى نحو دول الاستبداد التي يتصرف فيها الحكام بالمطلق بذريعة من تلك المرجعيات المقدسة، محتكرين السلطة مدى الحياة بصلاحيات قمعية كاملة، وبغير مساءلة ولا مراجعة ولا قيود، لأن القوة صارت حكماً يعطيهم الحق بأن يمتلكوا كل الأشياء غنيمة، ويفعلوا ما يشاؤون. وفي الفصل الثالث من الباب الثاني يرصد الباحث عصر الراشدين ـ الدور الثاني (23 ـ 40 ه./ 643 ـ 661م) وعن صراع التناقضات إلى صدام الإرادات، يقول الدكتور الأنصاري: ترتبت احدى أبرز الاشكاليات المحيطة بعهد عثمان بن عفان «23 ـ 35ه»

وجعلت خلافته صعبة، أنه جاء بعد خليفة عظيم، قتل بمؤامرة، بعد أن أرسى نهجاً لا يستطيع مواصلته أي كان، واستقرت فيه أعراف سياسية واجتماعية واقتصادية، تصعب مجاوزتها، أو تغييرها بغير كلفة باهظة الثمن. كذلك كان منافسه على الخلافة، وهو علي بن أبي طالب، وما يمثله من صلة رحم بالرسول، ودعم من بني هاشم، ومن صلابة العقيدة، وشجاعة في الحق، وقدرة على المحاكمة، لا سيما وهو يستقطب تأييد فقراء المسلمين وعامتهم، سواء كانوا، أنصاراً يعادون قريش، أو مهاجرين اضطهدتهم قريش في بدء الدعوة، أو اعراباً كرهوا تعالي قريش واستكبارها عليهم. وفي المقابل،

وكما تعهد به في خطبته الأولى، توقع الناس أنه يواصل عثمان مسيرة السنة النبوية، ويكون مقتدياً بسنن الخليفتين أبي بكر وعمر، في التقوى والزهد والعدل والتسامي والتواضع والتسامح إلى جانب الشدة عند اللزوم، وهو أمر كان عسيراً على شخصه وطبيعة القوى التي أحاطت به، لذلك، وعندما عجز عن مجاراة سلفه، تحولت بالنسبة إليه إلى عقدة عصية. وإن كان أبو بكر قد نزل، درجة عن مقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم منبر الخطابة، ثم نزل عمر درجة أخرى عند توليه، صعد عثمان في أول خطبة له إلى الدرجة التي كان يخطب فيها الرسول.

ثم ما لبث أن استخدم لأول مرة مصطلح «خلافة الله». ولم يقصد بذلك التعبير: «استخلاف الله» وإنما هو جزء من تلك النقلة النوعية للحق المقدس للحاكم، الذي يستمد سلطته من الله، بمفهوم يلغي ضمناً، أي دور خر، في اختياره ومحاسبته، وهو ما تمسك به حكام الدول الإسلامية التي أعقبت مرحلة الخلفاء الراشدين، وأولجوا له بمهارات إضافية. وخلافاً لما فعله عمر، سمح عثمان للصحابة بمغادرة المدينة والانتشار في مناطق الفتح، والإثراء دون رقابة أو تملك الأراضي الواسعة، في عملية استبدال اقطاعي قديم بآخر. ونجح هذا الفريق بتكوين بطانة فاعلة حول الخلفية، بعد أن أولاه عثمان ثقته.

وإذ مارس علي دوره التقليدي في النصح، بداية فترة حكم عثمان التي أقر فيها بالحاجة إلى مثل ذلك الدور، لم يلبث أن تغير موقف علي، ليجاهر عثمان بالمعارضة بعد التحول الذي شهده الحكم، محذراً من العواقب والمخاطر. وبذلك عاد علي ليقود معارضة تيار طبقي عقائدي واسع بدأت المضار تتجمع من حوله، لا سيما وأن الخليفة لم يعد يتقبل أي مشورة خارج نطاق خاصته، وهو أمر غذاه بنو أمية من حوله، وإلى حد التجرؤ على علي وإهانته بالجرأة ذاتها في إهانة أصحاب النبي وضربهم.

اتساقاً مع هذا المسار، بدأ المخاض الحقيقي لولادة الدولة الملكية الأموية في تاريخ جديد للإسلام، تنوعت فيه الصراعات، بسائر الأشكال والمظاهر. وحيث تفاقمت الاعتراضات الداخلية وحمل البعض السلاح ضد الحكم، وجد الروم والفرس وغيرهم في تلك الاعتراضات، فرصة لنقض العهود السابقة، الأمر الذي كان يمكن معه صرف الناس عن التناحر إلى الحرب، وتصدير الأزمة نحو الجهاد، لكن المبادرة بهذا الاتجاه لم تكن كافية لوقف التداعي، لاسيما وأن معظم الولاة وقادة الجيوش في خلافة عثمان، سعوا إلى استثمار الحروب لصالحهم الشخصي لزيادة ثرواتهم وتوسيع نفوذهم.

وانيس باندك

الكتاب: قصة الاستبداد

الناشر: وزارة الثقافة ، دمشق 2004

الصفحات: 488 صفحة من القطع الكبير