مؤلف هذا الكتاب هو الباحث اريك فريدريك جينسين أحد المختصين بتاريخ الموسيقى، وهو يقدم هنا مسيرة شخصية لواحد من أكبر الموسيقيين الألمان «روبرت شومان». ومنذ البداية يقول بما معناه: ولد روبرت شومان بتاريخ 8 يونيو 1810 في ألمانيا وفي منطقة محاطة بالطبيعة الخلابة كمعظم مناطق ألمانيا.
وكان أبوه كاتباً وناشراً مولعاً بالقراءة والمطالعة. وقد ورث ابنه عنه هذه الهواية، فقد أمضى شبابه في قراءة الشعراء الرومانطيقيين من أمثال اللورد بايرون وشيلي وكيتس وسواهم. وفي الوقت ذاته أصبح مولعاً بالأرغن أو العود، وقد شجعه والده على ذلك، فقد كان يريد له أن يصبح شاعراً وموسيقاراً. وهكذا ابتدأ منذ سن السابعة يؤلف بعض المقطوعات الموسيقية الصغيرة. وعندما مات والده عام 1826 كان قد حسم أمره واختار الإبداع الموسيقي على الطريقة الشعرية.
وهكذا جمع بين فنين عظيمين لا فن واحد. ثم يردف المؤلف قائلاً: ولكن أمه الأرملة كانت تريد له أن يتوجه نحو مهنة أكثر جدية من الموسيقى، فالشعر والموسيقى لا يطعمان خبزاً. وبعد أن ألحت عليه كثيراً ذهب إلى جامعة لايبزغ وسجل نفسه في كلية الحقوق، ثم درس المادة نفسها أيضاً في جامعة هايدلبرغ.
ولكنه في الواقع كان يكرس معظم وقته للموسيقى. وأخيراً فإنه كتب عام 1829 رسالة لا لبس فيها ولا غموض إلى أمه. وفيها يقول: إني مقتنع بإمكانية تحقيق أكبر مهنة كعازف على البيانو إذا ما كرست كل طاقاتي لخدمة هذا الهدف وإذا ما حظيت بأساتذة جيدين، وكل ذلك ممكن خلال ست سنوات فقط. فاسمحي لي إذن في أن أكون موسيقاراً يا أمي. فربما كان مستقبلي يكمن هنا. ربما كنت امتلك موهبة الابداع في مجال الموسيقى وحدها. فلماذا أضيع وقتي إذن في شيء آخر؟ فأنا لم أخلق لدراسة مادة جافة ومزعجة كمادة القانون أو الحقوق.
وبعد ذلك بقليل عاد إلى لايبزغ لكي يدرس فيها البيانو على يد استاذه فريدربك وايك الذي سيصبح أكبر عدو له لاحقاً.
وفي لايبزغ راح يطلق لموهبته العنان ويؤلف المقطوعات الموسيقية بين عامي 1830 ـ 1832. وراح يمزج بين الشعر والحلم والموسيقى. وعن تلك الفترة نتجت قطع موسيقية رائعة كتلك المدعوة بالفراشات.
وفي عام 1834 راح يؤسس مع بعض الزملاء مجلة تدعى المجلة الجديدة للموسيقى. وقد لعبت دوراً كبيراً في تجديد الموسيقى الالمانية على مدار السنوات العشر التالية. وقد رحبوا فيها بظهور شوبان باعتباره يجسد «العبقرية الموسيقية الالمانية الجديدة». وفي المرحلة الاخيرة من حياة المجلة راح شومان يرحب بصعود عبقري آخر على مسرح الموسيقى الالمانية هو: باخ.
وفي اثناء تلك الفترة اصبح شومان مؤلفاً فقط للقطع الموسيقية ولم يعد عازفاً على البيانو بسبب بسيط هو ان يده اليمنى أصبحت عاطلة عن العمل ومشلولة. ويقال بأنه أصيب بمرض الزهري نتيجة غلطة ارتكبها وهو الذي أدى إلى اصابته بالشلل في يده اليمنى اولاً ثم بالجنون لاحقا.
والواقع أن أول نوبة جنون اصابته كانت عام 1833. وقد كانت من القوة بحيث انه حاول ان يرمي نفسه من النافذة وينتحر لولا انهم مسكوه ومنعوه من السقوط. ولكنه عاد إلى الحالة الطبيعية بعدئذ وراح يعزف بعضاً من أهم مقطوعاته الموسيقية على البيانو. وقد وقع عندئذ في حب ابنة أستاذه. ولكن والدها وقف ضد هذا الحب بكل قوة وأصبح يكره تلميذه كرهاً شديداً بعد أن كان يحبه. فما هو السبب يا ترى؟ في الواقع إنه كان يشك في مستقبل روبرت شومان بل وحتى كان يشك في سلامة عقله، وصحته النفسية. ولكن ابنته كانت تحبه إلى درجة العبادة، وكانت أيضاً مولعة بالموسيقى والفن.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وأخيراً انتصر الحب وتزوج روبرت شومان من كلارا وايك عام 1849. وعندئذ كتب في مذكراته: هذا أسعد يوم في حياتي. وكان يعتبر زوجته بمثابة الملاك الحارس لعبقريته، الملاك الذي يسهر على راحته وصحته النفسية وإبداعه. وقد كتب خلال العام الأول من زواجهما (140) نشيد حب.
نذكر من بينها: الحب وحياة المرأة، وحب الشاعر وقد استفاد من قصائد الشاعر الكبير «هايني» لكتابة هذه القطع الموسيقية.
وقد أضاف إلى التراث الغنائي الألماني صوتاً فريداً من نوعه. ولكن في أثناء كل تلك الفترة كانت كلارا تدفعه لكي يكتب سيمفونية كبقية الموسيقيين الكبار. ولكنه كان يخشى ذلك ويعتقد أنه عاجز عن منافسة بيتهوفين في هذا المجال.
ولكن فجأة راح يكتب إحدى السيمفونيات في بداية عام 1841. وكانت أولى سيمفونياته بالطبع. وخلال أربعة أيام متتالية عاش فترة إلهام كثيفة وخارقة. وكان أن نتجت سيمفونية دعاها باسم «ربيع». وعندما عزفت لأول مرة في مدينة لايبزغ استقبلها الجمهور بحماسة منقطعة النظير.
ولكن من كثرة الجهود التي بذلها لانجاز مشاريعه أضر بصحته الجسدية والنفسية وعرّض نفسه لأزمة جديدة. فقد كانت أعصابه منهكة من كثرة التركيز على الخلق والإبداع. ولم يعد يستطيع التركيز على عمله بصفته استاذاً في الكلية الموسيقية لمدينة لايبزغ. وقد حاولت زوجته مساعدته وتشجيعه، ولكن عبثاً. فالانهيار النفساني كان أقوى من كل شيء. وهكذا راحت تتحمل مسؤولية العائلة بعد ان ولد لها طفلان. ثم يردف المؤلف قائلاً بما بمعناه:
وفي عام 1844 انسحب روبرت شومان من الكلية الموسيقية وتخلى عن منصبه كرئيس تحرير للمجلة الموسيقية وراح يرافق زوجته كلارا في جولتهما الموسيقية في روسيا. وبعد عودتهما إلى البلاد أصيب الموسيقار الكبير بأزمة نفسية أقوى من كل ما سبق. فذهبت به امرأته إلى مكان هاديء في مدينة دريسدن لكي يسترد عافيته.
وهناك عاشت العائلة مدة خمس سنوات بعيداً عن الضجة واللقاءات الفنية والحفلات الصاخبة. وهو ما كان يحتاجه روبرت شومان قبل كل شيء.
ولكنه في أثناء ذلك لم ينقطع عن محاولات الخلق والإبداع، وهذا أكبر دليل على أن العبقرية تختلط بالجنون، وأن الأزمات النفسية لا تعني قتل الإبداع كما يتوهم الكثيرون. صحيح أنها تعرقله أحياناً كثيرة، ولكنها قد تشحذه وتزيد من عنفه وضراوته في أحيان أخرى، وبالتالي فهي سلاح ذو حدين.
وروبرت شومان ليس العبقري الوحيد المصاب بأزمات نفسية، فالواقع ان معظم المبدعين كانوا مصابين بذلك، نضرب عليهم مثلاً ببيتهوفن، ونتيشه، وغوغان، وفرجينيا وولف، وغي دو موباسان وأنطونيو آرتو، وهولدرين، ورينيه ماريا ريلكه، وعشرات غيرهم.
وبالتالي فللعباقرة قصة طويلة مع الأزمات النفسية والجنون.
مهما يكن من أمر فإن عائلة الموسيقار الكبير انتقلت عام 1850 إلى مدينة دوسلدورف للعيش فيها، وهناك حظي روبرت شومان بمنصب مدير جوقة موسيقية. ولكن الأزمات النفسية عادت إليه من جديد وأصبح سريع الغضب وكثير القلق والاستفزاز العصبي. وأصبح يعاني من النسيان أكثر فأكثر. وهذا شيء خطر لان نوبات النسيان كانت تحصل له وهو يقود الجوقة الموسيقية. وهذا ما يؤدي الى تعطيل العزف أو إيقافه فجأة.
ولكن الشيء الغريب العجيب هو انه في أثناء ذلك الوقت راحت سيمفونياتة ومقطوعاته الموسيقية تفعل فعلها وتمارس تأثيرها المتزايد على الجمهور. فقد أخذ الناس يشعرون بأهميتها وعبقريتها أكثر فأكثر. وراح نجمه يصعد كأحد كبار المؤلفين الموسيقيين في ألمانيا.
للأسف فإنه لم يستمتع كثيرا بهذا المجد. فقد تردت صحته الجسدية من جراء الأزمات النفسية التي تعرض لها. وبعد ان كان شخصا مليئا بالشباب والحيوية والاندفاع أصبح يبدو وكأنه شيخ عجوز معتكف على نفسه ومنغلق، وتحكى بهذا الصدد القصة التالية: جاءه يوما أحد الزوار «لكي يسأله عن الموسيقى والفن.
وبعد ان استقبلته العائلة وقدمته للموسيقار الشهير لم يستطع ان يجري أي حوار معه. لماذا؟ انه ظل صامتا طوال الوقت ولم ينبس بكلمة واحدة. فقط اكتفى بالسؤال التالي الذي وجهه لضيفه الزائر هل تدخن؟
وقد كرر عليه السؤال ثلاث مرات منقطعة تتخللها فترات صمت طويل.. في كل مرة كان يطرح عليه هذا السؤال النسبي. هل تدخن؟
وعندئذ استنتج الزائر ان هذا الموسيقار الكبير الذي زاره إعجابا بموهبته قد أصبح على حافة الجنون. ولذلك اختصر زيارته وذهب.
ثم لاحظ أصدقاؤه ان روبرت شومان كان قادرا على ان يجلس وحيداً في احدى زوايا المقهى لمدة ساعات وساعات دون ان يتكلم مع احد وفي أثناء ذلك كان يصفر بشكل متواصل ودون انقطاع.
كان يصفر بشفتيه شيئا مبهماً غامضا وعيناه تنظران في الفراغ.
كان روبرت شومان يبحث عن شيء ما، لا أحد يعرف ما هو.. وحتى عندما يكون في صحبة أشخاص آخرين فإنه كان يبدو وحيداً.
لقد فقد القدرة على التواصل مع العالم الخارجي مع الآخرين. كان يبدو حزيناً، شارداً وكأنه يبحث عن شيء مجهول أو مفقود.
ثم يردف المؤلف قائلاً: وعلى الرغم من أنه كان يمثل الطليعة بالنسبة لموسيقيي عصره، إلا أنه لم يعد ينتج موسيقى طليعية. وهكذا أصبح أقرب إلى «برامز» المحافظ منه إلى فاغنر «التقدمي».. يحصل ذلك كما لو أن الجنون أصبح يخيفه ويدفعه باتجاه المحافظة الفكرية.
ثم أخذ الجنون يستحوذ عليه أكثر فأكثر. ففي أثناء جولة موسيقية في هولندا مع زوجته كلارا أخذ يسمع أصواتاً مرعبة تأتيه من الداخل. وعلى الرغم من أن هذه الجولة توجت بنجاح كبير له ولزوجته إلا أنه أخذ يغطس أكثر فأكثر في الانهيار النفسي. وقد قال لأحد أصدقائه عندئذ هذه العبارة: «الليل يخيّم أكثر فأكثر. وكان ذلك يعني أنه أخذ يفقد عقله تدريجياً ويقترب من حافة الهاوية. حقاً لقد أصبح روبرت شومان في خطر.
وفي السادس من فبراير عام 1854 استقبل في بيته بمدينة دوسلدورف طبيبه الشخصي بالاضافة إلى الموسيقار البرت ديتريش، وكان ذلك صباحاً، وفي حين أن الجميع كانوا منخرطين في المحادثة إذا بروبرت شومان يختفي فجأة من دون أن يشعرا تقريباً باختفائه بسبب الانهماك في النقاش.
وفجأة يكتشفان غيابه ويخطران العائلة بالأمر. ويذهب الجميع للبحث عنه، وفي النهاية وجدوا انه ترك الضيفين وذهب مباشرة لكي يرمي بنفسه في نهر الراين! وقد انتشلوه من هناك قبل أن يغرق، وعندئذ قال لهم: أرجوكم أن تدخلوني إلى المصح العقلي. فأنا لم أعد قادراً على التحكم بنفسي، أنا لم أعد مسؤولاً عن تصرفاتي.
الكتاب: شومان
الناشر: مطبوعات جامعة اوكسفورد 2005
الصفحات: 400 صفحة من القطع المتوسط
SCHUMANN
ERIC FREDERICK JENSEN
OXFORD UNIVERSITY PRESS 2005
P.400