مؤلفة هذا الكتاب هي عزة عزت استاذة جامعة وباحثة مصرية لها كتب عدة منها لغة الشارع، صورة العرب والمسلمين في العالم، والتحولات في الشخصية المصرية، ولها أكثر من مجموعة قصصية منشورة. وأهمية كتاب «صورة الرئيس» تكمن في توقيت طرحه بشكل مواز للحديث عن الإصلاح السياسي في الدول العربية.
وحسب المؤلفة فقد بدأت فكرة الإعداد لهذا الكتاب قبل أعوام من منطلق التعريف بأساليب ترويج صور الرؤساء الغربيين ـ خاصة الولايات المتحدة الأميركية ـ التي بدأت تروج أيضا في عالمنا العربي، والتي أصبحت تدفع لسدة الحكم بأشخاص، نتأثر جميعنا بما يمارسون من سياسات، وتنعكس بالضرورة على حياتنا،
وتقول المؤلفة: مع فكرة توريث الحكم في النظم الجمهورية، قمت برصد السمات التي يحرص على تأكيدها صناع الصورة الذهنية للحكام العرب، أيا كان لقبهم الرسمي : رئيس جمهورية، أو ملك، أو أمير، أو سلطان، أو شيخ، أو عاهل، أو عقيد، أو المهيب، أو الركن. وتشير إلى أنه من الأمور التي أثارت دهشتها وهي لاتزال في طور إعداد الكتاب من حال متابعة صورة الرئيس التي ترسمها له الصحف من خلال الكلمة المكتوبة أو من خلال الصور الفوتوغرافية،
وما يصاحب الصورة من تعليق: أن أسلوب صناعة الرؤساء في العالم العربي لم يتغير كثيرا عبر العصور، فما كان يُقال في الألواح القديمة والبرديات عن سمات الفرعون الإله، أو الحاكم البابلي، لم يختلف كثيرا عن العصور التي تلته حتى عصرنا الحالي(!) وفرض هذا تساؤلا هو: هل تستند البرامج التي تهدف لتشكيل صورة الحكام العرب إلى دراسات علمية، أم أنها تأتي عفوا، ووفقا للمصادفات، ومن وحي استغلال اللحظة التاريخية؟
وتقول المؤلفة: هالني قدرة الشعوب العربية على تحمل مثل هذه المبالغات الفجة التي لا يتسع الكتاب لاستعراض نماذج لها، من التراث الشعري العربي، تقابلها -في المجتمعات البدائية ـ مبالغات شكلية، من نوعية ارتداء الحاكم رداء من الريش، أو أقنعة مرعبة.
في السياق المنهجي أيضا أكدت المؤلفة أنها لم تتعرض لشخوص إلا في إطار ما يخدم الصورة - من خلال علم صياغة الصورة الذي ظهر في مطلع الخمسينات من القرن الماضي.
تعد صناعة النجوم والرؤساء في الغرب بشكل عام والولايات المتحدة بشكل خاص مهنة لها أصولها، وقواعدها، ومحترفوها، إذ يقوم بهذه المهمة مكاتب متخصصة، تتقاضى مبالغ خيالية وأرقاما فلكية، للترويج أو لتحسين صورة أي شيء، وأيا من كان، بدءاً بالسلع التجارية ومرورا بنجوم السينما في هوليود، وانتهاءً برؤساء أميركا أنفسهم.
وتقول المؤلفة إنه من الوظائف التي تحتل كادرا وظيفيا في الغرب كُتاب خطب الرئيس سواء في حملته الانتخابية، والفارق أنهم كانوا أثناء الحملة هم الذين يضعون الأفكار، التي تساهم في رسم صورة محببة للرئيس المرشح لدى الناخبين، ثم يصوغون هذه الأفكار بأسلوب جذاب وعبارات محكمة، وهم بعد نجاحه يكتبون خطبه: ليحاولوا بها إيهام منتخبيه بأنه ما زال يسير على البرنامج نفسه.
ومن الخبراء في الغرب أيضا من يُطلق عليهم «أطباء التجميل»، وهم بالطبع ليسوا أطباء، لكن كالأطباء يجملون صورة الرئيس الوزراء، بحيث يضفون على صورهم ملامح إنسانية ويعلمونهم كيف يبتسمون، وكيف يضحكون، وقد شاع أن توني بلير استعان في وزارته بأكثر من سبعين طبيبا للتجميل.
والهدف في الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص رسم صورة أو بورتريه يظهر فيه الرئيس وكأنه محل ثقة الناس جميعا، أو كأنه متسامح وسطي أبعد ما يكون عن التعصب. وهو ما ينطبق كذلك على إعادة تغليف وتسويق كاميلا (التي تزوجها الأمير تشارلز مؤخرا) حيث روج خبراء التجميل أنها خلال تعرضها لحادث سيارة أصرت على الخروج من سيارتها ـ رغم إصابتها بالدوارـ لمساعدة صاحبة السيارة التي اصطدمت بها.
وتضيف المؤلفة ان الغرب يفضل أن تكون لرئيسهم إطلالة تليفزيونية حيوية شابة (بالاستعانة بالرتوش والصبغة..)، و أن تكون صورته مرتبطة بالصدق، والرأفة والعطف، مع التركيز على استغلال تأثير أخبار المساء التليفزيونية باعتبارها أكثر تأثيرا من الصحافة.
والخلاصة أن الديمقراطية الغربية ليست كما حاولوا أن يوهمونا في العالم العربي، فألاعيب صُناع الصورة الذهنية للرؤساء لا نهاية لها.
أما القسم الأكثر جرأة في الكتاب والذي يتناول صورة الرئيس العربي فقد تصدره تأكيد على أن المزاج العربي ميال إلى تأليه الحاكم، وصبغ شخصيته بملامح أسطورية، وتقول: إن صورة الرئيس أو الحاكم عبر العصور هى خلاصة محاولات من مريديه والمحيطين به لتحسين صورته كي يروجوا لفكرة استمراره في الحكم، حتى تستمر مع وجوده مصالحهم ومكتسباتهم من هيبة ونفوذ ومال وسطوة. أما الإجابة عن السؤال: لماذا يميل الشرقيون عامة والعرب خاصة إلى تأليه الحاكم ؟
فتتمثل في أنها على الأرجح تركيبة نفسية تحتاج لدراسة متعمقة. وإن كانت المؤلفة ترى أنها غير عربية، بل ورثها العرب عن حضارات شرقية قديمة كان الحاكم يؤله نفسه بنفسه.
وبعد استعراض مسهب لنماذج من صور الحاكم العربي في العصور المختلفة تناول الكتاب صورة الرؤساء في مصر ـ في العصر الجمهوري ـ والذي بدأ بعد ثورة يوليو 1952 وأساليب رسم صورة الرؤساء حيث ذكر عن صورة الرئيس محمد نجيب: تميزت الملامح الشخصية للرئيس محمد نجيب بالطيبة والهدوء، وكأنه أب حانٍ، رغم عدم ظهوره تقريبا إلا بملابس عسكرية، وفي فمه غليونه الشهير،
وكانت الصحف وتعليقات الإذاعة تحاولان بالفعل التركيز على إبراز هذه السمات تحديدا للرئيس محمد نجيب. وكانتا تركزان على أدائه الصلاة في المساجد الشهيرة، التي تضم رفات أولياء الله الصالحين. ولأن الملكية لم تكن قد ألغيت بعد فقد تم التركيز على العراقة في شخصيته والشجاعة والبطولة . وواقع الحال يشير إلى نجاح الصحف في بداية الثورة في تقديم صورة طيبة للرئيس الجديد، لدرجة أن البعض تخيل وجهه في وجه القمر.
أما عن صورة الرئيس جمال عبد الناصر فقد استهلتها المؤلفة بكيفية محو الصورة المحببة للرئيس نجيب، حيث أكدت أنه ما لم تكن شخصية الرئيس الجديد لها تفردها وتميزها لما كان بالإمكان أن ينجح الإعلام في تقريبها من أذهان الجمهور، فعبد الناصر من حيث الهيئة الخارجية، مهيب الطلعة، هذا بالإضافة إلى أن سمة الاستقامة فيه خدمت صورته، وشهد له بها العدو قبل الصديق.
بجانب مراعاته للتقاليد في الداخل والخارج في زيارة ليوغسلافيا واقتضت المراسيم البروتوكولية أن تدخل زوجة الرئيس الاحتفال متأبطة ذراع الرئيس المُضيف (تيتو)، رفض أن يقبل ذلك على نفسه وعلى رئيس مصر. أما عن سمة التدين كسمة أساسية في صورة أي رئيس عربي فقد اتصف بها الرئيس عبد الناصر باعتدال ووسطية.
والخلاصة ان صورة عبد الناصر الذهنية قد رسمتها عدة وسائل أو أدوات، وجهات، تذكر الدكتورة عزة منها:وسائل الاتصال المتاحة في عصره، والظرف أو الظروف التاريخية، والكاريزما الشخصية.
أما عن خلاصة السمات التي رسمت بورتريه لصور عبدالناصر الذهنية فتتلخص في الشجاعة والقوة، والشدة في الحق، وبعث الأمل في النفوس، والإنحياز للفقراء، والتصاقه بشعبه، وطهارة اليد والنزاهة والصدق، والعدل وعدم المحاباة والتمسك بالكرامة وحسن المظهر والمهابة، أي أنه مثالي ليس له رذائل، وبطل أسطوري.
في حين قدمت الباحثة صورة الرئيس السادات الذهنية بأنها توحي بالعظمة ـ بناء على رغبة الرئيس نفسه، خاصة وأنه استعان بخبراء في هذا المجال من الولايات المتحدة الأميركية، وإن كانوا لم يختاروا له صورة مقبولة دائما، لدى المتلقي الشرقي . وكان السادات في قراره نفسه يعتقد بأن تشويه صورة عبد الناصر ستخدمه هو وستحسن صورته لدى الجماهير.
وفي المقابل اتسمت صورته بالتناقض ففي حين وصف نفسه بالرئيس المؤمن، وأكد على سمات التدين والعدل وتقويته للتيار الديني فقد سخر البعض من علامة الصلاة في جبهته إدراكا منهم أن ما يرونه إيمانا ظاهريا إلى حد ما. وقد أثر على صورته لدى الجماهير أن شخصيته بالفعل كانت محيرة خاصة وأنه كان عن حق رجل الصدمات الكهربائية والمفاجآت السياسية. وقد عمد الرئيس السادات للمبالغة في نشر صور فوتوغرافية له وملخص ملامح وسمات صورة السادات وفقا لما سبق :ذكي وفهلوي وصاحب حيلة متدين يحسن الإصغاء، ذو عزم وتصميم وقائد منتصر وعاشق للفن.
ومن النماذج التي اهتم الكتاب أيضا باستعراضها بشكل مختصر نماذج عراقية على رأسها الرئيس المخلوع صدام حسين، ومن سوريا الرئيسان الراحل حافظ الأسد (الأب) وبشار الأسد الابن وياسر عرفات الرئيس الفلسطيني الراحل بجانب معمر القذافي ونماذج خليجية.
وعن صدام حسين لاحظت المؤلفة صناعة صورته بشكل مباشر خلال زيارتين قامت بهما للعراق (الأولى زيارة خاصة والثانية زيارة رسمية في ضيافة مركز التوثيق الإعلامي التابع لمجلس التعاون الخليجي، وكان مقره آنذاك بغداد) وفي كلتا الزيارتين لاحظت المؤلفة المبالغة في وضع صور الرئيس صدام حسين في كل مكان، وبتفوق عن صور أي رئيس عربي شاهدتها، في أية مدينة أو عاصمة عربية،
وللحقيقة فإن صدام لم يرسم صورته بتماثيله وصوره ووصاياه المحفورة على الجداريات الضخمة فقط، لكن بالدعاية التي لم تترك مساحة دينية أو فكرية أو ثقافية أو عسكرية أو أخلاقية أو أدبية إلا وحط نفسه بها، فهو مصدر المعرفة بكافة صنوفها ومصدر تأويلها في الحياة العراقية، كما كان له قاموسه الخاص الذي لا ينطلي إلا على العامة والدهماء، ولم يكتف صدام والقائمون على رسم صوره بالتركيز عليه فقط، بل سعوا لرسم صورة لنجليه عدي وقصي،
في إطار الترويج لفكرة خلافة أحدهما لوالده، تم تصويرهما وكأنهما فارسان يتميزان بكل ملامح الفروسية والنبل. ومن الغريب حقا ـ والكلام لا يزال للمؤلفة ـ أن الرئيس صدام حتى بعد أن تم خلعه أو هروبه، ظل لشهور يحاول أن يُبقي على ملامح الصورة البطولية التي رسمها لنفسه، والتي كان يحرص فيها على مخاطبة الشعب العراقي، موحيا بأن ما يجري من مقاومة على أرض العراق إنما هو من تدبيره.
أحمد فؤاد أنور
الكتاب: صورة الرئيس
الناشر: مركز الحضارة العربية القاهرة 2005
الصفحات : 443 صفحة من القطع الصغير