تشكلت قصيدة «الأغنية الحزينة لمتسولي القصبة العرب...»، التي كتبها المؤلف بالفرنسية ونقلها إلى العربية الدكتور أحمد منور، وصدرت عن منشورات الجاحظية في 2004، إثر حدث تراجيدي وقع في 20 أكتوبر 1949 شهد الشاعر تفاصيل وقائعه المتمثلة في إقدام أب جزائري من القصبة يمتهن التسول على «التضحية» بابنته ياسمين ذات التسع سنوات في لحظة يأس عدمي. لقد كان الأب يمسك بيد ابنته بشارع فرانكلين روزفيلت في حي القصبة العتيق..
وحينما تقترب منهما شاحنة يدفع المتسول (خوني أحمد) بفلذة كبده تحت عجلات العربة... غير أنه يلاحظ أن الطفلة لم تسلم الروح، فيأخذها ويرمي بها ثانية تحت عجلة الشاحنة التي تسحقها هذه المرة... هذا الحدث المرعب يلتقطه آيت جعفر بأنفاسه الحية من فسيفساء المشهد التراجيدي الجزائري قبل اندلاع الثورة الجزائرية ليهديه لـ «الذين لم يحدث أن أحسوا بالجوع». فكان نشيدا للتفجع يتبطن الغضب بالنسبة إليه وإلى من هم في صفه من المقهورين الجزائريين،
وصوت ناقوس يسكن ضمائر الظالمين يقض مضاجعهم، وينذرهم، كما يقول الروائي الجزائري كاتب ياسين: «بالقدوم الوشيك للعاصفة المتمثلة في ثورة نوفمبر 1954» التي ستعيد لأمثال محمد خوني والبريئة ياسمين الأمل في العيش الكريم. أما بالنسبة لقارئ النشيد الآن، فلربما يعد ذلك شكلا من أشكال الانخراط الروحي في «أعماق ذلك الجو الذي كانت الطلقات النارية الأولى قد نضجت فيه كما تنضج فاكهة الغضب»، حسب تعبير صاحب «نجمة».
النشيد المنشور أول مرة في 1951 من قبل فرع شبيبة الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري ( أحد أهم أحزاب الجزائر قبل الثورة) عبارة عن خطاب موجه لشارلمان يصف فيه آيت جعفر أوضاع الجزائريين البائسة بعد الحرب العالمية الثانية ومبلغ يأسهم من الحياة المفروضة عليهم من قبل المستعمر وانسداد آفاق الأمل أمامهم، حتى صارت واقعة تخلص أب من فلذة كبده أمرا غير استثنائي. خطاب يستدعي من قارئه أن يكون «باردا كجثة ياسمين الصغيرة» ومضمونه «الجوع والأرق والبرد الذي ترتعد بفعله الأوصال».
ورغم هذه الإشارة، إلا أن الغضب سرعان ما يستبد به فيشرع في لفت نظر «شرلُمان» لمظالم سلالته: «... لكن هذا ظلم مفرط ـ في نهاية الأمر، ـ أن يموت أناس ـ ويضحك آخرون...» آه لو في استطاعتي أن آخذك ـ وأسير بك يدا بيد ـ عبر الكهوف والملاجئ والأزقة العفنة وصنوف البؤس، ـ ومدن الصفيح المعلقة بين مقبرتين،...» ولا يتوقف الأمر عند هذا المستوى، بل يصاعد إيقاع القول الشعري بالغا ذروته،
حيث ينخرط الشاعر في سلسلة من عبارات الهجاء والتقريع على الطريقة الجزائرية: «إني أشتمكم يا أصحاب النجدة المتخمين ـ المرفهين ـ في جميع الصيغ الصرفية ـ وفي كل الأزمنة... إني أشتمكم أيها الضباع والذئاب ـ بكل ما في أبجديتي من أنواع الشتم ـ وأقذف جماجمكم بكل أواني عجزي ـ لأنكم ـ أيها الضباع والذئاب، تؤثثون نفق ضجركم الطويل ـ أيام الآحاد وأيامكم الفارغة ـ بقوت الضعفاء...»
ولا ينسي الكاتب، وهو في غمرة الإبداع الشعري، أن يسترفق نسيج نصه بلحظات تستحضر مشاهد مفارقة لا تخلو من الدلالة وتجمع بين ياسمين ومن يحتشد خلف صورتها من أطفال الجزائر المحرومين من أدنى حقوق الطفولة المتغنى بها في الضفة الأخرى، وأطفال شارلمان المنغمسون في رغد العيش وفصول الدراسة فرحون ملء براءتهم ومطلقون العنان لأصواتهم تصدح بالغناء المدرسي: يجري، يجري ابن عرس ـ ابن الغابة، ياسيداتي، الخ... قبل أن يصيروا كبارا فتنطلق أصواتهم مرددة:«جثة واحدة شيء محزن ـ جثتان شيء محزن أكثر فأكثر... ».
نشيد التفجع لابن قصبة الجزائر، اسماعيل آيت جعفر(1929-1995) نشر في طبعات متعددة في الجزائر وغيرها حيث ظهر بعد طبعة 1951، عبر أعمدة مجلة «الأزمنة المعاصرة» لجان بول سارتر في 1954.
وفي 1960 نشر من قبل دار جون بيار أوسوالد، وفي 87 و2002 لدى دار بوشان. وقد ترجم إلى الإنجليزية في 2004 وظهر في طبعة مزدوجة (إنجليزية/ فرنسية) لدى كيربستون براس الأميركية.
كما نال نص «النشيد» أيضا اهتمام الكثير من المسرحيين منذ نشره من قبل دار بوشان 1987 بتصدير الأديب الجزائري الكبير، كاتب ياسين.
وقد اقتبس مؤخرا من قبل عبد العزيز بوكروني تحت عنوان «ثمار الحب» للمشاركة في مهرجان المسرح الإفريقي الدولي المنعقد في بروكسل في 2003.
مراد الطرابلسي
الكتاب : الأغنية الحزينة لمتسولي القصبة
العرب وللصغيرة ياسمين،
ترجمة : أحمد منور
الناشر: الجاحظية ـ الجزائر 2004
الصفحات :64 صفحة من القطع الصغير