ألفت هذا الكتاب، مونيك شوميلييه ـ جندرو، الاستاذة في جامعة باريس السابعة والتي تمتهن الحق لدى الهيئات القضائية الدولية. لقد كتبت البروفيسورة شوميلييه ـ جندرو عدة مؤلفات من بينها: الانسانية وسيادات الدول (1995)، ما لا يمكن تبريره ـ السياسة الفرنسية للهجرة (1998)، احتضار الوظيفة العامة في دول افريقيا الناطقة بالفرنسية (2000)، الحق داخل العولمة (2001) الخ..يتبدى واضحا اليوم استمرار غرق العالم في الحروب ووغوله في التفاوتات الصارخة بين سكانه، واتساع دوائر الفقر على شعوبه؟
دون التساؤل حول دور الحق الدولي القائم في ذلك كله والبحث عن مخرج جديد.لقد تم شطر الانسانية الى شعوب مستقلة في اطار دول سيادية يصعب اليوم تجاوزها، ولم يتبق للبشرية في الحقيقة سوى قضية الديمقراطية كمبدأ شمولي عام، الأمر الذي يطرح بالضبط العلاقة القائمة بين مسألة الحق الدولي وبين الديمقراطية.
ذلك انه يكتفى بطرح وصفات دولة الحق، أي المساواة بين المواطنين والفصل بين السلطات وخضوع مؤسسات الحكم للقانون دون النظر الى هذه الوصفات على ضوء النتائج التي اسفرت عنها. فالعلاقة بين الحق والحرية التي تشكل أساس دولة الحق قد تم مصادرتها من قبل أقلية نافذة عليا بالوقت نفسه الذي لا يخرج فيه الحق الدولي عن هذه الحقيقة بعد ان اصبح وسيلة بيد مجموعة محدودة من الدول الدائمة في مجلس الأمن.هذا لا يعني الغاء الحق، لأن أي مجتمع لا يمكن ان يعمل من دونه، ولأن أي نظام دولي لا يستطيع ان يشتغل دون ضوابط شمولية له تعطي معنى للعلاقات الانسانية.
الا ان المشكلة القائمة هي ان مبدأ السيادة الذي أعطي للمجموعات البشرية داخل كل دولة يجعل من هذه الأخيرة متصرفا مطلقا بشؤونها. بمعنى آخر اذا كان النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية قد جعل الكائن الانساني ذاتا حقوقية، فان هذا الكائن الذي يعني جموعا واسعة من الافراد لا يحظى بحقوق الا مشروطة بما تريده الدول. علاوة على ذلك فان حقوق الانسان والتي تعهد بها المحفل الدولي انما تخضع عملياً لسياسة الكيل بمكيالين حسب العلاقات التي تنسجها الدول فيما بينها وطبقا لمصالحها.
بهذا يتعرض الحق الدولي الى فشل سواء على مستوى حقوق الافراد او سواء على مستوى حقوق الشعوب كما الأمر في فلسطين منذ فترة بعيدة وكما هو الحال في العراق.
في الفصول الأولى تركز الكاتبة على مسألة انه لا يمكن تجزئة الديمقراطية باستخدام مصطلح الديمقراطية يحتاج اليوم الى اجراء جرد له. فبقدر ما يمكن ان نرى اشهاره هنا وهناك في العالم بقدر ما نرى ابتذاله. ذلك أن اصوله الاغريقية ـ الرومانية التي ارتبطت بمفهوم فلسفي عن الحياة الاجتماعية وضمنته المواطنة الحرة فقد تعرضت الى تشويهات والتواءات. لقد ابتعدت الديمقراطية في الفردية عن ان تكون الحرية التي تشكل الرابطة بين الجميع والتي تحقق انعتاق وسيادة شعب بكامله عبر المساواة بين افراده لتصبح اجراءات شكلية لا تلزم بأي شيء كان في نهاية المطاف، اللهم الا بشعارات طقسية معزولة ��وجه أو بآخر عن معايير اخرى في حياة البشر.
هكذا يتم الحرص على التعددية حتى لو كانت الاحزاب مجرد اجهزة بذاتها ولذاتها، يكمن دورها في صنع القيادات السياسية وتكريسها والتنافس فيما بينها حول السلطة دونما برامج مجددة او ان تتقيد بها. والبرلمانية اصبحت مكاناً للنقاش في الشؤون العامة ومراقبة الحكم أم لا. والانتخابات تشكل هي ايضا هذه الرؤية السياسية الدائمة بغض النظر عن مقاطعة المواطنين لها او طرحها لمشاكل الشعب او الأهداف التي تم من اجلها. واخيرا فان حقوق الانسان تعرف تضخماً هائلا في النصوص دون اعطائها الضمانات الحقيقية لتطبيقها.
هكذا وبمفارقة، فبقدر ما تأخذ الديمقراطية امتداداً في العالم بقدر ما تخسر مضمونا في التحقيق، بحيث ان الوعود التي حملتها تاريخيا مازالت قضية مستقبل يجب السير نحوه اكثر من قضية حاضر يمكن عيشه.
وهنا تبرز عدة اشكاليات. الأولى هي ان الديمقراطية بالشكل الذي تدار فيه داخل البلدان الغربية لم تعد كافية لحل مشاكل المواطنين الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
والثانية هي ان العمل على نشر الديمقراطية ليس سهلاً في مجتمعات تعاني التفاوتات الهائلة فيها واشكال الهيمنة او السيطرة التقليدية أو الجديدة، المقنعة أو السافرة عليها.
والثالثة هي ان المساواة الحقوقية «الرسمية» بين اعضاء منظمة الامم المتحدة مشلولة بسبب المعطيات الاقتصادية والمالية والتكنولوجية التي يتمتع بها قسم منهم على حساب القسم الواسع الآخر.
والواقع انه تمت مصادرة الديمقراطية على مستويين:
1ـ مصادرة على المستوى السياسي من قبل الاعضاء الدائمين في مجلس الأمن الذي يتحكمون بسير العالم ويحق لأي منهم استخدام حق النقض على أي قرار كان، واستمرار هذه المصادرة.
2ـ مصادرة اقتصادية ومالية عبر التصويت في مؤسسات البنك الدولي وفي صندوق النقد الدولي والذي يرجح باستمرار وحتى اليوم دور الدول المساهمة مالياً في هذه المؤسسات أكثر من غيرها وكما يحلو لها.
ان هذه المصادرة تشكل التواءً ونقضاً لمبدأ المساواة بين الشعوب، وهي لم تفعل خلال نصف قرن وحتى الآن من وجود الأمم المتحدة سوى إفساد الحق الدولي وتعطيل إمكانية تحقيق علاقات ديمقراطية بين الأمم.
والأسوأ من ذلك انه في الوقت الذي يطرح فيه معظم أعضاء مجلس الأمن دولة الحق، أي الفصل بين السلطات، فإنه يخترق هذا المبدأ وذلك بجمعه بين السلطات التنفيذية والتشريعية معاً. فعدا عن ان هذا المجلس لم يتوقف عند قانونية حرب الخليج التي اعتبرت حرب «حق» عام 1991، فإنه استمر في فرض الحصار على العراق بعد تحرير الكويت منتهكاً بذلك حقوق الإنسان والشعب في بلاد الرافدين.
والكاتبة في رصدها لأسباب معوقات وفشل انتشار الديمقراطية تتوقف عند مسألة دولة الحق والقانون بوجه خاص لماذا؟ لأنها أصبحت في قلب النقاشات القائمة في الديمقراطيات الغربية أو في المجتمعات التي خرجت من التجارب الشيوعية، أو داخل مجتمعات العالم الثالث المختلفة. فالأمر يتعلق بتحديد مفهوم النظام، الحقوقي للدولة والحد من تعسفها والإشراف القانوني ـ القضائي عليها وتحديد العلاقة أيضاً بين الحق وبين المعايير التي ينتجها مجتمع ما في لحظة معينة. وبما ان بروز مجتمع دولي جديد يفرض نفسه على إمكانية الدولة في بسط سلطانها على أراضيها والتفرد بإنتاج الحق داخلها، فلابد من مقا��بة جديدة لهذه المسألة.
يكفي القول ان سقوط الشيوعية في البلدان التي حكمت فيها وبانتشار السوق الدولية منذ فترة قد أبرز المفهوم الليبرالي لدولة الحق والقانون التي ولدت داخل إطار التفكير القومي للديمقراطية الغربية. إلا ان ذلك البروز إنما يجري على أرضية تناقضات لا حصر لها ومتجددة حول الحق والقانون والعدل وضرورة إقامة علاقة حية فيما بينها.
إضافة إلى ذلك فإن هذه العلاقة لا يمكن ان تبقى داخل الإطار القومي نفسه، بسبب ان العلاقات الاجتماعية تنسج اليوم أو بشكل أكثر فأكثر على المستوى الدولي أي بما يفلت من سلطة الحق والقانون المحلية.
علاوة على هذا فإن الحق الدولي يكشف عن نواته إزاء ظواهر خطرة لا يستطيع ضبطها في الحياة الدولية مثل تجارة الأسلحة والمخدرات والأطفال وتلويث البيئة.. وفي الحالين فإن دولة الحق والقانون الوطنية غير قادرة على مواجهة الواقع القائم.
هذا يعني باختصار ضرورة طرح مسألة دولة الحق والقانون مرتبطة بالعدل الاجتماعي من جهة ومن جهة أخرى لابد من تعميمها على كافة المجتمعات، وأخيراً لا مندوحة عن إدخال مفهوم دولة الحق الجديد في قلب الحق الدولي ومفهوم الحق الدولي في كبد الحق القومي.
وتتساءل الكاتبة حول إمكانية مواجهة الرأسمالية من الوجهة الحقوقية وعبر مبدأ الانعتاق والعدالة. بتعبير آخر هل يمكن للأداة الحقوقية ان توفر قسطاً من الحرية والحياة الكريمة في الوقت الذي تتعاظم فيه اضرار الرأسمالية؟
المشكلة ان الرأسمالية نمت عبر مختلف مراحل تطورها منذ عصور النهضة الأوروبية بمعزل عن طبيعة الأنظمة السياسية، ملكية كانت أم جمهورية.
إلا ان انتشار البؤس وشدة التفاوتات واندلاع الحروب واحتكار التقنيات والاضرار بالبيئة وتسليع الثقافات .. تبين محدودية هذا الأمل إن لم نقل سرابه.
كما ان الرأسمالية القومية قد أعطت أوهاماً مثل فكرة الدولة ـ الأمة السيادية التي جعلت من نفسها مكاناً لكل ما هو جامع وشمولي للمجتمع وانها توفر بذلك الحرية للجميع.
والحقيقة التاريخية تبين فشل أنماط الانعتاق للفرد الإنساني وللمجتمعات أي تخليصهما من الوصاية والسيطرة والتبعية باتجاه الحرية والعدالة والحق. هذا ما ينطبق على الخروج من الاقطاعية والدخول في الحداثة باتجاه انعتاق الملوك من سلطة الامبراطور والبابا. وهذا ما ينطبق على الخروج من السيادة الملكية إلى السيادة الشعبية ضد الملوك والكنيسة وتكريس سيطرة البورجوازية. وهذا ما ينطبق على الانعتاق من سلطة البورجوازية والاقطاع في البلدان الاشتراكية وسيطرة الحزب الواحد أو القائد وبروز نمط رأسمالية دولية معزولة عن الشعب.
وهذا ما حدث أيضاً مع انعتاق حركات التحرر الوطني في العالم الثالث من الاستعمار وحصول شعوبها على الاستقلال باتجاه تعزيز دور الدولة السيادية المشروطة عملياً بسوق المواد الخام وعدم تجاوز المعطيات الاثنية والمذهبية فيها وتحول مفهوم الشعب إلى جموع فقيرة خارجة عن كل فعل سياسي.
وهناك رد آخر بالقول بالانخراط في الواقع الرأسمالي العالمي الجديد لأنه أصبح يفرض نفسه. لكن هذا يجري خارج إطار قومي فاعل، وإذا ما تم فإنه يحدث داخل إطار إقليمي يتعدى القوميات مثل الاتحاد الأوروبي.
هكذا نجدنا في واقع من غياب المعالم واختلاط القيم والمعايير.
الكتاب: الحق الدولي والديمقراطية العالمية
الناشر: تيكستوييل ـ باريس 2004
الصفحات: 270 صفحة من القطع المتوسط
Droit international et democratie mondiale
Monique chemillier - gendreau
Textual - paris 2004
p. 270