مؤلف هذا الكتاب هو الباحث اندرو باوي المختص بالفلسفة الألمانية وهو هنا يقدم لنا صورة بانورامية واسعة عن تطور هذه الفلسفة والمراحل التي مرت بها على مدار القرون الثلاثة المنصرمة: أي منذ عصر كانط وحتى اليوم. نقول ذلك ونحن نعلم أن الفلسفة الحديثة ولدت في انجلترا أو هولندا ثم بالأخص فرنسا في القرن السابع عشر.
وقد اتفق الجميع على القول بأن ديكارت هو أبو الفلسفة الحديثة،، ومن معطفه خرج الفلاسفة الكبار الآخرون كسبينوزا ومالبرانش ولايبنتز، وهذا الأخير يمكن اعتباره أول فيلسوف ألماني حديث وكبير. ثم تلاه في القرن الثامن عشر والتاسع عشر فلاسفة كبار ليس أقلهم كانط أو فيخته أو هيغل أو شيلنغ. وهم زعماء المدرسة المدعوة بالفلسفة المثالية الألمانية. ويرى المؤلف أنه إذا كانت فرنسا هي استاذة ألمانيا طيلة القرن السابع عشر بل وحتى منتصف القرن الثامن عشر، فإن ألمانيا أصبحت هي استاذتها بدءاً من كانط وهيغل. والواقع ان التنوير الفرنسي سبق التنوير الألماني بحوالي النصف قرن.
ولهذا السبب فإن فولتير كان استاذاً للملك الشهير فريدريك الثاني وبقية مفكري ألمانيا. ولكن ينبغي الاعتراف بأن التوجه العقلاني والإنساني كان قد ابتدأ في ألمانيا قبل ذلك التاريخ. وكان أول مفكر تنويري بهذا المعنى هو كريستيان توماسيوس (1655 ـ 1728) الذي قدم تفسيراً متسامحاً وعقلانياً عن الدين. ولذلك لاحقه الأصوليون المتزمتون فهرب إلى مدينة «لاهال» لكي يدرس في جامعتها. وكان أول فيلسوف ألماني يمارس مهنة استاذ الجامعة.
وقد ساهم في تحرير الجامعة الألمانية من الفلسفة الجامدة للقرون الوسطى. وقال بأنه يحق للفلسفة الدنيوية ان تتحرر من هيمنة الفلسفة الدينية المسيحية. فللعلم مجاله ولا ينبغي بعد الآن ان نخلط بينهما.
ثم اتخذ توماسيوس قراراً خطيراً ألا وهو: أن يدرس الفلسفة باللغة الألمانية لا اللغة اللاتينية التي كانت تعتبر لغة العلم والفكر في كل أنحاء العالم آنذاك. وكانت اللغة الألمانية تعتبر بمثابة لغة عامية لا ترقى إلى مستوى التفلسف والتعبير عن الفكر. وبالتالي فقد ساهم هذا الفيلسوف في تقوية النزعة القومية الألمانية.
ثم جاء كانط بعدئذ وأحدث ثورة كوبرنيكية في تاريخ الفلسفة الألمانية والعالمية ككل. وبدءاً من تلك اللحظة أخذ الألمان يتفوقون على الفرنسيين والانجليز وبقية الأوروبيين من الناحية الفلسفية. وقد وصل الأمر بهيدغر لاحقاً إلى حد القول بأنه لا توجد إلا لغتان للتفلسف في العالم: اللغة اليونانية واللغة الألمانية.
فالأولى هي لغة سقراط وأفلاطون وأرسطو، والثانية هي لغة لايبنتز وكانط وهيغل ونيتشه.
ثم يردف المؤلف قائلا: لقد حققت الفلسفة المثالية الألمانية تركيبة موفقة بين عقلانية ديكارت وإنسانية روسو العميقة بالإضافة إلى إيمانه بالحرية. ولذلك فإن فلسفة الألمان تعتبر أكبر فلسفة في العصور الحديثة. فقد كانت مزيجاً من العقلانية والحرية ومن الإيمان بإمكانيات الإنسان على تأسيس نظام جديد خال من التعصب والظلم والاعتباط ويمكن القول بأن كانط هو استاذ الغرب بعد ديكارت من الناحية الفلسفية. فقد قدم له المنهجية العلمية والعقلانية المناسبة لتحقيق التقدم في كل المجالات من مادية ومعنوية، ولهذا السبب فإن المجتمعات الأوروبية تدهشنا بحسن تنظيمها وعقلانيتها وترتيبها وكل مظاهرها الحضارية.
فالفضل في كل ذلك يعود إلى الفلاسفة الكبار الذين دلوها على الطريق.. والشيء الغريب هو أن كانط الذي يعتبر أكبر فيلسوف في العصور الحديثة لم يفارق مدينته الصغيرة ولم يسافر إلى أي منطقة من مناطق العالم كما حصل للفلاسفة الآخرين. وبالتالي فقد تعرف على العالم كله من دون أن يبرح غرفته!
فقد كان مطلعاً على جغرافية كل البلدان دون أن يسافر إلى أي بلد. وكان انساناً محترماً جداً من الناحية الأخلاقية ولا أحد يستطيع أن يناله من هذه الناحية. فالفلسفة إذا لم تكن أخلاقية ليست فلسفة في نظره ولا تستحق هذا الاسم. وإذا لم تساهم الفلسفة في تهذيب الناس من الناحية الأخلاقية فإنها تكون قد فشلت في مهمتها، وهذا ما شرحه مطولاً في كتابه الشهير «نقد العقل العلمي».
ولكن الكتاب الأشهر هو ذلك الذي أصدره قبل فترة تحت عنوان «نقد العقل النظري». وهو يعتبر أهم كتاب في الفلسفة بعد كتب أرسطو وأفلاطون وديكارت. والبعض يعتبره أهم منها جميعاً لأنه استوعبها وتجاوزها.
ثم لا ينبغي أن ننسى كتابه الأخير عن الدين تحت عنوان: «الدين ضمن حدود العقل فقط». ففي هذا الكتاب قدم كانط صورة عقلانية عن الدين المسيحي ورفض كل الجوانب الخرافية او اللاعقلانية في هذا الدين. وقال بما معناه: أن الدين هو الأخلاق أو المعاملة وكل ما عدا ذلك تفاصيل.
ثم يردف المؤلف قائلاً: اما الفيلسوف الكبير الآخر الذي جاء بعد كانط فهو بالطبع هيغل. وقد استفاد كثيراً من سلفه الأكبر ولكنه تجاوزه في بعض النقاط. فكانط لم يركز على التاريخ كثيراً في فلسفته وانما اهتم بنيوتن والعلوم الطبيعة بشكل أساسي لكي يشكل فلسفته.
اما هيغل فكان فيلسوف التاريخ بامتياز. فقد درس في كتابه الشهير «علم ظاهريات الروح» مجرى التاريخ البشري منذ أقدم العصور وحتى اليوم. واستنتج الدروس والعبر من صعود الحضارات وموتها.
كما استنتج القانون الأساسي الذي يتحكم بمسيرة التطور في التاريخ البشري.
وهذا القانون الجدلي الذي يربط بين الأطروحة ونقض الأطروحة والتركيبة التي تجمع بينهما وتتجاوزهما. وهكذا نلاحظ أن التاريخ يتقدم إلى الأمام بشكل جدلي، وان التناقض هو محرك التاريخ.
وبالتالي فلا ينبغي ان نخشى من التناقض فلولاه لجمد التاريخ وتوقف.
والتناقض الجدلي الخلاق يعني ان القديم لا يموت إلا لكي يولد في الجديد. والمجتمع في حالة تطور مستمر لأن كل تركيبة جديدة تكون عرضة للتناقض من جديد وتوليد أطروحة وأطروحة مضادة وتشكيل تركيبة أخرى وهكذا دواليك..
وبالتالي فلا توجد حالة نهائية في التاريخ على عكس ما توهم فوكوياما فيما بعد، وعلى عكس ما توهم هيغل نفسه! ومعلوم ان الفيلسوف الكبير اعتبر ان فلسفته هي المعرفة المطلقة وانه لا شيء جديد بعدها.
وهكذا وقع في تناقض مع القانون الجدلي الذي كان قد اخترعه. ولكن من شدة إعجابه بما فعل اعتقد أنه وصل بالمعرفة إلى نهايتها القصوى. ثم يردف المؤلف قائلاً:
لا يمكن فهم فلسفة هيغل اذا لم نأخذ بعين الاعتبار حدثين أساسيين حصلا في وقته: الثورة الفرنسية، والثورة الصناعية الانجليزية. فالأولى «اقنعته بان التغيير السياسي ممكن وان القضاء على النظام الإقطاعي الأصولي المستبد القديم ممكن ايضاً. وهذا يعني ان الجنس البشري قادر على تحقيق التقدم على كافة المستويات اذا ما ناضل البشر من اجل حريتهم واذا ما دفعوا الثمن وضحوا بالغالي والرخيص.
واما الثانية فأقنعته بان تغيير الواقع المادي ممكن عن طريق الصناعة والتكنولوجيا. فالإنسان لم يعد مضطراً إلى بذل الجهود العضلية المنهكة من أجل تحسين وضعه الاقتصادي بعد ان حصلت الثورة الصناعية وتم اختراع الآلات التكنولوجية الحديثة. يضاف إلى ذلك ان الإنتاج الاقتصادي تزايد أضعافاً مضاعفة بفضل هذه الثورة الصناعية المباركة. وبالتالي فأصبح من الممكن تحسين الوضع المعيشي لقطاعات واسعة من السكان. وهذا الشيء كان مستحيلاً في القرون الوسطى: أي قبل حصول الثورة العلمية والصناعية والتكنولوجية.
وقد كانت لكل ذلك انعكاسات مهمة على الفلسفة بطبيعة الحال.
وكان هيغل مدعواً لأخذ هذا العامل المهم بعين الاعتبار أثناء تنظيره للدولة الليبرالية الحديثة، دولة الحقوق والقانون والمؤسسات.
ثم يتابع المؤلف بعدئذ استعراض تاريخ الفلسفة الألمانية المليء بالانجازات وأسماء المشاهير. ويقول بما معناه: بعد هيغل ظهر عدة مفكرين كبار كماركس ونيتشه وفرويد. اما ماركس فكان هيغلياً في شبابه، وكان ينتمي إلى اليسار الهيغلي. ولكنه عكس منظور استاذه المثالي فجعله مادياً.
وزعم بان الجدل الهيغلي كان مقلوباً: أي الأرجل فوق والرأس تحت! ولذلك فقد قلبه لكي يقف على رجليه. وكان يقصد بذلك ان المادة وليست الروح هي التي تحرك التاريخ، على عكس ما قال هيغل.. ولهذا السبب ركزَّ ماركس كثيراً على العوامل المادية وأنماط الإنتاج الاقتصادية واعتبر انها هي الأهم. ولكنه بالغ في هذا الاتجاه إلى حد إهمال أهمية الفكر والعوامل الثقافية والروحية باعتبار أنها بنى فوقية سطحية بالقياس إلى البنى التحتية المادية التي هي وحدها المهمة بحسب زعمه.
بالطبع فان نظرية ماركس على وجاهتها ليست خالية من النواقص والأخطاء وقد صممت مسيرة التاريخ اللاحقة هذه النواقص. ثم يتوقف المؤلف كثيراً عنه أهم فيلسوف ألماني بعد هيغل في القرن التاسع عشر الأوحد: فريدريك نيتشه.
وقد كان شاعراً كبيراً بقدر ما كان فيلسوفاً كبيراً. وأحياناً كثيرة عندما تقرأه تنسى الفكرة من كثرة ما يبهرك الأسلوب الرائع الذي لا يضاهى. وقد قام نيتشه بنقد صارم وعميق للمسيحية والأخلاقية الدينية المرتبطة بها. كما وانتقد فلسفة أفلاطون وكل الأنظمة الميتافيزيقية والماورائية: أي الأنظمة التي تتحدث عما وراء الطبيعة وتزعم انما تعرف ماذا سيحدث بعد الموت او ماذا يكمن وراء العالم المحسوس.
ففي رأيه ان كل ذلك ما هو إلا كلام وهمي وهروب من العالم الحقيقي الواقعي الذي ينبغي ان نهتم به: أي العالم الأرضي الفيزيقي لا العالم الميتافيزيقي الماورائي..
ثم ينهي المولف كتابه بالحديث عن مدرسة فرانكفورت وممثليها الأساسيين وبخاصة هوركها يمر وادورنو وأخيراً هابرماس.
ومعلوم ان هذا الأخير يجدد فلسفة التنوير في الغرب حالياً ويعطيها الثقة بنفسها عن طريق بلورة نظرية جديدة للعقل التواصلي الحواري: أي العقل الديمقراطي. وهو العقل الوحيد القادر على حل مشاكل المجتمع بشكل صحيح.
الكتاب: مدخل إلى الفلسفة الألمانية من
كانط إلى هابرماس
الناشر: بلاك ويل بوبليشير ـ لندن 2004
الصفحات: 304 صفحات من القطع المتوسط
Introduction to German philosophy
Andrew bowie
Blackwell publishers - London 2004
p. 304