«لسان كنعان» هي الرواية الجديدة لجون راي مؤلف «الذراع اليمنى للنوم» التي حازت العديد من الجوائز والكثير من التقدير في الأوساط الأدبية. تدور أحداث الرواية عشية الحرب الأهلية الأميركية، وبطلها عصابة ورئيسها يطاردهم الاتحاديون والكونفدراليون على السواء لمتاجرتهم بالعبيد المسروقين من أسيادهم.

في مزرعة جيبورا عام 1863، وفي مبنى متداع على ضفاف الميسيسبي، ينتظر ثمانية ناجين من عصابة الجزيرة 37 اندلاع الحرب، أو قدوم وكالة بنكرتون للتحريات لتقبض عليهم. زعيمهم المعروف باسم «الفادي» قد عرض أمام العدالة ومع مرور كل يوم يقترب شبح الحرب الأهلية أكثر.

الكراهية الكبيرة التي يكنها كل من الثمانية لبعضهم البعض لا يفوقها سوى خوفهم من مطارديهم الكثيرين. وفي هذا الجو المتأزم، تظهر قوة غامضة، «ملاك منتقم» يجبر الثمانية واحداً بعد الآخر على الاعتراف بآثامهم الكثيرة. «لسان كنعان» وصف لعالم الإجرام الذي تزعمه جون موريل الذي كان في أيامه أشبه بآل كابوني أيام المافيا الأميركية. تتحدث الرواية عن قصة فيرجيل بول، المجرم المدلل لدى موريل، الذي يحصل على الثروات والملذات والسلطة من تجارته بالرقيق المسروق والذي يكتشف حين يقرر نهاية الأمر أن يحرر نفسه من غير سيده أن القوة التي يحاول تحديها هي أكثر جبروتاً مما يتخيله.

إنها قوة قديمة قدم النهر وواسعة سعة البلاد نفسها وهي لا تزال تصاحبنا حتى هذا اليوم. ويتكون أفراد العصابة الذين تدور حولهم الرواية من كنيدي، ذلك القاتل المحترف، وبارسون، الذي يأخذ في تدبير المكائد طوال أحداث الرواية، والاستقراطي أسا تويست، تلك الشخصية التي هي أقرب إلى الجنون من العقلانية، وأوليفر ديلامور الذي يأخذ في إغواء رفاقه من السود ويتسبب في انهيار حياتهم.

أما البطل الرئيسي فهو فيرجيل بول، ذلك الأعور ذو الأصول اليهودية وصاحب «العين الميتة» الذي على الرغم من ذكائه فإن مشكلاته النفسية وحساسيته المفرطة تجعلانه ضحية إغواء شخصية شريرة مثل موريل الذي يتمتع بجاذبية وفتنة كبيرة تُقزم كل من حوله. أضف إلى ذلك الجشع واللهث وراء المال، هاتان السمتان اللتان تستبدان بشخصية بول وتكونان السبب الرئيسي وراء تدمير حياته.

الرواية يمكن تصنيفها ضمن الكتابات التي تبث الرعب والخوف في نفوس القراء والتي تعج بالمفارقات التي تحمل إيحاءات تاريخية بالصراعات الضارية التي لا هوادة فيها ولا استسلام من جميع الأطراف المعنية، فضلاً عن ذلك، تبرز الخيانة كأحد أهم الموضوعات التي تتمحور حولها الأحداث،

حيث تظهر وكأنها الشغل الشاغل لمعظم شخصيات العمل والدافع الرئيسي وراء الأحداث التي تُغلف بإطار دموي من جراء الصراعات المتتالية وأعمال القتل التي لا يكاد يخلو منها مشهد واحد من مشاهد الرواية، سواء بشكل إيحائي أو فعلي، إذ يحرص المؤلف على تقديم كل التفاصيل أمام القارئ بشكل يجعل من الرواية أكثر أعمال المؤلف إغراقاً في الدموية والعنف، ولكنها في الوقت نفسه تعد بحسب عدد كبير من النقاد تحفة أدبية من شأنها أن تذهب بكاتبها إلى أجواء كبيرة من الشهرة والأضواء الجماهيرية.

وليس تلك هي المرة الأولى التي يتناول فيها جون راي أجواء الصراعات والحروب والمشاحنات في رواياته، حيث تطرق المؤلف إلى هذا الموضوع من خلال روايته الأولى التي نال بفضلها قدراً كبيراً من الشهرة وهي «الذراع اليمنى للنوم».

تبدأ أحداث تلك الرواية الأولى للكاتب البريطاني في تلك اللحظات الكئيبة للحرب العالمية الأولى، تماماً كما تبدأ أحداث رواية «لسان كنعان» في عشية الحرب الأهلية الأميركية، وتنتهي أحداثها مع انضمام استراليا لألمانيا وفي الوقت نفسه يتم إلقاء الضوء على الانقلاب الفاشل للنازيين النمساويين في 1934.

وتدور الرواية حول شخصية أوسكار فوكسلاور، وهو ابن ملحن ومغني أوبرا مات منتحراً، ويتسبب تخلف فوكسلاور عن الانضمام للجيش النمساوي في نفيه إلى روسيا، حيث يظل بعيداً عن وطنه سنوات طويلة يذوق فيها مرارة الغربة ويعود بعد ذلك ليجد وطنه يرزح تحت نير الرايخ الألماني.

ويقع هذا الشخص في حب أم تعيش بمفردها تدعى أليس. وتعج قصة حياة فوكسلاور بالأجواء الحزينة والمعاناة وكذلك بالمتناقضات التاريخية والمفارقات التي يميل إلى استخدامها الكاتب بشكل ملحوظ لزيادة تركيز القارئ على ما يجري من أحداث.

وفي الوقت نفسه، كما أشار راي، فإن الرومانسية والحب يظلان الفكرة الرئيسية للرواية على الرغم مما يحتويه العمل من أجواء بعيدة كل البعد عن الأجواء التقليدية للحب والرومانسية.

خيمة بيضاء

يقول فيرجيل إن الأمر بدأ في اجتماع محترم في المخيم. رأيت «الفادي» أول مرة في مايو 1851، تماماً عند خروج النهر من ناتشيز، كنت اعبر رأس لافيت شوت في قارب «كنو» من خشب الصنوبر اشتريته من فيكسبرغ حين لفتت انتباهي خيمة بيضاء في مكان لم أرها فيه منذ أسبوعين فقط توجهت إلى الضفة وتركت القارب في الظل ثم تسلقت المنحدر الموحل بعد ان دفعني الفضول لمعرفة أمر هذه الخيمة المنصوبة في هذه البرية، على الخيمة، كانت هناك رقعة ملطخة مثبتة على القماش بدبوس قبعة نسائية لفتت انتباهي، مكتوباً عليها:

ثاديوس موريل فادي الحملان

على الجانب الآخر من الخيمة، وراء مجموعة من العربات، كان هناك حوالي ثلاثين ونيفاً من الخيل عقلت في صف واحد، كما كانت هناك مجموعة أخرى من القوارب قرب الضفة، ليس كثيرا منها، معظم من هم في الجمع على ما يبدو وقد أتوا راجلين، كانت الخيمة مهترئة وبالية، نظرت من خلال ثقب بحجم الإبهام، فرأيت الخيمة ممتلئة بالحملان، تراجعت للخلف برهة، بعد ان غلبتني نوبة خجل ونظرت إلى السماء فوقي. أتذكر يومها أنت السماء كانت زرقاء صافية، هادئة إلى حد الروعة. تصارع تعقلي مع فضولي وأحسست بدفقة شجاعة في داخلي فتركت مكاني خارج الخيمة ودخلت.

كان الكاهن يخطب في المجتمعين وهم ينصتون في حالة من الكآبة، لا أحد كان ينبس ببنت شفة خلال لحظات توقفه الطويلة عن الكلام، كانت الريح تحفر الخيمة وتحرك أعمدتها من جانب لآخر وكأننا على سفينة في عرض البحر، أو على اقل تقدير على طوافة تصارع تياراً قوياً، وأخيرا نظف الكاهن حنجرته.

«العدد القليل من النساء اللواتي كن موجودات ضمن الحضور أخذن في النحيب وعلامات البؤس والاسى ترتسم على وجوههن، في حين ان الرجال كانوا يجلسون في كتلة واحدة محملقين في وجه الكاهن وتظهر على وجوههم رغبة شديدة في قتله. وبدا أنهم يبذلون أقصى جهد لديهم كي يتخلصوا من فكرة القتل تلك، محاولين اقناع أنفسهم بأن عملية اغتيال الكاهن ليست بالعمل الهين على الإطلاق سواء امام الله أو امام الناس والمجتمع، ولكن الدافع كان موجودا وكان يمكن للمرء ان يستنبط هذه الرغبة بوضوح من ملامح وجوههم».

«لم يكونوا يعانون من مشكلات شأن الرجال الآخرين، ولم يكونوا يعانون ابتلاء معينا شأن الآخرين، ولذلك فإن الإحساس بالفخار كان يربط بينهم تماما كما تربط الانسان السلاسل وكانت النزعة إلى العنف تغطيهم تماما كما تغطي الملابس الجسد».

«مال قليلا إلى الإمام وكانت علامات التجهم ظاهرة بشدة على وجهه الذي يشبه وجه الفأر ثم رفع عينه من الكتاب الذي يقرأه ونظر الينا وكأنه يرانا الآن لاول مرة، ثم قال الكاهن: «هذا الموقف يذكرني بتجربة مررت به في حياتي الشخصية». لقد قال هذه العبارة بصوت حزين تغلب عليه الكآبة ومشاعر لحزن الدفين، ووضع احد أصابعه على الكتاب الصغير وكأنه يريد ألا تهرب منه الصفحات ثم بدأ في القول:

لقد تربيت في أرض مساحتها فدان واحد من الخث الأسود في فرجينيا وكنت الابن الأصغر لمزارع بسيط وكانت أسرتي تتكون من 13 فردا وكنا نعيش جميعاً في غرفتين لا تتعدى مساحتهما 7X8 اقدام ولكننا كنا نعيش في سعادة وهناء وكنا نحمد الإله في جميع صلواتنا وأذكارنا».

مقتطف من رواية «لسان كنعان»الكتاب: لسان كنعان

الناشر: نوف ـ لندن 2005

الصفحات: 352 صفحة من القطع المتوسط

CANAANUS TONGUE

JOHN WREY

KNOPF - LONDON 2005

P.352