مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري الأسبق والأستاذ في جامعة الأزهر، أثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات والدراسات في مجال الإسلام. ومن مؤلفاته «المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت» و«الحضارة فريضة إسلامية» وغيرهما من المؤلفات التي تعدت الخمسة وعشرين كتابا بالعربية بالإضافة إلى مؤلفات بالإنجليزية والفرنسية ولغات أخرى، فضلا عن ترجمة بعض مؤلفاته إلى العديد من اللغات.
أما كتابه الذي نعرض له هنا وهو «الإنسان والقيم في التصور الإسلامي» فهو أحدث إصداراته ويتناول من خلاله شقين متكاملين للحياة الإنسانية في منظور الإسلام وحسبه فإنه لا يمكن تصور حياة الإنسان من دون قيم تحكمه، وعلى هذا يقسم المؤلف كتابه إلى بابين الأول يناقش فيه الإنسان في التصور الإسلامي فيما يخصص الثاني لمناقشة قضية القيم. يبدأ الدكتور حمدي زقزوق حديثه عن الإنسان بصفته القضية الكبرى في هذا الوجود كله فكل شيء في الكون مسخرا له والديانات كلها جاءت من أجله والوحي السماوي كله اتجه بالخطاب اليه،
كما أن القرآن تدور آياته حوله وهذا يعني وفقا له أن موضوع الإنسان يعد قضية القضايا في هذا الكون، فالعالم من دون إنسان يعد في منطق الملائكة واحة سلام بعيدة كل البعد عن المشكلات ولكن أي عالم هذا الذي لا يستطيع أن يعي نفسه ولا حيلة له من أمر نفسه ولا إرادة له في تسيير أموره؟ إنه يكون عالما لا طعم له ولا لون. ويقول الكاتب أما الإنسان فهو الكائن الوحيد في هذا الكون الذي يستطيع أن يقول لا حتى في مواجهة الأمر الإلهي ويخبرنا القرآن الكريم بذلك في قوله « قالوا سمعنا وعصينا» كما يبدو كذلك من قوله تعالى «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» وهنا نلحظ أن الله قد أسند الاختيار للإنسان نفسه الذي يستطيع أن يقرر مصيره.
وفي موضع آخر من الكتاب وتحت عنوان «وخلق الإنسان ضعيفا» يؤكد الكاتب على مفارقة غريبة في تكوين الإنسان وهي أن القرآن يبين لنا أن الإنسان خلق ضعيفا وأن الذباب لو سلبه شيئاً لا يستطيع أن ينقذه منه وفي الوقت ذاته وفي ظروف معينة يتصور أنه من القوة والجبروت بحيث يستطيع أن يخضع كل شيء لإرادته وسطوته كما في فرعون حين قال: أنا ربكم الأعلى. وقوله مبرهنا على ذلك: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي» وأمثال ذلك كثيرة ويتساءل الكاتب متعجبا: كيف يمكن التوفيق بين ضعف الإنسان وسلوكه المدل لقوته وجبروته؟
يشير المؤلف إلى أن الحيوان يملك القوة المادية ولكن الإنسان يملك ما هو أقوى وهو قوة العقل التي بها استطاع إخضاع كل الكائنات، والجانب العقلي في الإنسان هو أثر من آثار النفحة الإلهية الروحية في الإنسان والتي من أجلها استحق التكريم والتفضيل على غيره من الكائنات.
وبما أن الله أنعم على الإنسان بالعقل فقد كلفه بتحميله مسؤولية هذا الكون وجعله خليفة في الأرض ولم يكن ذلك إجبارا من الله للإنسان ولكن باختياره وقال الله تعالي في هذا الخصوص: «إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا» وهذا يعني أن على الإنسان في إطار تحمله لهذه الأمانة الامتناع عن كل ما من شأنه أن يجلب الضرر بأي شكل من الأشكال في هذا الكون بما فيه من كائنات ومن فيه من البشر، فإذا أساء الإنسان استخدام هذه الأمانة فستكون العاقبة وخيمة عليه وعلى غيره من الكائنات الأخرى حية كانت أم غير حية.
ويشير المؤلف إلى أمثلة على إساءة استخدام هذه الأمانة ومن ذلك التلوث الذي طال كل شئ مما سبب انتشار الأمراض وظهور أمراض أخرى لم تكن موجودة من قبل مثل الايدز، ناهيك عن الإشعاعات الذرية والكوارث التي تتسبب فيها لحياة الأحياء على الأرض.
ويتطرق المؤلف خلال تناوله لقضية الإنسان في التصور الإسلامي إلى موضوعات عدة منها الإنسان والمسؤولية.
ويقول الكاتب إن افتراض الشعور بالمسؤولية قائم لدي كل إنسان اذا أننا كبشر لن نستطيع أن نتحلل منه تماما في حياتنا الواعية ولكن هذا لا يمنع من أن تكون حيوية هذا الشعور مختلفة من فرد إلى آخر وهناك ارتباط تام بين الشعور بالمسؤولية والضمير.
ويضيف أنه عندما نتحدث عن الضمير فإننا نعني ذلك الشعور الكامن في أعماقنا والذي له تأثيره الكبير في توجيه سلوكنا الوجهة الصحيحة ومن هنا كان التوجيه النبوي « استفت قلبك » ويقول أيضا إن المسؤولية في التصور الإسلامي فردية فلا يتحمل أحد وزر آخر«كل نفس بما كسبت رهينة» والمسؤولية تفهم بمعنيين أولهما مسؤولية الإنسان تجاه نفسه وثانيهما مسؤوليته تجاه الآخرين متضمنة مسؤوليته الأدبية تجاه المجتمع الإنساني الذي يعيش فيه.
ويستطرد الكاتب في هذا الموضوع قائلا إن هناك أناساً يبررون ما يصدر منهم من أفعال خاطئة بأنها أمور مقدرة في الأزل وبالتالي فإنه لم يكن في استطاعتهم إلا أن يفعلوا ما كتب الله عليهم.
ويؤكد أنه لا يجوز لأحد أن يتعلل بالقضاء والقدر لتبرير ما يصدر عنه من جرائم، فالمسؤولية قائمة وما كتبه الله على الإنسان في الأزل ما هو إلا تسجيل لما يصدر عن كل فرد منا بإرادته الحرة وباختياره الذي لا إكراه فيه ومن هنا يتحمل الإنسان المسؤولية كاملة عن كل فعل يصدر عنه صغر هذا الفعل أم كبر «فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره» سورة الزلزلة.
وينتقل الكاتب بعد ذلك إلى الشق الثاني في الكتاب ألا وهو القيم في التصور الإسلامي ونجده يتطرق هنا إلى قيم كثيرة منها الحياء والأمن والتعاون والصداقة والعلم والشكر والانتماء والتدين.
ويقول الكاتب إن القيم في كل مجتمع معايير للسلوك الإنساني والمجتمع المتوازن هو ذلك المجتمع الذي ينتشر فيه الوعي بالقيم ومن ثم الالتزام بها ويرتبط بازدياد الوعي بالقيم والإحساس بها مفاهيم التقدم والتفاؤل والنظام والترابط.
ومن الحقائق الواضحة أن منظومة القيم الأخلاقية لها جذورها الضاربة في أعماق النفس البشرية لدي الشعوب المختلفة منذ آدم حتى يومنا هذا والى ان تقوم الساعة، فلا خلاف على ان الصدق والأمانة والعدل والإحسان إلى الوالدين من الفضائل التي ينبغي على الإنسان أن يلتزم بها وأن ما يقابلها من الكذب والخيانة والظلم وعقوق الوالدين من الرذائل التي ينبغي على الإنسان أن ينأى بنفسه عنها وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ثبات القيم رغم اختلاف تصورات الأجيال في النظر إليها.
ويؤكد الكاتب على اننا يجب علينا أن نفرق بين القيم المطلقة والقيم النسبية أو الوسيلة حتى لا تختلط الأمور وتضيع منا معالم الطريق وينقلب هرم الأولويات.
كما يؤكد أيضا على ما طرأ على المجتمعات البشرية المعاصرة من تغيرات كثيرة لها تأثيرها على سلوك الأفراد سلبا أم إيجابا مما لا شك فيه أن هذه التغيرات أحدثت الكثير من الاهتزاز في القيم وخاصة في جانب الأجيال الجديدة الذين يبدون رفضا لما يقوله الجيل القديم.
ولكن يجب ألا نضيق ذرعا بما يبدو من مظاهر التمرد لدى الأجيال الجديدة في نظراتها إلى القيم فهي في حاجة أن ترى القيم التي يتحدث عنها الجيل القديم تتجاوز مرحلة الكلام إلى مرحلة العمل، فالجيل الجديد في حاجة إلى نماذج يسترشد بها. وحسب الدكتور محمود حمدي زقزوق فإن الاهتزاز في القيم الذي طرأ على مجتمعاتنا يرجع من ناحية إلى المتغيرات التي طرأت على حياة المجتمع ولكنه في جانب كبير منه يرجع إلى افتقاد الجيل الجديد للقدوة.
فنحن كما يقول الكاتب في أشد الحاجة إلى فهم المتغيرات الاجتماعية وطموحات واهتمامات الأجيال الجديدة حتى نكون أكثر قرباً منهم، وبالتالي نكون أقدر على المساعدة ويقول إنه من الصعب أن نقف في وجه هذه المتغيرات ولكن الذي ينبغي التأكيد عليه هو قيمة الاحترام مثلا من حيث هو إنسان وهذا الاحترام يجب أن يكون متبادلا وليس من جانب واحد وإلا كان خضوعا وخنوعا من جانب طرف لحساب الطرف الآخر وهذا لا يليق بالإنسان.
ويكمل الكاتب مؤكدا على الحاجة إلى غرس قيم الاحترام والثقة بالنفس والاعتزاز بالكرامة الإنسانية في الجيل الجديد فقد خلق أبناؤه لزمان غير زماننا وهذا ما ينبغي أن ندركه جيدا وإلا أخطأنا الطريق في تربية الجيل الجديد، وهذا خطأ إن وقع ستتحمل الأجيال الجديدة وزره وسنكون نحن مسؤولين عن ذلك، ومن هنا واجبنا أن نرشدهم إلى الطريق الصحيح ونبين لهم مخاطر الطريق وعليهم أن يشقوا طريقهم بأنفسهم وقد يتعثرون ولكنهم حتما سينهضون مرة أخرى ليواصلوا السير على الدرب وهكذا تتواصل الأجيال وتستمر الحياة إلى حيث أراد الله.
والحديث عن القيم كما يقول الكاتب ليس شيئاً جديداً طارئاً على البشرية ولكنه قديم قدم الإنسان ذاته ولكنها لم تتبلور إلا من خلال الخبرات والتجارب ودرجة الوعي الفردي والجماعي.
فقد صدر النبي عليه الصلاة والسلام بعثته بأنها استكمال للقيم الأخلاقية بقوله«إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» ويؤكد المؤلف أيضا على أن كل الحضارات السابقة أكدت على الأخلاق.. فليس هناك ما يجعل الفضيلة تنقلب رذيلة ولا الشر ينقلب خيرا، مختتما رؤيته بالإشارة إلى أنه مهما تغيرت وجهات نظرنا للناس والأشياء فإن هناك ثوابت في حياتنا ومن بينها القيم الأخلاقية.
ألفت عبد الله
الكتاب : الإنسان والقيم في التصور الإسلامي
الناشر : الهيئة المصرية ـ القاهرة 2004
الصفحات : 270 صفحة من القطع المتوسط