لأكثر من ربع قرن، ولما يزيد عن مجمل أقرانه المعاصرين، ألَف الدكتور صابر طعيمة ونشر العديد من الكتب المتخصصة بالشأن الديني الإسلامي، وتحديدا ما تعلق منها بالفرَق والجماعات التي ولدت وتطورت إن من داخل البنية الإسلامية أو على هامشها. ومن خلال ممارسة عمله مدرِسا في جامعة الملك عبد العزيز في الرياض اقترن لديه الأثر معلِماً ومؤلِفاً في الوقت ذاته.

كتابه الأخير الذي بين أيدينا الآن «التصوف والتفلسف ـ الوسائل والغايات» ينضم إلى مجمل نشاطه الموسوعي والمتبحر في الجماعات الدينية الإسلامية، ككتابه «العقائد الباطنية وحكم الإسلام فيها » و «الإسلام وعالمنا المعاصر» و«دراسات في الفرق» و«الصوفية معتقداً وسلوكاً» وسواها العديد من الكتب التي تعكس وحدة الشخصية الكاتبة لجهة التخصص والحفر عميقا في موضوعها. ومما لاشك فيه يبقى تناول الجماعات الدينية مصدرا للجدل والاختلاف،

ليس فقط بسبب عدم تماثل المرجعيات وحسب بل لما يحتمله الأمر من دمج لعلم الاجتماع بالفكر الديني، وتحديدا فكر الجماعات الهامشية التي تأسست وتطورت سواء من صلب التاريخ الإسلامي أو على هامشه. وفي كل الأحوال تبرز القيمة الأهم في فكر طعيمة:وهي الدأب والاشتغال والتركيز والاستمرار. وهي سمة الأكاديمي المتحقق من موضوعه والعائد إليه مرة بعد مرة، فحصاً وكشفا وتدقيقاً.يفتتح المؤلف كتابه بالإشارة إلى اتجاهين في تعريف التصوف، الأول «الجانب الأخلاقي» والثاني جامع بين «التصوف والزهد».

ثم في تعريفات اللغة، وما قام به بعض المتصوفة في التعريف، ليشير المؤلف إلى «الاختلاف في تعريفها » من واحد إلى آخر. منتقلاً إلى أقسام الصوفية، فنقرأ: «صوفية الحقائق» و «صوفية الرسم» وتعني المظاهر واللباس. و «أصحاب الحقيقة» و «النورية» و «الحلولية ». الحقيقة ان من أسباب غموض الصوفية المصادر، فعادة ما يشار إلى مصادر الصوفية بنوع من الاجتهاد اللا تاريخي والقائم على مقاربات ظاهرية. بالمقابل عمل طعيمة على تأكيد الجانب الأكاديمي بالبحث عن مصادر الصوفية فيحدد المصادر التاريخية المتمثلة بـ «الهندية والفارسية. والأفلاطونية اليونانية.

واليهود والنصارى». وكذلك الغنوصية الفارسية مشيرا إلى أن «أخطر ماتأثر به المتصوفة بالمسيحية هي مسألة الحلول». أما لجهة وجود التصوف في عهد الرسالة والخلافة الراشدة فينفي المؤلف وجودها على اعتبار ان المسميات كانت «مسلم ومؤمن» ثم أصبحت «التابعين». مؤكدا أن اسم «الصوفية» لم يوجد في عهد صدر الإسلام. وانها ظهرت في نهاية القرن الثاني الهجري.

يوضح المؤلف الأثر النصراني لعقيدة الحلول التي مثلها الحلاج، من خلال «ثنائية الطبيعة الانسانية: اللاهوت والناسوت». وكذلك المصدر الهندي عبر العقائد الهندوسية المتمثلة بـ «تناسخ الأرواح و جزاء الأعمال و الانطلاق و وحدة الوجود». ففي الأولى، تعتقد الهندوسية بانتقال الجسد من روح إلى روح أو إلى أي جسم آخر كالنبات والحيوان. وفي الثانية، جزاء الأعمال واختصارها الهندوسي(كارما) بمثابة مبرر للأولى لجهة السلوك العملي للشخص في الحياة.

أما في الثالثة، الانطلاق، فهي الحلول. والرابعة، وحدة الوجود، وهي معنى تجلي الله في سائر الموجودات بالعقيدة الهندوسية. ومن جهة المصدر الإسلامي يعاود المؤلف التأكيد ان اسم الصوفية لم يكن موجودا في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم).

معتبراً ان المتصوفة لجأوا «إلى الكتاب والسنة للبحث عن أدلة يستندون إليها ». ويحدد طعيمة مظاهر «الالتفاف» الذي قام به المتصوفة من خلال:الاستدلال بأحاديث غير صحيحة ومن خلال تأويل النصوص وسوء فهمها. ولهذا يوضح الموقف الإسلامي من التصوف بأن الإسلام لم يشر «إلى الانصراف عن الدنيا أو الانقطاع إلى العبادة وترك العمل والكسب». ولأن في التصوف مرحلة تقول بسقوط التكليف عن المؤمن،

فإنه يشير إلى الموقف الإسلامي الذي « لا يقر بإسقاط الشرائع والفرائض لأي سبب من الأسباب».

ومن جهة مايقول به المتصوفون عن الخوارق، فيشير إلى ان «الإسلام لايقر المبالغة في الحديث عن كرامات الأولياء وإتيانهم بالخوارق». هذا وفي الوقت الذي تطرح فيه الصوفية مبدأ التقية والباطن يذكر طعيمة أن «الإسلام يؤكد على عقيدة الاستواء في السر والعلن حتى يكون باطن المرء متحققا في ظاهره».

التمدد الأفقي للبحث يفترض الكشف عن الأدوات التعبيرية للتصوف، فيفرد المؤلف مساحة لأشهر اصطلاحاتها كالجمع والفرق والتوحيد والفناء.أما لجهة الإطار التاريخي فنجد مساحة لأشهر فرق الصوفية فنقرأ عن القادرية:عبد القادر الجيلاني (470 - 165ه).

والرفاعية: أحمد الرفاعي (توفي عام 580 هـ ). والأحمدية: أحمد البدوي أكبر أولياء مصر (596 - 436ه). والدسوقية:ابراهيم الدسوقي ( 633 - 676 ه). والأكبرية: نسبة للشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي. والشاذلية: نسبة إلى أبي الحسن الشاذلي (593 - 656 هـ).

والبكداشية وهي طريقة من أيام الأتراك و أنها مازالت موجودة في ألبانيا. والمولوية: أنشأها جلال الدين الرومي المتوفي عام 672 هـ. والنقشبندية:نسبة إلى الشيخ بهاء الدين بن محمد البخاري الملقب بنقشبند 618 ـ 791 هـ.

أعطى الكتاب مساحة كبيرة لفلسفة محيي الدين ابن عربي من خلال شرح المؤلف للسياق التاريخي لفكرة وحدة الوجود، وشرح الفكرة ذاتها. هذا مع تقابلها مع الفكرة الرائجة عن الحلاج والقائلة بالحلول، وكذلك الفرق بين الحلول والاتحاد. ويشير الباحث ان هناك آثارا تتجلى بعيد القول والأخذ بوحدة الوجود، ومن هذه الآثار: تجويز عبادة كل شيء.

فمن خلالها يبدو المتصوفون القائلون بوحدة الوجود معتقدين «أن من عبد غير الله فهو مؤمن بناء على تجويزهم عبادة هذا الكون بما فيه من أصنام وأحجار وأشجار». من هنا يلمح المؤلف إلى موقف ابن تيمية من القائلين بوحدة الوجود بأنهم «ليسوا مسلمين ولايهوداً ولانصارى. بل كثير من المشركين أحسن حالا منهم». في الفصل العاشر يتابع التوسع بموضوعه ليصل إلى الفلسفة في الإسلام وموقف الإسلام منها، من خلال الإضاءة على شيء من فلسفة ابن سينا،

وكذلك عموم الفكر الفلسفي عند المسلمين والقضايا التي طرحها فلاسفة مسلمون كابن سينا في فلسفته عن النفس وخلودها ثم يعرض اتقاد أهل السنة في النفس والروح والأسئلة المرتبطة بها.ولزيادة في فهم المحتوى التاريخي للبحث نجد عرضاً للفلاسفة الطبيعيين كديمقريطس وسقراط. وفي الجهة المقابلة للطبيعيين نجد فلسفة المثل الأفلاطونية، ثم الانتهاء بعرض مفهوم الألوهية عند المصريين والبابليين والصينيين وسواهم.

كتاب «التصوف والتفلسف» ينتمي لما يمكن إدراجه بالكتب الموسوعية.

فهو يلاحق موضوعه بدءاً من الاصطلاح، ومروراً بالإطار التاريخي والاجتماعي والحضاري، وانتهاء بالموقف الفكري. عارضاً في الوقت نفسه توسعاً أفقيا في البحث لنجد معنى الألوهية عند قدماء المصريين وباقي الديانات الأخرى. باختصار يخرج القارئ من كتاب كهذا بـ «سلَة» من المعلومات والمقارنات تساهم بمستوى ثانٍ نحو الدفع للتعرف وقراءة الظاهرة من وجهات نظر مختلفة.

هذا على الرغم مما بدا في الكتاب من أخطاء طباعية عديدة في رسم الأشعار وبعض الأسماء وكذلك كتابة البيت الشعري الواحد بأكثر من طريقة منها ماعرَض البيت للكسر أو لمناقضة أصله الديواني كما في الصفحة 142 في بيت للحلاج إذ يرد على الشكل التالي: «مزجت روحك في روحي كما / كمزج الخمرة بالماء الزلال» بينما يرد في الصفحة 177 على الشكل التالي: «تمزج الخمرة بالماء الزلال». وهو الأصح.

وفي الصفحة 207 يكتب ابن الفارض بـ «ابن الفرض » وفي الصفحة 225 يرسم من بيت لابن الفارض بـ «ففي كل مرثي» والأصح «ففي كل مرئي» وفي الصفحة 193 من شطر للحلاج «ستر سنى لاهوته الثاقب» بينما الأصح وهو ما كتب في أعلى الصفحة ذاتها «سر سنا» مما يؤكد الخطأ الطباعي الذي لا مراء فيه.

وليس للمؤلف فيه أي يد وتلك علامة استفهام توجه للدار الناشرة(!؟) وفي الصفحة 177 نقرأ «نحن روحان حللنا يدنا» والأصح بدنا. كما يعلم الجميع.

وفي الصفحة نفسها نقرأ « فإذا مسك شيء حسَني» والأصح «مسَني» وكذلك الخطأ في ربط الصدر بالعجز كما في بيت الحلاج: وجمال فيما بنينا قائما ـ في صورة الآكل والشارب والأصح، وكما يرد أيضا في الكتاب نفسه!، «ثم بدا لخلقه ظاهرا في صورة الآكل والشارب».

وأيضا ، الأخطاء المتعددة في قصيدة ابن سينا الشهيرة عن النفس، فلقد ورد في الكتاب «أنفت وماأنست فلما وصلت» والأصح واصلت. وورد أيضاً «فهبطوها إن كان ضربة لازب» والأصح فهبوطها.

وورد أيضا «وتعود عالمة بكل خافية» والأصح خفية. كم من الممكن لكتاب في التراث أن يحتمل هذا العدد الكبير من الأخطاء؟ أكدنا على هذه الأخطاء نوعاً من الإنذار بوجود تهاون وعجلةٍ وتسرع وشيء من الاستخفاف في نشر كتاب تراثي يعرض لجزء مهم من التاريخ الإسلامي.

حتى نكاد نقول بل نترحم على أيام التدقيق التي كانت تجحظ فيها عيون المدققين على النصوص مخافة الوقوع بخطأ أو زلل أو تحريف.

وهي دعوة للمؤلف لمطالبة الجهة الناشرة بإعادة تصحيح وطبع الكتاب لأن كمية الأخطاء التي فيه تعطي انطباعاً للقارئ بالاستخفاف والتهاون مما قد يلغي قيمة الكتاب بالكامل. فإذا قرئ الكتاب قراءة تدقيق، لا قراءة اطلاع، فكم سنكتشف، والحالة هذه، من أخطاء؟

عهد فاضل

الكتاب:التصوف والتفلسف

الوسائل والغايات

الناشر: مكتبة مدبولي ـ القاهرة 2005

الصفحات:506 صفحات من القطع الكبير