مؤلف هذا الكتاب هو أحد كبار الشخصيات في اليسار الأميركي، وهو يكتب بانتظام في مجلات عديدة لمجلة النيويورك تايمز ومجلة الجمهورية الجديدة. وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث المؤلف عن المشاكل التي حصلت مؤخراً بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي. ويقول منذ البداية بأن عدونا ليس العالم العربي وإنما الديكتاتورية التوتاليتارية. وهي التوتاليتارية نفسها التي دمرت أوروبا على مدار حربين عالميتين في القرن العشرين من خلال النازية والفاشية.
ولكنها تعود إلينا اليوم من خلال القومية العربية الشوفينية أو من خلال الأصولية المتطرفة وبالتالي فنحن في مواجهة الخطر نفسه الذي واجهناه قبل ستين سنة في أوروبا. ثم يردف المؤلف قائلا: نحن أمام حالة لا تكاد تصدق. فحكومة صدام حسين مسؤولة عن مجازر عديدة أودت بحياة مئات الآلاف من البشر. ومن ذلك فلا أحد تحرك في العالم للتظاهر ضد ديكتاتور يقتل شعبه. ولكن عندما قررت أميركا تأديبه وإزاحته عن عرشه إذا بالمظاهرات تتحرك بالملايين في أوروبا ضد ذلك! فكيف يمكن أن نفسر هذه الظاهرة؟ انها عبارة عن ضلال عقلي وخطأ كامل في التقدير، ليس إلا.
يضاف إلى ذلك أن الطالبان أقاموا نظاماً متزمتاً إلى أقصى الحدود، نظاماً يقضي على حرية الرجل والمرأة والطفل وكل شيء. وبالتالي فما المانع من اسقاط مثل هذا النظام؟ أليس لمصلحة الشعب الافغاني والبشرية كلها أن يحل نظام آخر محله؟ ثم يحمل المؤلف بعدئذ على الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون الذي قال عشية حرب الخليج الأولى: هذه الحرب لن تكون من أجل الديمقراطية وإنما فقط من أجل إجلاء جيوش صدام عن الكويت والحفاظ على مصالحنا البترولية هناك.
وهذا كلام وقح وصفيق وصادر عن رجل لا يؤمن بأي علاقة بين الأخلاق والسياسة. فصدام كان قبل غزو الكويت قد شن حرباً ضد إيران واستخدم فيها لأول مرة الأسلحة الكيماوية. ثم استخدم الأسلحة نفسها لاحقاً ضد شعبه في الشمال.
وبالتالي فإن تخليص العالم منه ومن شره كان عملاً أخلاقياً بالدرجة الأولى. ولكن نيكسون لا يهتم بالاعتبارات الأخلاقية.
ثم يردف المؤلف قائلا: وبالتالي عندما نرسل جيوشنا إلى هناك ينبغي أن يكون لنا هدف أوسع بكثير من الهيمنة ألا وهو: نشر الديمقراطية في المنطقة إذا أمكن والسؤال المطروح هنا هو التالي: ألا ينبغي على الشرق الأوسط العربي أن يمشي في الاتجاه نفسه الذي تمشي فيه كل دول العالم؟ ألم نلاحظ بأن الديمقراطية والانتخابات الحرة قد انتشرتا في مختلف مناطق آسيا وأميركا اللاتينية بل وفي أفريقيا بعد سقوط الشيوعية؟ ألم تكتسح كل بلدان أوروبا الوسطى والشرقية التي كانت كلها خاضعة لنظام الحزب الواحد؟ لماذا لا تنتشر إذن في العالم العربي الخاضع لنفس الأنظمة؟
إن هذا الموقف أي موقف نيكسون وسواه عنصري تجاه العرب. فهو لا يعتبر أنهم قادرون على الدخول في الحضارة والحداثة وتحقيق الديمقراطية كما تفعل بقية الشعوب الأخرى. انه يعتقد أن الحريات الغربية محصورة بشعوب الغرب ولا يمكن ان تتبناها الشعوب العربية أو الإسلامية لأنها من جنس آخر أدنى مرتبة في سلم الأعراق البشرية! وهذا موقف غير مقبول. هذا موقف جدير بالقرن التاسع عشر والعصور الاستعمارية حيث ازدهرت النظريات العنصرية.
ثم يتحدث المؤلف عن النظرية الواقعية في السياسة ويقول: هناك معنيان للواقعية، معنى ايجابي ومعنى سلبي. أما الأول فيقصد به أخذ المعطيات الواقعية لحالة معينة بعين الاعتبار. وهو موقف علمي. وأما الثاني فيقصد به الوقاحة في السياسة الخارجية: أي عدم الإيمان بأي مبدأ ما عدا المصلحة الشخصية فأنت واقعي بقدر ما أنت انتهازي ناجح!
ولكن الواقعية كعقيدة دبلوماسية ظهرت في القرن التاسع عشر. وهي نوع من انواع الفلسفة المادية. وقد كان كارل ماركس زعيم الماديين فيما يخص المجال السياسي. وكان يعتقد أن التاريخ العالمي هو نتاج قوة واحدة هي القوة المحسوسة مادياً: أي نظام الانتاج الاقتصادي.
وأما هيبوليت تين أستاذ النقد الأدبي في فرنسا فكان يعتقد أن الأدب العالمي هو نتاج ثلاث قوى: العرق، والعصر، والجغرافيا، وعلى غرار ذلك نلاحظ أن الواقعيين المعاصرين يعتقدون أن السياسة العالمية هي أيضاً نتاج لثلاث قوى محسوسة: أي الغنى، والقوة، والموقع الجغرافي، أما المبادئ والأخلاق والمثل العليا فلا وجود لها في نظرهم، ولا تؤثر على حركة التاريخ وليست لها أية أهمية.
وبالنسبة للواقعيين فإن الحروب تندلع عندما تصطدم رغبة أمة ما في الثروة والتوسع الجغرافي والهيمنة برغبة أمة أخرى مجاورة في الغالب عندئذ يجمع الطرف الثاني كل حلفائه حوله وتندلع المعركة.
وعلى هذا النحو كان نيكسون وجماعته يتصورون حرب الخليج عام 1990 ـ 1991. فصدام كان بحاجة إلى المال ويريد إشباع رغبته منه عن طريق غزو الكويت. وعندئذ استجارت الكويت بأميركا والدول العربية الأخرى. فكان ان شكلوا تحالفاً واسعاً وطردوا صدام من الامارة الخليجية الغنية جدا. وبعدئذ اندلعت مشاعر العداء ضد أميركا في العالم العربي. لماذا؟ لأن رجل الشارع كان مع صدام..
ثم يردف المؤلف قائلا:
في عام 1993 ظهرت المقالة الشهيرة لصموئيل هنتنغتون عن صدام الحضارات. ولكن المصطلح ليس منه وانما هو لبرنارد لويس المستشرق الشهير. وقد اضطر الجميع الى الاعتراف بأهمية مقالة هنتنغتون ورهانتها على الرغم من بعض عيوبها ونواقصها.
فالواقع ان العالم الاسلامي واقع في حرب مفتوحة مع كل العالم تقريباً. فهو يحارب الآخرين في الفلبين، وكشمير، وبلاد الشيشان، وكوسوفو، والبوسنة، والسودان، ونيجيريا، الخ.. بمعنى آخر فان الحروب مندلعة في كل مكان يحصل فيه احتكاك بين المسلمين وغير المسلمين. فهو يحارب الهند، وروسيا، والقوى المسيحية في مناطق شتى من العالم.
بل وانه واقع في صدام مع الصين واليابان!
وهذه ظاهرة ملفتة للنظر. فهل يعني ذلك ان المسلمين بطبيعتهم يحبون الحرب وسفك الدماء؟ هل هم عدائيون بجوهرهم يا ترى؟ على هذا السؤال يجيب هنتنغتون بنعم. ثم يردف قائلا: ان حدود الاسلام هي حدود الدم!
ولكن صاحب هذه الاطروحة العدائية الشهيرة يتجاهل شيئاً أساسياً: وهي ان هناك اسباباً سياسية لهذه الحروب وليس أسبابا دينية. فالشعب الشيشاني يدافع عن استقلاله وسيادته. وقل الأمر ذاته عن شعب البوسنة، او كوسوفو، او كشمير، الخ.
ولكن يبقى صحيحا القول بأن الحركات المتطرفة في العالم الاسلامي ذات طبيعة عدائية. اما جمهور المسلمين فليس عدائياً على الاطلاق. وهذا التفريق المهم هو الذي غاب عن بال استاذ هارفارد الشهير. لكن يبقى صحيحاً القول بأنه تنبأ بالحرب المقبلة بين أميركا والاصولية المتطرفة قبل حصولها. فمقالته صدرت عام 1993 وضربة «11» سبتمبر الأليمة حصلت عام 2001.
وبالتالي فقد استبق على الحدث لمدة ثمان سنوات. ولكن الشيء الغريب والذي ينقض اطروحة هنتنغتون جزئيا على الأقل هو ان حروب أميركا الأخيرة حصلت معظمها من أجل الدفاع عن الشعوب الإسلامية!
وبالتالي فأين هو صدام الحضارات في كل ذلك؟
ألم تحارب أميركا قوة مسيحية ارثوذكسية هي صربيا من اجل المسلمين في كوسوفو؟ ألم تسقط الديكتاتور ميلوسيفيتش من اجل تحرير السكان المسلمين من نير استعباده واضطهاده؟ ألم تدافع عن الكويت ضد الهجمة الشرسة لصدام؟ ألم تدافع عن البوسنة ضد وحشية المسيحيين السلافيين؟
بل وحتى في الماضي ألم تدافع عن مصر ضد العدوان الثلاثي عليها عام 1956؟ وبالتالي فليس صحيحاً القول بأن أميركا معادية للعالم العربي أو الاسلامي على طول الخط. وهذا يعني ان نظرية صدام الحضارات خاطئة من أساسها. والشيء الذي يدل على خطأها هو ان بن لادن وجماعته من أكبر المؤيدين لها. فهم يقولون أيضا بأن العالم الإسلامي داخل في صدام مروع مع اليهود والصليبيين أينما كانوا: أي مع الغرب ككل. وهو يدعو الى الصدام معهم بل وذبحهم إذا امكن دون تفريق بين غني او فقير، أو مدني أو عسكري..
هل يعني ذلك أن بن لادن وصموئيل هنتنغتون هما الوجه والقفا لعملة واحدة؟ لولا لجوء الأول الى العنف والارهاب لقلنا نعم. ولولا ان الثاني استاذ كبير في جامعة هارفارد لأجبنا بالايجاب. ولكن التشابه بين كلتا الاطروحتين على علاته أمر مثير للدهشة فعلا. فكلاهما يركز على الطلاق الكامل بين الشرق/ والغرب، بين الحضارة الأوروبية ذات القيم المسيحية أو العلمانية/ والحضارة الإسلامية. كلاهما لا يرى إلا أوجه التنافر والعداء ويغض الطرف عن أوجه التشابه والعلاقات السلمية والتفاعلات الحضارية بين كلا الطرفين على مدار التاريخ. فالعرب أثروا على أوروبا وصاغوا حضارتها لمدة عدة قرون مثلما أثرت أوروبا على العرب لاحقاً.
ثم من الذي صنع بن لادن نفسه في أفغانستان؟ أليس هو سياسة ريغان في الثمانينات؟ ألم تدعم المجاهدين في افغانستان من أجل دحر الاتحاد السوفييتي الذي كان عدوها الأول آنذاك؟ لا ريب في أن زعيم القاعدة هو من أكثر المتشددين حقداً على الحضارة الغربية. ولكن ينبغي العلم بأن اخوته وأنسباءه الآخرين من عائلة بن لادن كانوا قد درسوا في أشهر الجامعات الأميركية.
بل وكان بعضهم قد أغدق الهبات والأموال على هذه الجامعات: كجامعة هارفارد نفسها، وجامعة توفتوس، وجامعة اوكسفورد. بل وكانت هناك مصالح تجارية وبترولية بين آل بن لادن وآل بوش. وبالتالي فالأمور أكثر تعقيداً مما نظن. ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: ولكن كل هذا لا ينبغي وجود مشكلة بين الحضارة الأميركية من جهة والعقلية الأصولية المتطرفة من جهة اخرى بهذا المعنى فانه يوجد صدام حضارات. وبالتالي فمعركة أميركا ليست مع العالم الاسلامي ككل كما يزعم البعض وانما مع الحركات المتطرفة فيه فقط. وهي حركات معادية ليس فقط لأميركا وانما ايضا لكل قوى التقدم والاستنارة والعقلانية في العالم العربي والإسلامي نفسه.
الكتاب: الإرهاب والليبرالية
الناشر: و.و. نورتون وشركاؤه نيويورك 2004
الصفحات: 216 صفحة من القطع الكبير
Terror and liberalism
Paul barman
w.w.norton and company
N.Y 2004
p. 206