ديمقراطية الأثرياء الأميركية يمكن أن تمول مسيرتها نحو الاستمرار، بقلم: بول صامويلسون

الثلاثاء 19 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 20 مايو 2003 عندما كان اليورو عملة جديدة، علق الاميركيون امالاً كباراً على ان هذه العملة الصادرة لتوها ستبدأ قيمتها في الارتفاع مقابل الدولار القوي وبدلاً من ذلك وعلى امتداد شهر بعد آخر وعام بعد آخر زادت قيمة الدولار مقابل اليورو والين. غير ان الدور حل على الدولار مؤخراً لتتراجع قيمته وفي الوقت الحالي استرد اليورو بصورة جوهرية كل الارض التي كان قد فقدها في البداية «ما الذي يكشفه هذا لنا؟» هذا هو السؤال الذي يطرحه الاقتصاديون الآن وهم يضيفون في اطار تساؤلاتهم: «في اي اتجاه ستهب الريح في سوق العملات في المستقبل؟».لا تعلقوا الآمال على ارشاد نافع من الفريق الاقتصادي لحكومة الرئيس بوش، فجو سنو وزير الخزانة يصرح للصحافيين بأننا لا نزال نحبذ سياسة الدولار القوي ولكنه بعد ان يلتقط نفسه يبادر الى ملاحظة ان الدولار الأقل قيمة لا يفيد بالقطع في جعل المنتجين الاميركيين اكثر قدرة على التنافس في اسواق التصدير الدولية من حيث تكلفة منتجاتهم. في غضون ذلك، فإن معظم المتعاملين في صناديق التحوط التي يتزايد عددها هنا في نيويورك او في لندن او في فرانكفورت يراهنون على ان الدولار سيتجه الى مزيد من الانخفاض في الشهور المقبلة، وكانت تصرفاتهم قد مالت لبعض الوقت الى طرح نبوءة تحقق ذاتها، حيث حصلوا على مكاسب رأسمالية وفيرة زادتها ضغوطهم في البيع في المدى القصير. هل اسواق المضاربة لا تعدو ان تكون شيئاً الا كازينوهات خمار اضفي عليها الطابع الشرعي؟ هل هي لا تتجاوز كونها دخاناً يعمي العيون وفوضى عشوائية؟ هل هي كما يعبر شكسبير بصورة جزئية قصة يرويها بلهاء يسارعون للضغط على زناد؟ نعم، الامر كذلك في احد جوانبه وذات يوم سينقلب الاتجاه الحالي رأساً على عقب وعند ذلك سيقوم هؤلاء المضاربون انفسهم بالاستفادة من عوائد رأس المال التي يكسبونها من مضاربات نشطة على الدولار في سوق منتعشة. غير ان الخبراء الاقتصاديين في الجامعات والمصارف على السواء يمكنهم ان يرصدوا سبب الاتجاهات السائدة في السوق ذات الاتجاه الواحد وسبب انقلابات هذه الاتجاهات رأساً على عقب و«الرقعة اللينة» التي رصدها آلان جرينسبان رئيس الاحتياطي الفيدرالي الاميركي، في 2002-2003 وهي فترة الانتعاش الاميركي ترفض بعناد حتى الآن ان تنتهي. ومن هنا فإنه في الاجتماع الرسمي الذي عقدته مؤخراً لجنة السوق المفتوحة التابعة للاحتياطي الفيدرالي لم يتم التوصل الى قرار بشأن ادخال تغيير في سعر الفائدة في المدى القصير الذي يعد متغيراً بالغ الأهمية حيث ان عدم التأكد بدرجة كبيرة من طبيعة المتغيرات جعل من المستبعد اعلان اي تحركات جديدة قاطعة. ومع ذلك فإن مراقبي الاوضاع في وول ستريت تلقوا مفتاحاً جديداً ومهماً لفهم اتجاهات الاوضاع فقد اعلن جرينسبان وزملاؤه ان ما تمس حاجة اميركا الى تجنبه هو اي خفض انكماش مستقبلي في مستوى السعر وقد اعتبر هذا بالنسبة لمراقبي وول ستريت بمثابة تغير في توقعاتهم فحتى عندما يقوى الانتعاش الاميركي في النصف الثاني من العام الحالي، اذا حدثت هذه القوة اصلاً، فإنكم لا ينبغي ان تعتبروا ان من المسلم به ان الاحتياطي الفيدرالي سيسارع في رفع سعر الفائدة من مستوياتها المتدنية الحالية نحو التكاليف العادية الأعلى الناتجة عن القروض. هذا الاعلان يمكن افتراض انه يقوي اليورو ويضعف الدولار، لماذا؟ لأن الاموال التي يسهل الوصول اليها من قبل الاميركيين والاوروبيين والآسيويين سيجري اغراؤها بالتدفق شرقاً عبر المحيط الاطلسي بعيداً عن اميركا ذات سعر الفائدة المنخفض ونحو منطقة اليورو ذات سعر الفائدة المرتفع. وهنا نواجه قانوناً اقتصادياً سيرى مفعوله وليس مجرد جلبة فارغة وفوضى نفسية عشوائية فالآن جرينسبان يختار كلماته عن تدبر، متوقعاً ان هذه الكلمات يمكن بدورها ان تكون نبوءة تحقق ذاتها بحيث ان السندات الاميركية طويلة المدى سيميل سعرها الى الارتفاع وبالتالي تشجع الانفاق الاستثماري الاميركي المتراخي. هنا تنهض احجية جديدة، فأميركا التي توقعنا جميعاً واعتمدنا عليها في ان توفر القاطرة العالمية الوحيدة المنشطة للاقتصاد تبدأ الآن في امتصاص القوة من المصدرين في الاقتصادات المتراخية في المانيا، فرنسا، ايطاليا، واليابان. واذا شئناً التحديد، يقولون ان شركات فولكس فاجن، مرسيدس كرايزلر، بي ام دبليو، لكن لا نتحدث عن تويوتا، هوندا ومنتجي السيارات الكوريين في الخارج، قد اصبحت بصورة عقلانية تخشى ان تفقد نصيبها في السوق الاميركية الهائلة. والامور يمكن ان تتفاقم وتغدو اكثر سوءاً، عن حرية التجارة لم يتردد في ان يفرض تعرفة جمركية على الصلب عندما دعت الاعتبارات الانتخابية الى الالتزام بشيء من نزعة الحماية التي تحظى بالشعبية وعلى الرغم من ان بوش لم يكن طالباً متألقاً في دراسة الاقتصاد في جامعة يال، وستكون ادارته ممتنة على نحو صامت اذا ادت عملية خفض قيمة الدولار الى تنشيط الاقتصاد الاميركي في الاشهر السابقة على انتخابات الرئاسة الاميركية في نوفمبر 2004. وفي غابة السياسات الديمقراطية لا يتعين ابداً ان تأخذ الامور على علاتها وفي نهاية المطاف وعندما يحل الخريف المقبل فإن وول ستريت ومين ستريت قد يتبين انهما نشطان نموا في اجمالي الناتج القومي بمعدل 3% الى 4% وفي هذه الحالة فإن ارشادات المؤتمرات الصحافية بحرية التجارة يمكن ان تعاود الانطلاق مجدداً وما من حاجة تدعو في الوقت نفسه الى التوقف عن قرع الطبول للمطالبة بخفض كبير في الضرائب. ويمكن على الدوام القول بأن التخفيضات الكبيرة من الضرائب تغطي نفسها عن طريق النمو الفائق في الانتاجية والذي يزعم ان هذه التخفيضات هي وحدها التي تحققه. غير ان التاريخ الاقتصادي الحقيقي لأميركا في القرن الماضي لا يؤيد هذا الزعم حول ما وصفه جورج بوش الاب ذات مرة بـ «السحر» من جانب الغرض من الاقتصاد ومن غير الممكن على الاطلاق اثبات ان هذا الامر سلبي بصورة حاسمة، ومن غير المحتمل ان يتم تحقيق معجزات اقتصادية صارخة في حياة اي شخص على قيد الحياة في الوقت الراهن ولكننا لن نكون متيقنين بصورة مطلقة من ذلك الا بعد ان يطل جيل جديد على الحياة. وفي غضون ذلك تمضي ديمقراطية الاثرياء في طريقها المرح لتضمن اختيار مرشحين محافظين اثرياء للمناصب التشريعية وتعيين موظفين ذوي رواتب باهظة في عضوية جماعة الضغط لمواصلة فرض الضغط بهدف تفكيك البرامج الحكومية التي تحمي بأكبر قدر ممكن من النجاح الشريحة الاكثر فقراً وافتقاراً للحظ من المظالم الحتمية التي لا سبيل الى فصلها عن اقتصاد السوق غير المنظم والمنضبط بقواعد واضحة. وبشكل او بآخر فإن ديمقراطية الاثرياء يمكن ان تأمل في ان تمول مسيرتها نحو الاستمرار في البقاء. ترجمة: حاتم حسين خدمة «لوس انجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات