هيرش : رجال البنتاغون اخترعوا افتراضات عن العراق وصدقوها

الثلاثاء 19 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 20 مايو 2003 يدرس سيمور هيرش بتمعن حلقة صغيرة من المحللين والمستشارين في البنتاغون الذين باتوا ينافسون الـ «سي. آي. إيه» كمصدر أساسي للرئيس بالنسبة للمعلومات الاستخبارية عن العراق. ويشير هيرش الى ان هناك اسئلة مثارة حول صحة المعلومات التي اعتمدت عليها المجموعة. وفيما يلي نص المقابلة التي اجراها معه آمي توبكي ـ دافيد سون حول تقارير عن الحرب في العراق التي تركت تأثير مدوياً على الحياة السياسية في واشنطن.في عدد أخير من مجلة «نيويورك، تبحث في كيفية نسج تفاصيل القضية المؤيدة للحرب مع العراق. فما الذي وجدته؟ حسناً، أعظم شيء وجدته هو ان ما نعتبره مجتمع استخبارات قد لا يكون مجتمعاً اطلاقاً. فعلى سبيل المثال، كنت استمع لتوي لوزير الخارجية الأميركي كولن باول، وهو يصف كيف حصل على تقارير موجزة من مجتمع الاستخبارات حول أسلحة الدمار الشامل. ويتضح ان مجتمع الاستخبارات يخضع في الواقع لهيمنة مطلقة من جانب مجموعة صغيرة من الاشخاص في البنتاغون. فقد شق دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع طريقه بشكل أو بآخر إلى العمليات الاستخبارية اليومية. وكتبت عن مجموعة تحليلية خاصة بدأت العمل في البنتاغون في اعقاب 11 سبتمبر وأصبحت تعرف رسمياً باسم «مكتب الخطط الخاصة» في أغسطس الماضي. ويتولى مسئولية المكتب وليام لوتي، مساعد وزير الدفاع ومديره هو أبرام شولسكي. وذهبوا إلى القول ان الـ «سي. آي. إيه» والوكالات الأخرى ومن ضمنها وكالة الاستخبارات الدفاعية ووزارة الخارجية لم تكن قادرة على فهم الصلات بين العراق والقاعدة، ومدى تورط العراق في السعي لامتلاك أسلحة دمار شامل. وشعروا ان هذه الوكالات لم تستوعب الأمر بصورة صحيحة لأنها لم تكن تملك وجهة النظر الصحيحة. وكانت فكرة مجموعة البنتاغون تتمثل في صورة اساسية بما يلي: دعونا نفترض ان هناك صلة بين القاعدة والعراق، ودعونا نفترض انهم انتجوا أسلحة دمار شامل، وانهم مازالوا يسعون بنشاط لامتلاك أسلحة نووية وانتجوا آلاف الأطنان من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية ولم يدمروها. وبعد تحقيق تلك القفزة في الاعتقاد، دعونا بعدها ننظر إلى المعلومات الاستخبارية التي جمعتها الـ «سي. آي. إيه» بعيون جديدة ونرى ما يمكننا رؤيته. وكما أبلغني شخص تحدثت معه، فقد ارادوا ان يؤمنوا بوجودها، وبمشيئة الله، وجدوها. ـ ما الخطأ في تحدي الـ «سي. آي. إيه»؟ ما الخطأ في البحث عن تصور جديد أو التساؤل عما اذا كان للـ «سي. آي. إيه» تحيزها المؤسساتي؟ ـ بالتأكيد لا يوجد خطأ في ذلك، وبالطبع فان احدى الشكاوى التي ترفع دائماً عن الـ «سي. آي. إيه» هي انها يسودها الجمود في وسائلها. ويمكنك ان تذهب إلى القول أيضاً ان الـ «سي. آي. إيه» فهمت الحرب الباردة بصورة خاطئة. فعلى سبيل المثال، كانت هناك تقديرات حول مقدار ما كان الاتحاد السوفييتي ينتجه من حيث الإنتاج العسكري، وحول مدى الالتزام الذي لديه نحو السلع العسكرية، وتبين ان هذه التقديرات مبالغ بها. وليس هناك من شيء مثالي بخصوص الـ «سي. آي. إيه» ولكن هؤلاء الاشخاص في البنتاغون تعمقوا في الأمر خطوة آخرى. وكانت شكواهم هي ان الـ «سي. آي. إيه» ومحلليها كانوا قلقين جداً من تحليل حقائق فعلية. والأمر الذي ارادوا القيام به هو نقل المسألة إلى المستوى التالي وكان لسان حالهم يقول: دعونا لا نكتفي بتحليل ما نعرفه فعلاً، بل دعونا نضع افتراضات حول ما نعتقد ونحلل تلك الافتراضات. وهي بالفعل طريقة تفكير استفزازية جداً. فقد كانوا ينظرون إلى ما يريدونه، وعندما كانوا يرون أشياء تدعم فرضيتهم التي يؤمنون بها، كانوا يقبلونها كأشياء واقعية. غير ان المشكلة الحقيقية هي انك عندما تتفحص الأساس الواقعي لبعض التقويمات الاستخبارية الخاصة بالبنتاغون عن كثب، تجد انها ليست جيدة جداً. فأحد مصادرهم الكبيرة كان يتمثل في تقارير المنشقين، الذين وصلوا إلى الكثيرين منهم من خلال المؤتمر الوطني العراقي، وهو تحالف المنشقين العراقيين الذي يرأسه أحمد الجلبي. ولكن هذه الروايات لم تكن دائماً كما كانت تبدو. وفي الواقع انني في مقالتي، نقلت على لسان مسئول استخبارات سابق في إدارة بوش وصف مثالاً تم فيه توزيع تقرير سري يعتمد على ما قاله منشق ـ عن التدريب على أسلحة بيولوجية وكيماوية مع أفراد من القاعدة ـ تم توزيعه بدعم من البنتاغون. وتم تسريب التقرير إلى الصحف أيضاً. وفي وقت لاحق، عثرت الـ «سي. آي. إيه» على المنشق واستجوبته بصورة منفصلة، وأخبرهم قائلاً: «لا لم يكن ذلك هو ما قلته». فلم يكن هناك ذكر للقاعدة ولا للأسلحة البيولوجية والكيماوية. أما جماعة الجلبي، فلم يقدموا لهم إلا المعلومات التي ترضيهم ـ فعلى سبيل المثال، وقعت أحداث 11 سبتمبر، وعلى الفور تقريباً ظهر منشقون قادرون على اعطاء قصص مسرحية حول كيف ان العراق كان موقعاً للتدريب من قبل القاعدة وإرهابيين آخرين على فن اختطاف الطائرات. وفي غضون شهر أو أثنين من أحداث 11 سبتمبر، استضافت نيويورك تايمز وسلسلة برامج محطة «بي. بي. أس» بعنوان «فرونتلاين» منشقين يقدمون رواياتهم حول مدى قوة ارتباط صدام حسين ليس فقط بالقاعدة والتدريب الإرهابي بشكل عام وانما أيضاً بالهجمات على مركز التجارة العالمي. والاشخاص في البنتاغون كانوا سريعي التأثر بمواقفهم المتحيزة. وأي معلومات استخبارية كانوا يجدونها تدعم نظرياتهم القائمة سلفاً كانت هي المعلومات التي يصدقونها. وكان لكل هذا تأثيره، فمقالتي تستشهد باستطلاع حديث للرأي يظهر ان اثنين وسبعين في المئة من الشعب الأميركي يعتقدون ان من المحتمل ان يكون لصدام علاقة بهجمات 11 سبتمبر. ـ الحرب انتهت وصدام حسين لم يعد في السلطة. لماذا لا يزال هناك أهمية لكيفية اندلاعها والحجج التي قدمت مسبقاً؟ ـ ان هذا الأمر له أهمية لأن خطر العراق كان يشكل الأساس برمته لترويج الحرب للشعب الأميركي. وهناك ملاحظة مذهلة في مقالتي من جانب بوب كيري، السناتور السابق من نبراسكا، الذي يريد ان يرى عراقاً علمانياً ديمقراطياً وكان من أشد المؤيدين للحرب. وقال كيري انه من المحتمل جداً انهم اعتقدوا انهم اذا قدموا حجة علنية على أساس ان صدام حسين شخص شرير، فان الشعب لن يعبأ بما فيه الكفاية لكي يوافق على شن الحرب. ولكن ما كان بمقدورهم فعله لحشد الرأي العام هو الايحاء بأن صدام متورط في إنتاج أسلحة دمار شامل يمكن ان يكون مجرد وجودها تهديداً لنا، والسماح للناس بالاعتقاد أنه كان متورطاً في أحداث الحادي عشر من سبتمبر. واذا كان صحيحاً ان هذه الإدارة فهمت، منذ البداية وعن عمد ان أفضل وسيلة لتعبئة الشعب الأميركي هي في اظهار صدام كتهديد مباشر لأمننا القومي دون وجود دليل مسبق على ذلك، فان ذلك يكون بصراحة في عداد الكذب. وذلك بعد أسوأ أنواع الخداع الذي يمكن لرئيس ان يمارسه. فنحن لم ننتخب رئيسنا كي لا يخبرنا الوضع الحقيقي للعالم، وبخاصة عندما يرسل أولادنا لكي يقتلوا ويقتلوا. ـ ما مدى الصدق الذي نتوقعه عادة من الحكومة؟ لقد غطيت اخبار البيت الابيض في عهد نيكسون، أليس ما يحدث هنا يعد لعبة اطفال مقارنة بما كان يحدث؟ ـ ان وجهة نظري كصحفي بسيطة، وهي: علينا ان نخضع المسئولين الحكوميين لأعلى المعايير الممكنة، وان ما حدث في اميركا يعتبر مزعجاً جداً. فجمعينا، كآباء، لا نريد من ابنائنا ان يكذبوا علينا. وكأطفال، سابقاً، لا نريد ان يكذب علينا من قبل آبائنا. وكلنا نفهم ان الاستقامة في علاقة معينة هي المسألة الجوهرية، والمأساة في اميركا اليوم هي اننا لا نبدأ بفرض المعيار نفسه الذي نتمسك به بقوة في حياتنا الشخصية على قادتنا الوطنيين. وبعبارة اخرى، اذا كنا سنقول: حسناً كان ذلك يحدث دائماً» فسنكون كمن يقول رسمياً ان هناك معياراً مزدوجاً ـ وان ما لا نحتمله في حياتنا الخاصة هو امر مقبول لدى معظم المسئولين المهمين لدينا، وهم اولئك المسئولين الذين لديهم سلطة لا علينا فحسب وانما ايضا على شبابنا وشاباتنا الذين يذهبون للقتال، وعلى الناس الذين يقتلونهم، واذا بدأنا نقول ان اي شيء اقل من أعلى المعايير مقبول ويمكن احتماله، فإننا ندمر بذلك الديمقراطية على أرض الواقع، فالديمقراطية تقوم على اساس الصدق. ـ كانت هناك اقتراحات من رامسفيلد وآخرين مفادها انه من الخطأ، ان لم يكن منافياً للوطنية، ان يقوم الجنود، الذين كانوا مصدراً لك في الغالب، بتقديم شكاوى علناً، بالتحدث الى اشخاص مثلك عندما تكون هناك حرب. فهل هذا صحيح؟ ـ انني اعمل كمراسل صحفي منذ اكثر من اربعين عاماً، ويمكنني ان اقول لك الآن انني لم اكتب شيئاً له اهمية من الناحية العملياتية. ولا يوجد صحفي اعرفه يمكنه ان يفشي سراً من شأنه ان يعرض للخطر ارواح جنودنا أو قدرة بلادنا في الدفاع عن نفسها، لهذا دعنا ننحي هذه المسألة جانباً، ان حقيقة ان بامكاني الكتابة عن الحرب بصورة ناقدة لا توحي بأنني لست اميركياً مئة بالمئة مثل دونالد رامسفيلد. وأعتقد انه يعترف بذلك ايضا. ولكننا بلد ديمقراطي والصحافة الحرة لها دور تلعبه، ويتصادف ان يكون الاشخاص الذين يتحدثون اليّ في الغالب يشغلون مناصب حساسة جداً في الحكومة، وهم يقومون بذلك لانهم يفهمون هذه المهمة فالصحافة ليست مجرد مكان للتعبير عن الشكاوى وانما هي مكان للاقتراح وللحصول على نوع مختلف من التفكير. وأحد الاشياء التي تزعجني جداً بخصوص هذه الادارة، وأحد الاشياء التي كتبت عنها في مقالتي هذه، هو ان هذه المجموعة من الاشخاص هي مجموعة ملتزمة جداً بالتفكير الجماعي، وهم ملتزمون بالفكرة القائلة انهم يعرفون الحقيقة وأي شخص يختلف معهم في الرأي يجهلها. ونقلت عن احد الاشخاص قوله انهم يرون انفسهم في جانب الملائكة والآخرين اغبياء، وبتغطيتي لواشنطن طوال اربعين عاماً، لم ار مجموعة من الاشخاص غير مستعدة بهذا الشكل لسماع الطرف الآخر،والتي تسارع الى رؤية الانتقاد لا باعتباره معارضة وفية وانما باعتباره خيانة. وفي الوقت نفسه، فإن هذه ادارة متصدعة حقاً، فهناك خطوط تصدع عميقة بين وزارة الخارجية والبنتاغون وبين الـ «سي. آي. آيه» والبنتاغون وقد كسب البنتاغون معظم تلك المنازلات. فمجموعة البنتاغون تهيمن على الاستخبارات ورامسفيلد يتحكم ايضا في التغييرات الخاصة بالموظفين في القيادة العسكرية، وهو يريد لرجاله ان يكونوا في كل مكان. ولكن هناك الكثير من الآراء المختلفة، والكثير من الشقاق. والكثير من الاشخاص الذين لا يروق لهم ما يجري. ـ ولكن اضافة الى كسبهم المعارك البيروقراطية، فقد كسبوا الحرب ايضا، أليس كذلك؟ ـ حسناً، لقد كسبوا معركة بغداد بالتأكيد. ولكنني اعتقد ان الجميع يتفق على اننا وبعد ان كسبنا المعركة، تركنا نواجه مشكلة مذهلة وصعبة بدأت الصحافة تركز عليها بالفعل، وهي مدى اليأس المتفشي في انحاء البلاد. هذه كانت حرب جرى كسبها بمهارة وسرعة مذهلتين، ولكن جميع الخطط المضنية التي وضعت لإدارة البلاد بعد الحرب يبدو انها قد اختفت. ويمكنك ان تذهب الى القول على وجه التقريب ان المستقبل السياسي لهذه الادارة قد لا يحكم عليه من خلال المهارة في الحرب وانما من العام المقبل عندما نحاول اصلاح الضرر الذي لحق بالحياة اليومية في العراق. ـ على ذكر الانتصار السريع، بعض الجنرالات والمخططين الذين اقتبست عنهم في مقالة سابقة لك شعروا بأننا دخلنا البلاد بعدد ضئيل من الجنود. هل كان الاشخاص الذين تتحدث اليهم في الحكومة مندهشون من الكيفية التي نفذت بها الحرب؟ ـ حسناً، اسمع، ان الكثيرين في الجيش لم يعتقدوا ان صدام سيختفي، وان العدد الصغير من القوات الذي لدينا يمكنه ان يجتاح البلاد وبغداد بهذه السرعة. ولكن النقطة الاخرى التي ابرزها المخططون منذ البداية هي انه بدون وجود قوات كافية بعد الانتصار، لا يمكنك منع ردود الفعل الحتمية على الحرب والتي تشمل النهب وكل شيء من هذا القبيل، ان تلك العواقب كانت كلها متوقعة. وكل وثيقة تخطيطية قرأتها عن الحرب الاهلية او حرب المدن تحذر من هذه الامور، وانا اعلم انه كانت هناك شهور وشهور من الاجتماعات في هيئة الاركان المشتركة حول كيفية معالجة ايام ما بعد الحرب. ثم ببساطة لم يكن هناك قوات كافية تمكنهم من فعل اي شيء سوى حماية انفسهم.. وفي حالة بغداد فإن المبنى الوحيد الذي اعرف انه خضع للحماية كان وزارة النفط. وهكذا فإننا ربما نكون قد اعددنا انفسنا بالفعل لمواجهة مشكلة خطيرة. ـ دعنا نتحدث عن شخص لعب دوراً كبيراً في قصة هذا الاسبوع وهو: احمد الجلبي، انه يحاول الآن ترسيخ نفسه في دور قيادي في بغداد. ولقد اجريت مقابلة معه.. فأي نوع من الرجال هو؟ هل تعتقد انه يمكن ان يكون القائد الذي يحتاجه العراق؟ ـ لا اعتقد ذلك. ولكنني سأقول لك هذا: لقد اثبت حضوره بالتأكيد. فهو ساحر وسريع وذكي جداً ومفعم بالمرح. وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الرياضيات. وهو صديق منذ عقود للعديد من الاشخاص في البنتاغون، ومن بينهم بول وولفويتز، نائب وزير الدفاع. ولا يخاف من ان يكون منتقداً للاشخاص في الحكومة، وهناك الكثير من الاشخاص في الحكومة الذين لا يحبونه ولقد خاض معركة مع الـ «سي. آي. ايه» ووزارة الخارجية الذين لا يجدونه بصراحة شخصاً محترماً. فلقد سمعوا القصص التي تروي آثامه ـ فقد ادين غيابياً في الاردن بتهمة الاحتيال التي ينفيها. والبنتاغون ـ وولفويتز وآخرون ـ يرون فيه الحل. ولكن يبدو من المستبعد ان يبرز شخص مثل الجلبي في صورة شيء اكثر من رئيس صوري بالنسبة لنا. ـ شخصية اخرى مثيرة جداً في مقالتك هي الفيلسوف السياسي الراحل ليو شتراوس.. ما علاقة شتراوس بالاستخبارات؟ ـ في الوضع الطبيعي، سيخطر ببالك انه لا يوجد الكثير مما يربطهما معاً. باستثناء حقيقة ان الكثير من الاشخاص في هذه الحكومة هم من اتباع شتراوس، ويشمل هؤلاء الاشخاص ابرام شولسكي وبعض الرجال الذين يعمل معهم مثل وولفويتز وستيفن كامبوني، الذي يعمل مساعداً لوزير الدفاع لشئون الاستخبارات، ولكن شولسكي شارك عملياً في كتابة مقالة عن شتراوس والاستخبارات اوجدت تلك الصلة وتتضمن مقالة شولسكي نظرية شتراوس عن الكتابة السرية، التي يشير فيها الى ان فلاسفة كبار مترددين في سرد القصة كاملة فيما يتعلق بما يؤمنون به، كانوا يستخدمون الرسائل المخفية في كتاباتهم. والحكيم جداً فقط هو الذي كان يستطيع فهم الحقيقة الفعلية. وهذا يستحضر ايضا مفهوم افلاطون للكذب النبيل وهذا بالطبع تبسيط كبير. ولكن المهم من حيث العراق كما يكتب شولسكي هو شكوى شتراوس من انه لا يوجد احد يفهم مدى الخداع الموجود في العالم او دوره في السياسة. وهذا يشمل الخداع من جانب صدام حسين الذي خدعنا بول نواياه واهدافه الحقيقية. ولكن يمكن ايضا ان تستنتج من ذلك تطورات محتملة الوقوع ويمكن لهذه الفكرة ان تساعد في شرح كيف برر الاشخاص في «الخطط الخاصة» المخاوف التي لديهم بشأن نوعية الاستخبارات اليومية حول صدام واسلحة الدمار الشامل. ـ ما هو رأيك ببرنامج البنتاغون للمرافقين الصحفيين؟ هل وجدت إغراء بالانضمام إليه؟ ـ أني رجل عجوز. برنامج المرافقة له بعض الفوائد العظيمة ـ فقد نقلب الحرب الى منازلنا ـ ولكنها ايضا قدمت الحرب كما ترى من خلال اداة مرشحة ـ ويمكنك ان تقول انه بمثابة لمسة بسيطة من عارض استكهولم. والشيء الذي يهمني والذي يبدو أن قليلا جداً من الاشخاص يتحدثون عنه هو مدى «التدمير الجماعي» من حيث عدد القتلى، كم عدد المدنيين الذين قتلوا في هذه الحرب؟ لا أعلم، ولكنني سمعت بعض الروايات المروعة جداً من اشخاص كانوا يرافقون القوات الاميركية حول عدد من قتلوا من غير المتحاربين على يد الوحدات التي كانوا بصحبتها، والقليل منها وجد طريقه الى الصحافة، وعلى المرء ان يتساءل لماذا كان سيظهر اي تقرير حول التدمير الجماعي الذي تم، من حيث القتلى والجرحى من المدنيين. وليس هناك وجود لتقديرات رسمية من الادارة. ـ هل تعتقد ان وجود الصحافيين في الميدان يغير الحرب كمايغير الصحفيين؟ هل يتصرف الجيش بصورة مغايرة بوجود الصحفيين؟ ـ حسنا، اعتقد أن المراسلين سيكونون في البداية، بالطبع، بمثابة كابح كبير على أية تجاوزات من قبل الجنود ولكن احدى الفظائع المتعلقة بالحرب هي ان الكثير من الاشخاص سيقتلون. وبعد يومين او ثلاثة من اندلاع الحرب، اذا كنت تذكر، كانت هناك قصة عن اقتراب اشخاص من القوات الاميركية وهم يلوحون بالرايات البيضاء، ثم يقومون بعد ذلك بمهاجمة الجنود الاميركيين. ونقلت اخبار هذه الحوادث على الفور الى القوات. وانت تعلم، انه وبالرغم من روعة جنودنا، الا انه لا يوجد شيء أشد خطراً من شاب يبلغ من العمر 19 عالماً وبيده سلاح وهو خائف، ولهذا، اعتقد انه اصبح من الصعب جداً على العراقيين ان يستسلموا. ومن المحتم انه كانت هناك بضعة حوادث. وقد شاهدنا بالتأكيد ما يكفي من هذه القصص عند نقاط التفتيش في بغداد. وكما تعرف فإن لديّ شكوكي فيما يتعلق بارسال صحافيين لينطلقوا مع الوحدات العسكرية وذلك من منظور الحصول على تقرير عن مجريات الحرب وارساله للشعب الاميركي، فكل انواع الالتزامات تبرز عندما تكون لديك علاقة من هذا النوع من العسكريين. وهذا هو السر في الشكوك التي تراودني في هذا الشأن، وقد بدأت في الكتابة عن مذبحة ماي لاي في عام 1969، ولم اكن في فيتنام في ذلك الوقت، وكتبت في البداية خمسة تقارير حول عملية القتل الجماعي التي وقعت هناك، ولكن شيئاً مثيراً للاهتمام وقع بعد التقرير الثالث وبعد ان التقط والتر كروناكيت المسألة، واختفت اي تحفظات كانت لدى الصحف حول صدق ما كنت أذكره. وفي الاسبوع الثالث الذي أعقب بدء كتابتي عن ماي لاي كصحافي غير معين يعمل من دون ارتباط وظيفي، اصبح للعشرات من الصحف ـ فجأة ـ مراسليها في فيتنام الذين يكتبون تقارير مروعة عن الفظائع التي شاهدوها هناك. ـ وهي تقارير كانت موجودة بالفعل في ملفاتهم؟ ـ نعم، تقارير كانت موجودة لديهم، وكان أحد التقارير والذي استقطبني بشدة يدور حول حادثة وقعت عندما نزلت القوات الاميركية للمرة الاولى في دابانج في يونيو او يوليو من عام 1965، حيث نزل جنود البحرية الاميركية هناك وفي غضون يومين كان بعضهم قد فتح النار عمداً على مجموعة من المدنيين في مخبأ واق من القصف الجوي، وراقب المراسل الذي كان معهم الحادثة، وشعر بالقلق حيالها، ثم كتب صورة دقيقة لها، ولكن ذلك لم يحدث الا في عام 1969 أي بعد أربع سنوات، ولذا فإنني اعتقد ان بعض هؤلاء الصحافيين، الملحقين بالقوات سوف يبدأون في الحديث أو الكتابة قليلاً حول ما شاهدوه بالفعل. ترجمة : ضرار عمير عن « نيويوركر »

طباعة Email
تعليقات

تعليقات