الثلاثاء 19 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 20 مايو 2003 انطلقت الأحبار في مطابع الدنيا لتسابق المياه في تدفقها تحت جسور أنهار العالم، ولتقدم العشرات من الكتب عن العراق، يغيب عن المعادلة فيها الطرف الأكثر أهمية فيها، وهو الشعب العراقي نفسه. هنا نناقش كتاباً هو أقرب إلى الاستثناء من هذه القاعدة، لأن بؤرة الاهتمام فيه يشغلها العراق الجديد. كيف سيخرج من محنته؟ على أي نحو سيعالج اقتصاده المتردي؟ كيف سيعيد بناء حياته السياسية؟ علامات الاستفهام هذه يتصدى لها المؤلف جوزيف برود، الذي درس لغات الشرق الأدنى في جامعة يال ، واللغة العربية والتاريخ الإسلامي في جامعة برنستون وعمل مستشاراً لعدد من الحكومات والمؤسسات الكبرى. من خلال التجربة، المريرة غالبا، يتعلم كل عاشق للكتاب ان يقمع فضوله ويبادر الى تجاهل كلمة الناشر في اي كتاب يقرأه، لأن هذه الكلمة عادة تكون اقرب الى الدعاية للكتاب والاشادة بمؤلفه، ومن ثم فهي مقلب أنيق واهدار حقيقي للوقت. لكن كلمة الناشر في حالة الكتاب الذي نناقشه هنا تغريك بمخالفة هذه القاعدة الذهبية، وتدفعك الى الانطلاق مسرعا عبر سطورها حتى النهاية، فهي تبادر الى التحذير من ان العراق في المناقشات التي تدور حوله اليوم يكاد يكون مرادفاً لصدام حسين، وهو انطباع يزداد تأكيداً على ألسنة السياسيين والاعلاميين والمحللين الذين نبتوا في كل مكان وفي كل ساحة اعلامية كالفطر بينما غاب في حديث هؤلاء جميعا الطرف الأكثر أهمية في المعادلة، وهو الشعب العراقي نفسه. إذا كان المرء يشعر بالاحباط عندما يقلب العديد من الكتب الاجنبية التي صدرت مؤخرا عن العراق، حين يكتشف انه ليس فيها اي شيء جديد على الاطلاق تقدمه للقاريء العربي، لا من حيث المعلومات، ولا من حيث التحليل، ولا من حيث الاطلال على أفق المستقبل، فإنه في حالة الكتاب الذي نناقشه هنا تساوره مشاعر مختلفة بدرجة أو بأخرى. ربما يرجع السر في هذه المشاعر المختلفة الى تقسيم المؤلف لتناوله لموضوعه، فهو يقسم خارطة هذا التناول الى مقدمة دالة بعنوان «وقت للاقتحام» ثم اربعة اجزاء، يتعرض في الجزء الاول «الذاكرة» وهكذا فانه يجعل القاريء العربي يهمل الصفحات الخمس والأربعين الاولى من الكتاب، فهي مخصصة لمد الجسور بين القاريء الاجنبي وبين تاريخه القديم والحديث وصولا الى منتصف القرن العشرين. في الجزء الثاني نحن على موعد مع «السلطة» او ان شئت الدقة فقل مع تحليل لآليات الحكم في ظل حزب البعث، ومن ثم التساؤل الكبير حول كيف يمكن إعادة بناء الحياة السياسية العراقية في قلب الغابة الحالية التي تنطلق فيها قوة الاحتلال مطلقة السراح ويطل من قلب العماء اكثر من سبعين حزبا لا يدري احد في غمارها من يعبر عن من وعبر أي برنامج واستنادا الى أي قاعدة،، ثم لا يلبث المؤلف ان يدعونا الى ما يسميه «إعادة هندسة الجيش العراقي». في الجزء الثالث ينتقل المؤلف من السلطة الى المال، او إن شئت الدقة فقل من السياسة الى الاقتصاد، في اطار للتبسيط في المناقشة، فليس هناك من عاقل في زماننا يفصل بينهما، دع جانبا مؤلفنا العتيد الذي يبدو متضلعا في شئون هذه المنطقة من العالم وأسرارها وخفاياها. في الجزء الرابع نحن على موعد مع «الحقيقة» او ان شئت الدقة فقل مع مناقشة المؤلف للوجه الاعلامي الذي ينبغي ان يطل به العراق الجديد على الدنيا في قابل الايام. اخيرا نصل الى المختتم الذي جعل المؤلف له عنوانا الا وهو «وقت للاسترخاء» وكأنه يقدم لنا النقيض المباشر لما بدأ اي المقدمة التي تحمل عنوان «وقت للاقتحام». الآن دعنا ننطلق في رحلتنا بين الوقتين لعلنا نخرج بزاد ينفعنا في هذا الزمان الصعب، الضنين. وقت للاقتحام اعتاد المؤلفون ان يسوقوا بين يدي كتبهم مقتطفات من اقوال وكتابات لآخرين يرونها دالة او ذات اهمية او تشكل مفاتيح للرسائل الفكرية التي يحملونها الى القراء. وجوزيف برود يبدو من خلال المقتطفات الثلاثة التي يستهل بها مقدمة كتابه رجلا حصيفاً، يعرف عم يتحدث، او ان شئت ان تجنح مع العامية لقلت انه «ابن هرمة» او «إبن الذين ..» ثم دعنا نقلع بشراعنا بعيدا عن غواية العامية وفتنتها. الحكاية ان المقتطف الاول هو للمعماري الشهير فرانك لوير رايت من خطاب يعود الى عام 1957، ويتحدث فيه عن ان بغداد كما شيدت تاريخيا كانت مدينة مدورة، وانه مع توافر عائدات النفط للعراق فإن بمقدوره ان يعيد بغداد الى عظمة ما كانت عليه أيام هارون الرشيد، وهو يتنبأ ـ وكأنما أطل في الغيب ـ بأن ذلك لن يحدث، لان الكثيرين من المعماريين أقبلوا على بغداد ليبنوا فيها ناطحات سحاب .. والمقتطف يختتم بتأكيد المعماري العظيم ان من المهم ان يوضح لأبناء العراق مدى حمق الانغماس في التقليد الاعمى للغرب معمارياً. لست اشك في انك اذا كنت ـ مثلي ـ عاشقاً للعراق ومحبا للعراقيين، فانك ستعرف ان الاوبرا التي كلف رايت بتصميمها لم تشيد قط في بغداد، والاكثر اهمية من ذلك ان التصميم الفائز في مسابقة مسجد الدولة العراقية لم يشق طريقه الى التنفيذ ولم يغادر الاوراق حتى كتابة هذه السطور. ما علينا، او لا علينا، كما كانت العرب تقول. المقتطف التالي لناجي صبري ويعود الى عام 1988 أيام كان الرجل يعمل في دنيا الاعلام، وقبل ان يسند اليه منصب وزير الخارجية، وهو يتحدث فيه عن مرحلة مقبلة مليئة بالازدهار والاستقرار والبناء الحضاري في العراق الجديد. اما المقتطف الثالث فهو لبروفيسور ادوارد سعيد، استاذ اللغة الانجليزية بجامعة كولومبيا، ويعود الى عام 2002 ونقرأ فيه هذه الكلمات الساطعة: «خلال الحملة الأميركية الراهنة لتغيير النظام في العراق، فإن الشعب العراقي، الذي دفعت غالبيته ثمنا باهظاً في صورة الفقر وسوء التغذية والمرض نتيجة لعشر سنوات من العقوبات، هو الذي تم حجبه عن العيان». يبادر المؤلف الى محتوى كتابه من خلال التعريف بالسلب، فهو يقول بوضوح تام ان هذا الكتاب ليس عن صدام حسين. إذن فحول ماذا بالضبط يدور الكتاب؟ المؤلف يقدم إجابة واضحة وصريحة، فالكتاب يدور حول العراق الذي يتحمل اليوم والذي تجتاح الفوضى ارضه وتندلع تحت سمائه. اذا كان هذا هو موضوع الكتاب فما الهدف منه بالضبط؟ لا يدعنا جوزيف برود نحار طويلا، وانما هو يشدد في المقدمة العتيدة على ان الكتاب يهدف الى القاء الضوء على هذا العالم المراوغ الذي يدعى بالعراق الجديد، وهو مراوغ حقا لاننا لا نعرف الا القليل عنه، فكما اشار ادوارد سعيد لا يدرك الاميركيون شيئا على نحو عميق عن المجتمع الذي وقع كل هذه السنوات الطوال تحت الظل الممتد لصدام حسين، فمؤسسات العراق الاجتماعية والسياسية واقتصاده وصناعاته وفنونه واجهزة اعلامه تغيرت بأشكال بعينها، ولكنها على أوجه اخرى أوضحت عن استمرارية تضرب جذورها في ماض اكثر بعدا، وكل هذه المؤسسات بوضعياتها تلك تشكل نقطة الانطلاق لاعادة بناء العراق وتعد الاساس لعملية اعادة دمجه في الاقتصاد العالمي. ويشدد المؤلف على الحقيقة البديهية القائلة ان فهم عراق اليوم هو الخطوة الاولى الضرورية في التخطيط لقيام العراق باقتحام العملية الصعبة والشائكة المتمثلة في اعادة بناء دولته، وهو المشروع الذي من شأنه ان يستهلك موارد هائلة من دول عديدة، بداية بالولايات المتحدة، وبهذا المعنى فإن تلك عملية تهم الجميع وليس الخبراء في شئون الشرق الاوسط وحدهم. الاسئلة الشائكة هنا يتطرق المؤلف الى ما يمكننا ان نسميه بأرض الاسئلة الشائكة، فهو يتحدث عن عملية اعادة اطلاق العراق الجديد باعتبارها عملية سياسية واقتصادية هائلة، يتسع نطاقها لتشمل الكثير من القوى والدول والمنظمات والمؤسسات والشركات الصغيرة والافراد. وهو يطرح الامور «على بلاطة» كما يقال فيتساءل: هل عملية اعادة اعمار العراق تعادل تغيير الشرق الاوسط؟ بصراحة ووضوح يقول المؤلف ان الاجابة هي نعم. والارضية المنطقية لتبرير هذه الـ «نعم» لا تقل صراحة ووضوحا، فالاقتصاد العراقي المفعم بالحياة من شأنه ـ ضمنا ابعاد اخرى عديدة ـ ان يعيد الحيوية للنشاط الفكري على امتداد العالم العربي بزيادة الطلب على الكتب العربية، والاقتصاد العراقي النشط سيغير بيئة انشطة الاعمال في المنطقة بانعاش سوق استهلاكية كبيرة وان كانت قد تضررت كثيرا، كما سيسهل ايجاد قاعدة صناعية قوية تصدر للدول الاخرى، وكذلك احياء قاعدة تجارية ذات اهمية تاريخية بالنسبة لجيرانها، ومن شأن ايجاد مجال لبروز مؤسسة دينية معتدلة ان يروج للمثل العليا القائمة على التعايش والتسامح في بلاد تمس حاجتها الى ذلك كله. وماذا أيضاً؟ هل تقف الأمور عند ذلك؟ لا ـ بالطبع ـ فجوزيف برود يؤكد انه من خلال تحويل المؤسسة العسكرية العراقية من قوة تهدد الدول المجاورة الى جيش ينتمي الى القرن الواحد والعشرين، ويقوم على بناء الامة والدفاع عنها، فان العراق يمكن ان يقدم نموذجا يدعم الامن في المنطقة، ويقلص الميزانيات العسكرية المتضخمة التي تنقل الارصدة العامة من الاستثمار في التعليم والصحة والصناعة الى الاستثمارات العسكرية. ومن شأن حكومة عربية متدفقة بالحياة تنفق ارصدة اقل على الدفاع وارصدة اكبر على الشعب ان تزيد التوقعات في المجتمعات من حكوماتها على امتداد المنطقة. ولكن من على وجه الدقة هم الذين سينخرطون في هذا المشروع الهائل لاعادة اعمار العراق والمضي قدما الى المستقبل بالعراق الجديد؟ يبادر المؤلف الى نفي ان المنخرطين في هذا الجهد سيكونون ممن يوصفون بالخبراء في شئون العراق الذين يساعدون الدبلوماسيين الاجانب والجنود المنتمين الى دول من خارج المنطقة وهم يعملون خلال السنوات المقبلة. وهو يقول صراحة ان احد اهداف الكتاب هو توسيع نطاق فريق الشخصيات التي سيشهد وجودها تنفيذ هذا المشروع، وذلك باستقطاب المهنيين ورجال الاعمال والعديد من المنظمات غير المتخصصة بل والفنانين الذين سيبادرون الى العمل مع نظرائهم من ابناء العراق. ويفصل جوزيف برود القول فيما يعنيه في هذا الصدد، فمن منظوره ان دولة حيل بينهما وبين الوصول الى الموارد الاقتصادية التي تدفقت في التسعينيات سوف ترحب برجال الاعمال المبدعين من كل نوع، ولن تكتفي بالصناعات الكبرى، ابتداء من النفط، الغاز، والاتصالات، وصولا الى تقنية المعلومات، والصناعات الثقيلة والزراعة والسينما والموسيقى، وانما هي ستفتح الباب كذلك للشركات المتوسطة والصغيرة. وهو يرى ان هذا أمر مفهوم ومبرر، فالعراق يتمتع بالموارد اللازمة لتمويل مختلف جوانب اعادة تجديده، جنباً الى جنب مع المجتمع الدولي المتفهم والقادر على تقديم المنح والقروض، بما في ذلك المانحون المألوفون، مثل البنك وصندوق النقد الدوليين، فضلاً عن أبناء الجاليات العراقية المنتشرة على امتداد العالم. وعلى الرغم من ان العراق يعد نائياً على الصعيد الجغرافي، إلا ان التزامه المحتمل بالانضمام الى منظمة التجارية العالمية يعني ان ممارسات أنشطة الأعمال المألوفة وعملية التحرير الاقتصادية سيكون لها تأثيرها وحضورها الى حد بعيد. وبغداد كذلك متأهبة لاستعادة دورها التقليدي باعتبارها محور نشاط وحركة للتجارة الشرق أوسطية. وقد يبدأ العراق عما قريب في تصدير السلع المصنعة للمنطقة، وكذلك في تقديم خدماته كبوابة تفضي للأسواق الناشئة الاخرى، من أسواق استهلاكية واسعة مجاورة مثل ايران الى أماكن اخرى أكثر بعداً. ولسوف يجد العاملون في المنظمات غير الحكومية الذين يعد المشهد جديداً بالنسبة لهم أن العراق يعد بيئة تدفع الى النشاط والحركة والمزيد من العمل بالنسبة لهم. ولأن النظام السياسي في العراق يمر بحالة انتقال، فإن المبادرات الجديدة يحتمل بصورة أكبر أن يكون لها تأثير يتجاوز نظيره في أماكن أخرى بالمنطقة، حيث تعد الأنظمة متبلورة ومحبطة بالنسبة لذوي النزعة المثالية. ويشكل العراق بهذا المفهوم فرصة نادرة للمشاركة في عمل لايزال يتشكل وتتواصل فعالياته ودينامياته. ظلال سبتمبر كما سبق لنا القول، يتعين على القاريء العربي أن يقفز الربع الأول من هذا الكتاب والذي يشغله الجزء الذي يحمل عنوان «الذاكرة» باعتباره قراءة في التاريخ العراقي، قد تبدو مشوقة بالنسبة للقاريء الغربي، خاصة ان المؤلف يعمد الى التنويع على موضوعاتها الأساسية بالحكايات والطرائف، لكنها لا تقدم جديداً بالنسبة للقاريء العربي. بل وقد تمضي بك الأمور الى تجاوز جانب من الجزء الذي يحمل عنوان «السلطة» وخاصة مدخله الذي يحمل عنوان «الحفل انتهى» فهذا المدخل يتحدث فيه المؤلف طويلاً، وربما أطول مما ينبغي عن ممارسات حزب البعث وتجنيده لعناصره وديناميات العمل فيه وممارساته وغير ذلك كثير، مما أحسبه ليس جديداً على القاريء العربي، ثم ان ترديده والاكثار من الحديث عنه يتناقض مع ما يشدد العراقيون أنفسهم عليه من دعوة للتسامح وفتح صفحة جديدة واغلاق لباب الثأرات الذي لن يفضي إلا الى جحيم حرب أهلية يحرص الجميع على سد المداخل اليها واغلاق المنافذ. لكننا لا نملك إلا التوقف طويلاً عند المقطع الذي يحمل عنوان «كيف نمضي بالأمر نحو الصواب هذه المرة؟». (ص 77) يبادر جوزيف برود الى الاعراب عن اعتقاده بأن العراق الجديد، وفق بعض التصورات، هو حلقة في سلسلة من التحولات التي أطلقتها من عقالها مأساة الحادي عشر من سبتمبر، التي فجرتها حركة مجموعة من الأفغان العرب تمتعت في وقت من الأوقات بالتأييد والتدريب الأميركيين ثم انقلبت على واشنطن. وهذا الانقلاب الى النقيض في العلاقة مرده بدوره الى تقليد ممتد زمنياً قوامه انضمام القوى للتصدي لعدو مشترك. وبالنسبة لصانعي السياسات، فإن القيادة الاسلامية في العراق الجديد ليست إلا مشكلة جغرافية أخرى. أما بالنسبة للشباب وعائلاتهم الذين يعيشون في العراق، فإنها قوة مؤهلة لتخلل المجالات العامة والخاصة لحياتهم. أما بالنسبة للكثيرين في الغرب فإنها يمكن أن تكون المبادرة الروحية الأولى في القرن الحادي والعشرين التي تكافيء الغرب أو المبادرة التالية التي تنزل العقاب بساحته. والسياسات التي تتبناها الامبراطوريات القديمة لا تلفظ أنفاسها في يسر، ويحب صانعو القرارات الكبرى في الغرب أن يختزلوا الخيارات المتاحة في هذا الشأن ليصلوا بها الى خيارين محددين. فهل ينبغي على الغرب دعم الشيعة أم تأييد السنة في العراق؟ بالطبع، ليس على القاريء أن يفكر في الأمر طويلاً، فاللعبة القديمة يعاد احياؤها من جديد، وشعار «فرِّق تسد»! يتم استلاله من قلب رماد الامبراطوريات البائدة ليخدم الامبراطورية الجديدة. والمؤلف يعود بالقاريء الى القصة القديمة، الى المراحل القديمة من الوجود العثماني على الأرض العربية والتلاعب البريطاني بالطموحات والآمال العربية، وما اعتمدته لندن من تفريق للصفوف العربية بقصد التمزيق وتمرير مخططها التاريخي النهائي. لكنها، من منظوره ليست قصة قديمة فحسب، وإنما هو لا يتردد في القول صراحة انه خلال السنوات القليلة المقبلة، وبينما الوضع في العراق في حالة حراك فإن التساؤل سيعاد طرحه من جديد، والتلاعب بالمقومات سيبدأ مرة أخرى، والعزف على التناقضات سيملأ الآفاق. بل ربما بمقدور المرء أن يقول ان الأمور قد لا تنتظر لسنوات مقبلة كما يتوقع المؤلف، فالبوادر ماثلة للعيان من الآن. ولسنا ندري هل يبشرنا المؤلف عندما يتوقع (ص 79) ان السنوات القليلة المقبلة في العراق لن تكون فيها لحظة واحدة مضجرة وخالية من الأحداث.وهو يرى ان قيادة العراق المستقبلية الحاذقة ستحسن صنعاً إن هي بادرت الى استباق الاحداث بتكليف القيادات الروحية لكل طائفة دينية في العراق بالقيام بدور الوسطاء والجسور للمساعدة في رأب صدع المجتمع. لكن لماذا يتوقع المؤلف «صدوعاً» منذ الآن؟ ترى هل هذا هو السيناريو الذي يجري اعداده منذ الآن في واشنطن ولندن؟ أم انه قد أعد بالفعل ولم يبق إلا تنفيذه على الأرض؟ المؤلف ـ بالطبع ـ لا يتصدى للاجابة على مثل هذه الأسئلة، وإنما هو يشير إلى ان القلق في صفوف العلمانيين حول التقدير المتعاظم للقيادات الروحية للطوائف من جانب هذه الطوائف ينبغي أن يقدم الدوافع للمساعدة في بناء البديل، وهو المتمثل في نظام قابل للتشغيل للمحاكم مع وجود محامين متنورين وقضاة يعلون على مستوى الشبهات وشبكات توزيع فاعلة للغذاء والخدمات الاجتماعية. وهو يشدد على ان التحديات الجسيمة لعملية اعادة بناء العراق ينبغي أن يتم التصدي لها على المستوى المحلي من خلال التنافس في التوصل الى أفكار قابلة للتطبيق بما يناسب أوضاع المجتمع والمبادرة بالتنفيذ السريع والعاجل لهذه الأفكار. أخيراً، يخلص المؤلف الى توضيح ما هو واضح للجميع بالقول انه في مجتمع متعدد الانتماءات فإن التسامح والتعايش يشكلان أقوى الجسور للوصول الى حلول ناجعة لمشكلات هذا المجتمع. هذا جميل حقاً، ولكن ماذا إذا كانت هناك أيد عديدة وليست بالخفية حتى تحرص ـ من الآن ـ على تقطيع هذه الجسور؟ الاجابة على هذه النوعية من الأسئلة ليست لدى المؤلف، وإنما أبناء الشعب العراقي هم وحدهم الذين يمكن أن يصلوا اليها في غمار حرصهم على نجاح تجربة العراق الجديد وانطلاق مسيرته. وفي غضون ذلك، يختتم المؤلف هذا الفصل من كتابه بالقول إن رجال الدين المسلمين في العراق ينبغي أن تتاح لهم الفرصة الى التطلع الى السلطة السياسية في العراق الجديد إذا ما سعوا الى طرح برنامج يدعو للقيم التي يشترك فيها أبناء العراق الجديد كافة. أما فيما يتعلق بصانعي السياسات العالمية ومقدمي المنح المالية فإن البرنامج الروحي الذي ينبغي تشجيعه في العراق وباقي الشرق الأوسط فهو البرنامج الذي يشدد على مخاطبة الجميع. وربما يكون من يعتبرون مثل هذا الهدف غير واقعي محقين فيما يذهبون إليه، إلا انه يظل التحدي المطروح مستقبلاً. لكن ذلك ليس التحدي الوحيد، وإنما هناك تحديات أخرى كثيرة، ربما كان أهمها وأكثرها إلحاحاً هو إعادة بناء الجيش العراقي الجديد.