الاثنبن 18 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 19 مايو 2003 لا تبدو القاعدة العسكرية العراقية في منطقة التاجي مكاناً له أهمية عالمية. فهي لاتعدو أن تكون مجرد رقعة مهجورة من المستودعات وحظائر الطائرات محاطة بأسلاك شائكة وابراج مراقبة تعرضت للقصف وهي مهجورة تماماً باستثناء وجود حراس اميركيين على بوابتها. ومع ذلك، فان قاعدة التاجي، الواقعة الى الشمال من العاصمة العراقية بغداد تعتبر اساس نقاش محتدم يدور حول مجموعة شائكة من علامات الاستفهام. أين هي اسلحة الدمار الشامل الخاصة بصدام؟ هل تم خوض الحرب على أساس من الاكاذيب؟ فقد كانت قاعدة التاجي هي المكان المحدد الوحيد الذي ورد في خطاب وزير الخارجية الأميركي كولن باول الذي القاه امام مجلس الأمن، عندما ذهب الى القول بأن الادلة التي جمعتها الاستخبارات الأميركية اثبتت وجود برنامج اسلحة غير مشروعة في ذلك المكان. وقال باول في حينه: هذه واحدة من 65 منشأة مماثلة منتشرة في العراق. ونحن نعلم أن هذه المنشآت ضمت اسلحة كيماوية. ولكن مصادر خاصة بصحيفة «الأوبزرفر» علمت ان التاجي لم يكن فيها شيء من هذا القبيل. وتقول مصادر أميركية انه لم يتم العثور على اسلحة كهذه عندما قام فريق اختصاصي بتفتيش القاعدة في اواخر شهر ابريل الماضي. وفي ذلك الوقت، كانت القاعدة قد تعرضت للنهب من قبل القرويين المحليين. واذا كانت التاجي تحتضن أي اسرار فيما مضى، فان تلك الاسرار قد اختفت منذ زمن بعيد. وهذه اخبار سيئة بالنسبة لبريطانيا والولايات المتحدة. فالضغط يتنامى هناك من جانب الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني من اجل العثور على ترسانة صدام المخبأة، والوقت ينفد بسرعة. وكانت الولايات المتحدة قد نقلت، مؤخراً، 2000 خبير اضافي الى العراق. لينضم هذا الفريق المسمى «فريق مسح العراق» الى 600 خبير موجودين في العراق من قبل. وتضم المؤسسات الموجودة في العراق الآن للبحث عن الاسلحة فرقاً من الجيشين الأميركي والبريطاني، ووكالة الاستخبارات الأميركية الـ «سي. آي. إيه» ومكتب التحقيقات الفيدرالي الـ «أف. بي. آي» ووكالة تقليص الخطر الدفاعي. ومع ذلك، فانهم لم يجدوا شيئاً حاسماً في أكثر من 110 مواقع جرى تفتيشها حتى الآن. وكانت العمليات عبارة عن تدريب على الانذارات الكاذبة. فالمسحوق الابيض المشبوه الذي اكتشف في اللطيفية لم يكن سوى متفجرات. والبراميل التي كان يعتقد انها تحتوي على عناصر غاز السارين لم تكن تحتوي سوى مبيدات للحشرات. وعندما قامت دزينة من الجنود الاميركيين بفحص موقع مشتبه به واصيبوا بتوعك، كان ذلك مرده الى استنشاقهم ابخرة الاسمدة. وكل اخفاق منوا به زاد من الضغط السياسي. وقد بات النزاع الداخلي بين الوزارات الحكومية ووكالات الاستخبارات يتخذ شكلاً ضارياً على جانبي الاطلسي. وبعد خوضها حرباً لتجريد العراق من اسلحته الرهيبة، فانه لا يمكن للولايات المتحدة ولا لبريطانيا ان تعترفا بأن العراق لم يمتلكها في المقام الأول. والبحث عن اسلحة الدمار الشامل لا يمكن ان يسمح له بالفشل. ويعتبر التفتيش حيوياً بصورة خاصة بالنسبة للمجموعة الضيقة المعنية بصنع القرار في واشنطن. ففي العالم الجديد الشجاع لاميركا ما بعد 11 سبتمبر، فان هذه المجموعة الضيقة من المحللين في قلب البنتاغون كانت القوة المحركة للحرب في العراق. وهذه المجموعة التي لايزيد عددها على الدزينة هي جزء من مكتب الخطط الخاصة، وهي وكالة استخبارات جديدة تضطلع بمهام الـ «سي. آي. إيه» وتتغلب عليها. وبينما ترددت الـ «سي. آي. إيه» بشأن العراق، فان مكتب الخطط الخاصة دفع بقوة باتجاه الحرب. وعندما كانت الـ «سي. آي. إيه» متشككة، بدا مكتب الخطط الخاصة حازماً. وقد خاض معركة هينة حول العراق وجورج بوش وقف إلى جانبه. ويعتبر مكتب الخطط الخاصة من بنات أفكار وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، الذي أسسه بعد الهجمات الارهابية في عام 2001. وقد انيطت به مهمة مراجعة الأدلة القديمة حول العراق واظهار ان الـ «سي. آي. إيه» قد اهملت الخطر المحدق. ولكن ظهور المكتب تسبب في هياج كبير داخل عالم المجتمع الاستخباراتي السري الأميركي. ان مكتب الخطط الخاصة يقوم برفع تقاريره مباشرة الى بول وولفويتز، وهو من الصقور البارزين في الادارة الأميركية. ويتجاوز العاملون فيه ال«سي آي. إيه» ووكالة الاستخبارات الدفاعية التابعة للبنتاغون نفسه، عندما يتعلق الأمر بالهمس في أذن الرئيس. وقد ايدوا بقوة شن الحرب على صدام حسين قبل ان تثمر برامجه التسلحية. أما الاصوات الأكثر اعتدالا في الـ «سي. آي. إيه» ووكالة الاستخبارات الدفاعية، فقد حجبت بفعل اصواتهم. وكانت النتيجة هي حصول مجموعة كبيرة من التسريبات للصحافة الأميركية. ووصف احد مسئولي ال«سي. آي. إيه» افراد فريق البنتاغون بانهم «مجانين» في «مهمة حماسية». ولن في الوقت الراهن، تفوز هذه المجموعة والبنتاغون بقيادة رامسفيلد وتخسر وزارة الخارجية المعتدلة بقيادة باول. واصبحت التوترات بين الجانبين بادية للعيان في العلن الآن. ويقول لاري كورب، مدير دراسات الأمن القومي في مجلس العلاقات الخارجية إن «رامسفيلد اسس وكالته الخاصة بالاستخبارات لانه لم يكن يحب المعلومات الاستخبارية التي كان يتلقاها. ولا يروق له نهج باول، الذي يعتبر دبلوماسيا نموذجياً يلتزم جانب الحذر الشديد. ويسخر مسئولون سابقون في ال«سي. آي. إيه» من مكتب الخطط الخاصة. وبصفته غير موثوق ومسير سياسيا، فانهم يقولون انه قوض عقوداً من العمل المنفذ من قبل جواسيس ال«سي. آي. إيه» المدربين، وتجاهل الحقيقة عندما كانت تتناقض مع مواقفه العالمية. ويقول فنس كانسترارو، وهو رئيس مكافحة الارهاب السابق في الـ «سي. آي. إيه» إن «اساليبهم ضارية، فعملية تسييس الاستخبارات متفشية وافشاء المعلومات المتعمد يجري تشجيعه. وهم يختارون اسوأ السيناريوهات حول كل شيء والجانب الأكبر من معلوماتهم يعتبر مضللاً. ولكن كانسترارو متقاعد الآن وبالتالي، فان هجماته لن تزعج المجموعة الضيقة في البنتاغون الراسخة بقوة في الحلقة الخاصة بالممسكين بزمام الأمور في واشنطن. ومع ذلك وحتى في اوساطهم، فان الفشل المتواصل بالعثور على اي اسلحة للدمار الشامل في العراق هو مصدر خوف متنام. ومن شأن تداعيات الحرب ان تطيح بهم. هذا التحذير كان حاضرا بالابيض والاسود. فقد قدم توني بلير، مستشهداً «بمصادر استخبارية» ملفاً رسمياً، خلص الى ان العراق بمقدوره ان يطلق اسلحته الكيماوية او البيولوجية في غضون 45 دقيقة من صدور أمر بذلك. كان ذلك احتمالاً مرعباً وقد تصدر النقاش المؤيد للحرب عندما جرى عرض الملف في سبتمبر الماضي. ولكن التحليل المتروي بعد الحرب يروي قصة مغايرة. لقد رحل مفتشو الأمم المتحدة عن العراق ثم تعرض للقصف والغزو واخيراً اخضع لهيمنة عسكرية أميركية. وبريطانية. وخلال تلك الفترة، لم يتم الضغط على «زر» اسلحة الدمار الشامل. والآن يريد كل من الطرف المؤيد للحرب واللوبي المناهض للحرب ان يعرف السبب. هل يمكن تفسير هذه الهفوة الغامضة أم أن الاسلحة لم يكن لها وجود أصلاً؟ كان يمكن لهذه الاسلحة ان تكون قد اخفيت، فالعراق تعادل مساحته امتداد ولاية كاليفورنيا، وتتوفر فيه الجبال والصحاري. لقد وضع ابراهيم المرعشي، وهو طالب عراقي جرى اقتطاف ابحاثه في ملف دواننغ ستريت الشهير الذي نشر عشية الحرب وضع تفصيلاً لشبكة اخفاء متطورة تم بناؤها في التسعينيات، وكان يتولى رئاستها قصي صدام حسين. وفي صميم العملية كان نسيب صدام وإبن عمه حسين كامل، والذي هرب في عام 1995 إلى الأردن، حيث كشف عن وسائل الاخفاء لوكالات الاستخبارات الغربية. ولكن بحسب المرعشي، فان المخبأ الرئيسي لأسلحة الدمار الشامل كان ينبغي أن يتم العثور عليه في مدينة تكريت مسقط رأس صدام حسين. ولكن تكريت سقطت، ولم يتم ـ حتى الآن ـ العثور على اي شيء، وهو ما يترك المسئولين الاميركيين متعلقين بقشة. ولقد ذهب البعض إلى حد الاشارة إلى ان الاسلحة كانت مخبأة بصورة محكمة جداً بحيث ان العراقيين انفسهم كانوا عاجزين عن استخدامها. الاحتمال الاكثر اثارة للقلق هو ان تكون الاسلحة قد تعرضت للنهب. ففي جميع انحاء العراق وليس فقط في بغداد والبصرة تم نهب كل منشأة حكومية وعسكرية قبل وقت طويل من تمكن القوات الاميركية والبريطانية من السيطرة عليها. ومن الممكن ان تكون الاسلحة الآن معروضة في السوق السوداء. ويقول غارث ويتي، وهو مفتش اسلحة سابق في العراق في التسعينيات ان «هذا يعني ان الاسلحة ستنتشر الآن، وهو الامر الذي كانت تهدف الحرب إلى منع حدوثه». ولكن هناك مشكلات في هذا الرأي. فليس من السهل بيع براميل معبأة بغاز الاعصاب. ويشير منتقدو الحرب إلى استنتاج اكثر وضوحا ـ وهو ان العراقيين كانوا يقولون الحقيقة في الايام التي سبقت الحرب، فلم يكن لديهم اسلحة للدمار الشامل. لقد برزت صورة كبيرة لاساءة استعمال المعلومات الاستخبارية. فبالاضافة إلى الملف المنتحل من قبل دواننغ ستريت، هناك مزاعم بأن العراق حاول شراء اليورانيوم من النيجر. لقد تبين ان الوثائق التي بني عليها الاتهام كانت مزورة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولكن ذلك لم يمنع بريطانيا واميركا من التحذير من الخطر النووي لصدام. وفي الواقع ان عمليات التزييف كانت واضحة. فاحد الوزراء النيجيريين، الذي كان توقيعه على احدى الوثائق، كان قد اصبح خارج منصبه منذ عقد عندما تمت عملية التزوير. والمبعوث الاميركي الذي ارسل للتحقق من المزاعم ارسل تقريراً إلى «السي. آي.إيه» في فبراير 2002 يفيد بأن الوثائق مزورة. ولكن مكتب الخطط الخاصة والبيت الابيض تجاهلاه. كما وقع ايضاً استخدام انتقائي للمعلومات الاستخبارية. ومعظم تلك المعلومات الاستخبارية كان من اختلاق المنشقين العراقيين في مكتب الخطط الخاصة، ولكنهم اختاروا من يريدون الاستماع له من المنشقين. فوصف كامل المرعب لقدرات العراق في اوائل التسعينيات وجهوده لإخفاء ترسانته وصف بأنه دليل دامغ. اما الحقيقة التي مفادها ان كامل ابلغ المحققين بأن الاسلحة قد صدر امر فيما بعد بتدميرها، فقد جرى طمسها. وربما كانت لدى منشقين آخرين اجندتهم الخاصة. فقد وصف كامل احد المنشقين وهو دكتور خضير حمزة بأنه «كذاب محترف» ـ ولكنه ابلغ الاستخبارات الاميركية تريد سماعه وقال ان العراق على وشك بناء قنبلة نووية. لا احد يصدق ذلك الآن. ولكن حمزة عاد الآن إلى العراق في اطار فريق من البنتاغون لإعادة اعمار البلاد، وتولي مسئولية الطاقة الذرية. وكامل ايضاً عاد إلى العراق ولكن عندما كان صدام في السلطة، فتم اعدامه. ربما يكون اكثر دليل دامغ هو غياب المعلومات الاستخباراتية المستقاة من المسئولين العراقيين الذين القي القبض عليهم. فالقائمة مؤثرة حيث تضم هدى عماش المعروفة باسم «السيدة جرثومة» واللواء حسام امين، المسئول عن المحادثات مع مفتشي الاسلحة واللواء عامر السعدي المستشار العلمي لصدام والجنرال رشيد العبيدي وهو مستشار لشئون الأسلحة وعبدول حويش، الذي يعتقد بأنه مسئول عن جميع القدرات العسكرية العراقية. واذا كان هناك شخص ما يعرف عن الاسلحة، فإنه لابد ان يكون من هؤلاء. ولديهم دافع قوي «لعقد صفقة» والافشاء بما يعرفونه. «فلماذا لا يتفوه احد منهم بكلمة» كما يقول ويتي. في ركن هاديء من مطار بغداد الدولي، تجثم قاطرة ومقطورة مطلية باللون الاخضر العسكري. كانت جوانبها المغطاة بالقماش مرفوعة لتكشف عن انابيب وأوعية للترقيد خاصة بنوع ما من آلات التخمير البيولوجي. وكانت تلك الشاحنة قد سرقت من الموصل قبل اسبوعين وسلمت بعد ذلك إلى الميليشيا الكردية عندما ادرك اللصوص انها ليست شاحنة عادية. وقام الاكراد بتسليمها إلى الاميركيين. وهذه الشاحنة تعتبر الدلالة الوحيدة الملموسة على وجود اي شكل من اشكال اسلحة الدمار الشامل. وقالت الشركة التي صنعتها ان ست شاحنات اخرى قد جرى تجهيزها على نحو مماثل. وهي تشبه إلى حد كبير «المختبرات المتحركة للاسلحة البيولوجية التي وصفها باول امام مجلس الامن، ولكن هل هي الدليل المنتظر؟ لا احد يذهب إلى هذا الحد ولا حتى اشد اليائسين من مسئولي البنتاغون. فلم يتم العثور على اية آثار للاسلحة البيولوجية داخلها. ومن الواضح ان الشاحنة قد جرى تنظيفها بشكل كامل باستخدام مادة منظفة قبل ان تتم سرقتها. ومع ذلك، فإن العديد من الخبراء يعتقدون انه سيتم العثور على شيء ما. فقبل حرب الخليج عام 1991، كان لدى العراق برنامج كبير للاسلحة الكيماوية والبيولوجية. ومن المحتمل ان يكون جزء من ذلك البرنامج لا يزال موجوداً. واذا كان بالامكان اكتشاف كميات كافية، فإن ذلك قد يكون كافياً بالنسبة لجمهور متلهف للشعور بأن الامر كان يستحق الحرب. اما عدم العثور على شيء فذلك امر غير وارد. ترجمة: ضرار عمير عن «أوبزرفر»