كتاب ـ واشنطن والعالم معضلات وة عظمى ـ الحلقة الأخيرة ـ انعكاس مباشر لاختلال موازين القوى، كاجان : الخلاف الأميركي ـ الأوروبي ليس وضعاً مؤقتاً

الاثنبن 18 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 19 مايو 2003 ماهو مستقبل العلاقات الاميركية ـ الاوروبية عامة والعلاقات الاميركية ـ الفرنسية خاصة؟ كانت اوروبا بالتأكيد هي الرهان المركزي في السياس الخارجية كلها طيلة فترة الحرب الباردة وحتى سقوط الاتحاد السوفييتي، اما اليوم فالامر على العكس من ذلك، حيث تبدو اوروبا شبه غائبة عن التصريحات الرسمية الاميركية وعن النقاش السائد في مختلف دوائر القرار، بل ومن النقاشات العامة في اميركا، ثم ان المواقف التي يتم اتخاذها حيال اوروبا هي نتيجة لاحداث ومسائل تخص اماكن اخرى من العالم، مثل روسيا والصين والشرق الاوسط، وبتخصيص اكثر اسرائيل والعراق وايران وتركيا، او ربما نتيجة لقضايا استراتيجية ذات بعد عالمي، مثل الاحادية القطبية الدولية او تعددية الاقطاب في ظل النظام العالمي الجديد ومثل الموقف من المنظمات الدولية. ان ادارة الرئيس جورج بوش لا تولي اهتمامها لاوروبا من زاوية العلاقة مع الاتحاد الاوروبي، او حتى من خلال الحلف الاطلسي، وانما عبر العلاقة مع مختلف الدول وتبعا لمدى تأثيرها على القضايا ذات الاولوية بالنسبة للولايات المتحدة الاميركية، ذلك ان اوروبا لا يتم النظر لها كرهان داخلي بالنسبة للادارة الحالية ولا شك بأن الادارة الاميركية الحالية ليست مهتمة بتعميق الاتحاد الاوروبي او باعادة التوازن للحلف الاطلسي، ولكنها ترمي بالدرجة الاولى اقامة علاقات مع هذه الدولة او تلك تبعاً للقضايا التي تحظى بالاولوية بالنسبة لواشنطن. عودة للتاريخ لكن في عودة الى التاريخ نجد ان الولايات المتحدة كانت بعد الحرب العالمية الثانية من اكثر الدعاة حماسا وتأكيدا على ضرورة الاندماج الاوروبي وذلك على عكس المقولة المعروفة: «فرق تسد» بل كانت هناك شكوى اميركية لمدة طويلة من غياب مفاوض اوروبي واحد مقبول بسبب تعدد الاصوات وتنافرها احيانا، لكن اعتبارا من رئاسة جون كيندي بدأ ظهور بعض الحذر حيال اوروبا، التي كانت قوتها العسكرية قد بدأت بتعقيد العمل الاستراتيجي والدبلوماسية الاميركي على المسرح الدولي. مع ذلك ابدى الرئيس الاميركي الاسبق ريتشارد نيكسون ووزيرخارجيته هنري كيسنجر قبولا، الى حد ما، بوجود دفاع اوروبي مشترك، لكنهما كانا اكثر حذرا حيال السوق الاوروبية المشتركة، وكان كيسنجر قد قال بهذا المعنى انه يمكن لوجود دفاع اوروبي ان يثلج صدر الولايات المتحدة لكن الوحدة الاقتصادية الاوروبية قد تنافسها وكان كيسنجر نفسه عندما اعلن ان عام 1973 هو «عام اوروبا» كي يظهر للاوروبيين انه لم يتم نسيانهم في خضم البهلوانات الدبلوماسية للانفتاح على الصين ولتوقيع اتفاقيات استراتيجية مع الاتحاد السوفييتي السابق، فانه حرص ايضا على ان يؤكد اولوية الاطار الاطلسي ومعارضة اي موقف تفاوضي اوروبي يتم اتخاذه من دون النقاش حوله مع الولايات المتحدة. وكانت السياسة الخارجية الاميركية، في ظل سنوات الحرب الباردة بل وما بعدها، تتميز بوجود معطيين اساسيين حيال القارة القديمة، لقد كانت تشجع الوحدة الاوروبية، ولكن بشرط عدم المساس بالاطار الاطلسي، اي بتعبير آخر عدم المساس بالزعامة الاميركية، وكانت ايضا تطلب بزيادة المساهمة المالية الاوروبية في تحمل اعباء الحلف الاطلسي، لكن مع رفض ان تتوازى هذه الزيادة مع زيادة نفوذ الحلفاء الاوروبيين. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي برز معطى آخر في السياسة الاميركية، يتمثل في الموقف من اعادة توحيد اوروبا واعادة توحيد المانيان، وقد تبدى هذا الموقف بالحذر، وهو نفس الحذر تقريبا الذي كانت الولايات المتحدة قد أظهرته حيال مبادرات الجنرال شارل ديغول عندما طالب بـ «اوروبا من الاطلسي الى الاورال» ومبادرات المستشار الالماني الراحل ويللي برانت فيما عرف بـ «السياسة الواقعية حيال الشرق»، كانت اميركا ترى في ذلك اضعافا للغرب. وتم ايضا طرح مسألة توسيع اطار الحلف الاطلسي، الذي كان قد تم تبنيه بعد تردد من قبل الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون عام 1994 وتحقق عام 1998 ثم تابع جورج دبليو بوش العمل مع دخول ست دول جديدة الى الحلف عام 2002. ان عملية توسيع اطار الحلف الاطلسي هذه اثارت الكثير من النقاشات والجدل في الولايات المتحدة الاميركية، فالمتحمسون التقليديون للحلف الاطلسي، وخاصة من السياسيين والعسكريين، اعلنوا عن خشيتهم بأن يؤدي هذا الى اضعافه لكن انصار الوفاق والتفاهم الثنائي مع روسيا، الامر الذي يرون به وسيلة لابد منها للنضال ضد انتشار الاسلحة النووية ونزع الاسلحة عامة، اعتبروا بأن عملية توسيع اطار الحلف الاطلسي قد تثير حفيظة الروس ونوازعهم القومية. من هنا ارتفعت اصوات كثيرة لدى النخبة السياسية والدبلوماسية الاميركية تطالب بعدم التوسيع وذلك مقابل اصوات اخرى، في الجهة المعاكسة، انتقدت بشدة بالمحاباة المفرطة التي ابداها الرئيس كلينتون ومستشاره ستروب تالبدت حيال روسيا بشكل عام وحيال بوريس يلتسين بشكل خاص. كيف نفسر الازمة؟ اذا كان بيل كلينتون قد استطاع البقاء على موقفه في مواجهة تلك الاشكال المختلفة من النقد، فان جورج بوش لم يجد نفسه في مواجهة مثل هذه المعضلة ، اذ ان تفجيرات 11 سبتمبر 2001 اسكتت جميع الاصوات حيال مسألة توسيع اطار الحلف الاطلسي، ذلك ان هذا الحلف بصيغته التقليدية لم يعد يلبي متطلبات مواجهة الاخطار الجديدة، كما ان سلم الأولويات قد تغير، بالاضافة الى تبني الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمواقف موالية للغرب لدرجة انها تسمح بتوسيع اطار الحلف الاطلسي ليضم حتى دول البلطيق، كما تسمح بالتخلي عن المعاهدة التي تمنع الاسلحة المضادة للصواريخ ودون ان يؤدي هذا كله الى ازمات كان العديد من المراقبين والمحللين قد تحدثوا عنها. من جهة اخرى يبدو بوضوح اليوم بأن الولايات المتحدة وعلى اصعدة الأمن والموقف حيال ما تعتبره الاعداء الخارجيين تتفاهم بشكل افضل مع روسيا والاعضاء الجدد في الحلف الاطلسي اكثر مما هو مع الدول الاعضاء القديمة، واذا اضيف الى هذا واقع وجود انظمة يمينية موالية لاميركا كما في ايطاليا واسبانيا، فانه يبدو من الواضح بأن خطر وجود اوروبا يمكنها ان تكون تحديا للزعامة الاميركية انما هو خطر محدود جدا، اما البلدان اللذان يمكن ان يكون لديهما مثل هذا الطموح باسم اوروبا ـ اي فرنسا وبطريقة غير مباشرة المانيا، فانهما يتجاوران مع بلدان ذات نزعة سلمية واضحة، او بلدان حريصة على علاقتها مع واشنطن اكثر من حرصها على علاقتها مع باريس وبون، واذا كانت الولايات المتحدة قد دعمت عملية اعادة توحيد المانيا وتوحيد اوروبا شريطة ان لا تصبح قوة منافسة فكيف يمكن اذن تفسير اجواء الازمة السائدة في العلاقات بين القارتين الى حد ان البعض يشكك بمستقبل هذه العلاقات؟ ان مثل هذا السؤال يطرح نفسه بقوة في المرحلة الراهنة، لا سيما وانه ليست هناك نزاعات مصالح خطيرة بين الولايات المتحدة واوروبا، باستثناء التنافس الاقتصادي الواضح، وكذلك ليس هناك جدل حاد بخصوص اوروبا داخل الولايات المتحدة نفسها فقط هناك بعض الاصوات القليلة والهامشية التي لا تزال تقول بأن تزايد قوة اوروبا يمكن ان تؤدي الى تعددية الاقطاب على المسرح العالمي بل وربما تؤدي الى نزاع مع الولايات المتحدة الاميركية اما الاوساط الحاكمة الاميركية فانها ترى بأن اوروبا لم تعد مكانا تتم فيه صناعة التاريخ. قبل 11 سبتمبر 2001 كانت هناك مسألتان اساسيتان تهمان الدفاع الاميركي، وتحدثت حسب دونالد رامسفيلد بالدفاع عن الارض الاميركية وعن آسيا، وخاصة قضية تايوان، وكانت الحرب الاولى التي خاضها الحلف الاطلسي في كوسوفو قد دفعت الاميركيين الى الخروج بنتيجة مؤداها، انه على الرغم من الانتصارات فقد تبدى للبنتاغون ان الحلفاء الاوروبيين كانوا مصدر ازعاج بالنسبة للاميركيين اكثر مما كانوا ميزة اذ كانوا ضعفاء جدا مما لا يمكن ان يسمح لهم بأن يكونوا مفيدين على الصعيد العسكري؟ بالاضافة الى انهم غير منضبطين مما اعاق حرية العمل الاميركي، وبدا من الواضح اجمالا بأن واشنطن تريد التخلص من مستلزمات التحالف المتكامل وكان يمكن لاشكال النقد او الملاحظات المتعالية حيال الاوروبيين ان تحضر الطريق من اجل اعادة النظر بالاستراتيجية الاميركية كلها حيال اوروبا. لكن على الصعيد الاقتصادي اظهر اليورو اي العملة الاوروبية الموحدة قوة فاجأت اوساط اميركية كثيرة وذلك على عكس الضعف الاوروبي على الصعيد العسكري والذي بدا بمثابة امر غير محتمل بالنسبة للاميركيين مثل هذا الوضع واجهه نقد مزدوج على الصعيد الاخلاقي فمن جهة بدا ان الاوروبيين لا يريدون ان يتحملوا قسطهم من الاعباء العسكرية ومن جهة ثانية يسمحون لانفسهم بمنافسة الولايات المتحدة اقتصاديا. هذا بالاضافة الى انهم لا يعرفون الخروج من نمط عملهم التقليدي ومن الرفاه الذي يعيشون فيه مما يفقدهم الدينامية الاقتصادية المطلوبة، ومنذ 11 سبتمبر 2001، بل وقبل وصول جورج بوش الى السلطة فان اغلبية فريق ادارته يكنون بأغلبيتهم شعورا مزدوجا حيال الاوروبيين، وهو مزيج من الاحتقار والتعالي. وخلال عامي 2001 و 2002 تكررت المواقف نفسها المتمثلة في قطيعة اميركا مع الاجماع الاطلسي الذي كان سائدا خلال العقدين الاخيرين وساد باستمرار تقريبا موقف نقدي من قبل الاوروبيين يقابله غضب من الجانب الاميركي، ولكن في كل مرة بدا ان الامر لا يتعلق بالعلاقات المتبادلة بين الطرفين وانما بالاحرى بعلاقة كل منهما مع العالم وبمفاهيمهما عن العلاقة بين القانون والقوة والشرعية كما بدا ان هناك تباينا في المواقف حول دور المنظمات الدولية وحول مكافحة الارهاب وحول السياسة في الشرق الاوسط وخاصة فيما يتعلق بالنزاع الاسرائيلي وبالعراق، كذلك وحيال عدة ملفات اخرى تخص المعاهدات المضادة للصواريخ ومشاكل البيئة والاسلحة البيولوجية والمحكمة الجنائية الدولية بدا بأن الولايات المتحدة تعطي الاولوية لمصالحها القومية دون اعطاء اهمية كبرى للموقف الاوروبي. لكن مع تفجيرات 11 سبتمبر 2001 خف الاوروبيون لاعلان موقفهم التضامني مع الولايات المتحدة الى درجة أن صحيفة «لوموند» الفرنسية كتبت افتتاحية تحت عنوان «كلنا اميركيون» وحبذ الاوروبيون الخط الذي قال به كولن باول حول تشكيل تحالف دولي عريض للحرب ضد طالبان في افغانستان بالمقابل قابل الاميركيون حسب صوت ادارة جورج دبليو بوش، الموقف الاوروبي بقدر من اللامبالاة بل وبشيء من الازدراء مما اثار خيبة امل الاوروبيين الذين اعتبروا انهم يطبقون البند الخامس من المعاهدة الاطلسية ثم ان الاوروبيين على الرغم من تأييدهم الكبير لمكافحة الارهاب بل والمشاركة بذلك، ابدوا بعض التحفظ حول بعض المفاهيم والممارسات الاميركية مثل معاملة السجناء وعدم محاكمتهم مسبقا وعدم طرح التساؤلات الجدية حول الاسباب العميقة للارهاب بل وحتى حول تعبير «محور الشر» وتطبيقه على ثلاث دول هي كوريا الشمالية والعراق ـ قبل الحرب ـ وايران .. باختصار حول غياب «الوضوح الاخلاقي» في السياسة الخارجية الاميركية. ويبدو التعارض نفسه في المواقف الاميركية والاوروبية حول الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني وشخصيتي شارون وعرفات وشيئا فشيئا بدا ان الرئيس جورج بوش يميل اكثر نحو المماثلة بين الفلسطينيين والعمليات التي يقومون بها وبين تنظيم القاعدة اي الشر وفي الوقت نفسه قبول العمليات التي يقوم بها شارون «رجل السلام» على اساس انها من طبيعة المكافحة الاميركية للارهاب نفسها ويبدو ايضا ان فكرة الوساطة الاميركية قد تراجعت كثيرا، ويتم اعتبار الاوروبيين مؤيدين للفلسطينيين ومناهضين لاسرائيل، بل وحتى للسامية، وبأنهم ايضا معادون لردود الافعال الاميركية اكثر من عدائهم للاعمال الاجرامية التي تقوم بها شخصيات من امثال صدام حسين في منطقة الشرق الاوسط. شكوك حيال باريس تزداد هذه الشكوك حيال فرنسا بشكل خاص، لا سما وأنها متهمة منذ عهد الجنرال شارل ديغول بانها تعارض بشكل منهجي الولايات المتحدة وكذلك حيال المانيا التي يلاحقها تاريخها النازي وحيث تحدث «هنري كيسنجر» وزير الخارجية الاميركية الاسبق، نفسه عن ظل سنوات 1930 ـ صعود النازية ـ ويجري في الوقت نفسه تجاوز العلاقات الاعتيادية بين دول ذات سيادة وحليفة الى جانب حملة من قبل الاوساط المحافظة الجديدة القريبة من الجناح المتشدد في الادارة الاميركية والذي وصل الميل الى العنف لديه درجة لا سابق لها، وضمن هذا الاطار تم اتهام الحلفاء الاوروبيين ومعهم الليبراليين الاميركيين، بأنهم يمثلون مخدر التراخي وبأن رهافتهم المزعومة ليست سوى بمثابة تعبير عن جبنهم حيث يمكن تشبيههم بمراهقين عاجزين ان يتحملوا مسئولياتهم وبالتالي يطلبون من الاميركيين «البالغين» حمايتهم.. وفي المحصلة لم يعودوا في موقع يسمح لهم بأن يلعبوا دور الشركاء او ان يكون لهم اي تأثير على السياسة الخارجية الاميركية الجديدة «والقائمة على ثلاثة مباديء هي البعد الاخلاقي والعمل الوقائي واحادية التصرف». كما كتب شارل كروتامر، الذي كان قد اعتبر بأن ادارة كلينتون قد تبنت سياسة قائمة على الورق بينما تبنت ادارة بوش سياسة قائمة على القوة. واضاف في نفس المقال الذي نشره في «الواشنطن بوست» في الاول من مارس 2002 ما نصه: «اننا في حرب دفاعية عن النفس، لكنها ايضا حرب من اجل الحضارة الغربية .. واذا كان الاوروبيون يرفضون ان يروا انفسهم كشركاء في هذه المعركة حسنا .. واذا كانوا يتمنون الامتناع عن خوضها والانسحاب منها، حسنا ايضا فاننا سوف نتركهم يحرسون معاطفنا ولكننا لن نتركهم يقيدون ايدينا». ويذهب روبرت كاجان احد ابرز المفكرين بين المحافظين الجدد ابعد من ذلك حيث يرى بأن الرؤية والقيم الاميركية غدت مختلفة بشكل عميق عما لدى الاوروبيين اما السبب الاساسي في ذلك فانه يعيده الى اختلال موازين القوى بين الطرفين وحيث ان الاقوياء قادرون على التصرف والفعل بينما يلجأ الضعفاء الى المفاوضات والقانون، وهناك سبب آخر يقدمه ويعتمد على القول بأن التجربة التاريخية القريبة سمحت للاوروبيين ان يقوموا في ظل القوة الاميركية بعملية الاندماج الاوروبي على قاعدة التسويات والتوليفات ومن هنا لا يمكنهم ان يفهموا الاميركيين الذين لا يزالون يعيشون في علاقتهم مع العالم الخارجي، في اطار عالم القوة العسكرية، وقد كتب «روبير كاجان في العدد 99 من مجلة «كومنيتور» لخريف عام 2002 ما يقول فيه : «ينبغي التوقف عن التصرف وكأن الاميركيين والاوروبيين لا يزالون يحملون رؤية مشتركة للعالم او حتى كأنهم يعيشون على نفس الكوكب، ان وجهات نظرهم تختلف حول المسألة الجوهرية المتعلقة بالقدرة التي يبدو وبوضوح بأن اوروبا تبتعد عنها كي تتجه نحو ما اسماه الفيلسوف كانت» بـ «السلام الدائم» اما الولايات المتحدة فانها ظلت تدافع عن منظومة ليبرالية تتعلق باستمرار بامتلاك القوة العسكرية وباستخدامها وهذا ما يفسر اليوم الاختلاف بين الطرفين حول المسائل الاستراتيجية والدولية .. وانه لمن الخطر الاعتقاد بأن مثل هذا الوضع مؤقت وبأنه لا يعود سوى لانتخاب جورج دبليو بوش كرئيس لاميركا او لتفجيرات 11 سبتمبر. ان اسباب هذا الاختلاف بين شاطيء الاطلسي هي اسباب عميقة وهي قديمة زمنيا ومتوقع لها ان تستمر طويلا، ومنذ اللحظة التي يكون الامر يتعلق فيها بتحديد الاولويات الوطنية والقومية وتحديد التهديدات والاهداف او تحديد السياسة الخارجية والسياسية الدفاعية يبدو بوضوح بأن الولايات المتحدة الاميركية واوروبا ليستا على نفس الموجة. ان التحليلات التي يقدمها كاجان تعكس دقة الحالة الذهنية التي يعيشها قسم مهم من الرأي العام الاميركي .. وهو قسم تعزز اكثر فأكثر منذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001 ونسبة القائلين بمثل هذا المنطق هي اكبر داخل الادارة الاميركية الحالية ربما في ذلك ضمن معيار ما موقف الرئيس بوش نفسه، لكن هذا لا يمنع واقع وجود عدد من المحللين ومن شرائح المجتمع الاميركي لا ينضوون تماما تحت لواء الابتعاد عن الاوروبيين ويؤكدون بالمقابل بأن مصالح الطرفين ليست مختلفة في الواقع الفعلي .. وهذا ما يقول به المحلل «فيليب جوردون» في مقال نشره في صحيفة «فورينج افير» لشهري يناير وفبراير 2003 ومما جاء فيه: «على الرغم من كل ما قيل عن وجود خلافات بين ضفتي الاطلسي منذ 11 سبتمبر فانه ليس هناك بين اميركا واوروبا خلافات عميقة على صعيد المصالح والقيم، والديمقراطيات الاوروبية هي اقرب الحلفاء للولايات المتحدة اليوم .. وفي الغد .. لكن بالتأكيد هناك القليل من القواسم المشتركة بين التكساسي جورج دبليو بوش وفريقه المحافظ ـ واغلبية نظرائه الاميركيين، مع ذلك وعبر القيام بعملية استقراء اكثرعمقا للرؤى وللقيم الاميركية والاوروبية نجد ان هناك نقاط تقارب اكبر مما هناك من نقاط اختلاف. بكل الاحوال واذا تم تبني وجهة النظر هذه او تلك فانه يبقى من الصعب فهم حملة «الشتائم» ضد اوروبا التي قام بها المحافظون الجدد في اميركا، مع ذلك يمكن تقديم بعض التفسيرات يقوم التفسير الاول على القول بأن الاميركيين قد أحسوا بأن موقع القوة الراهن الذي يتمتعون به انما هو موقع هش، وربما عابر، ولذلك يجهد انصار الاحادية القطبية ـ الموقع الاميركي المتفرد في العالم ـ في تعزيز هجومهم من اجل دحض مواقف خصومهم داخل الادارة الاميركية الحالية من انصار التعددية القطبية والشراكة مع اوروبا، اي انه عبر استهداف الاوروبيين انما المقصود الحقيقي اصدقاءهم الاميركيين ومنع العودة الى التعددية القطبية على صعيد العلاقات الدولية. والتفسير الثاني يتركز حول الموضوع الذي يختلف حوله الرأي العام في اميركا واوروبا، ويتمثل في الخيارات المتعلقة باسرائيل، وحيث يتم النظر الى الاوروبيين كـ «معادين لليهودية» وبأنهم اصدقاء للعرب، كما يقول مسئول كبير مثل ريتشارد بيرل، وبالتالي لن يكونوا ابدا بمثابة حلفاء موثوقين، وبأن وجود تحالف بين الولايات المتحدة واسرائيل وتركيا على اساس التفوق العسكري يمكنه وحده ان يؤمن سبيل البقاء لاسرائيل.وتفسير ثالث يعتقد القائلون به حقيقة بامكانية دخول الشعوب العربية مرحلة الحداثة الليبرالية والديمقراطية ومعهم شعوب الجنوب عامة، الامر الذي يمكن ان يتماشى مع مشروع الامبراطورية الاميركية الكونية ـ يونيفرسال ـ وبالتالي يزعج فرنسا والاوروبيين. وبكل الحالات تبقى مشكلة علاقة الولايات المتحدة مع نفسها بمختلف مكوناتها وآرائها ومع العالم قائمة وكان وزير الدفاع الاميركي السابق جيمس شليزنجر قد اشار عام 1997 بأن الولايات المتحدة لم تكن بهذا القدر من التجزئة من حيث مجموعات المصالح والانقسامات الثقافية والاثنية .. وايضا لم تكن بهذا القدر من محاولة فرض قانونها على جميع العالم. تأليف: بيير هاسنر وجوستان فايس ـ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

طباعة Email
تعليقات

تعليقات