الاحد 17 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 18 مايو 2003 يستأثر النقاش حول الشرق الاوسط باهتمام الاوساط الاميركية منذ تفجيرات 11 سبتمبر 2001 وذلك في المقام الاول الذي كانت تحتله الصين خاصة وآسيا عامة، وفي الواقع لم تحظ منطقة الشرق الاوسط بمكانة حقيقية في اهتمامات اصحاب القرار الاميركيين الا منذ فترة ليست بعيدة، وتحديدا منذ السبعينيات من القرن الماضي، وقد تبدى هذا الاهتمام الاميركي عبر عدة ملفات تمثلت في الملف النفطي خلال سنوات السبعينيات، ثم ايران ولبنان خلال الثمانينيات، فالملف الفلسطيني ـ الاسرائيلي ومسألة السلام في التسعينيات، اما اليوم فانه يتم النظر الى ملف الشرق الاوسط بصورة اكثر شمولية، كما ان النقاش قد تطور نحو طرح الاسئلة حول التطور التاريخي للعالم الاسلامي والتصاعد والموقف العدائي حيال الولايات المتحدة في المنطقة. لا شك بأن امن اسرائيل يشكل احدى اولويات السياسة الخارجية الاميركية، وهذه اولوية تدخل احيانا في نزاع مع عناصر اخرى لسياسة واشنطن حيال الشرق الاوسط، وخاصة التحالف مع بعض البلدان العربية وفي مقدمتها السعودية. ولا شك ايضا بأن النقاش الاميركي يميل لصالح اسرائيل، بينما يميل النقاش الاوروبي لصالح الفلسطينيين، ويتم تفسير مثل هذا الاختلاف من وجهة النظر الاميركية بوجود حساسية تاريخية ودينية وسياسية حيال مصير اسرائيل باعتبار ان تاريخها يذكر بتاريخ الولايات المتحدة «دور الرواد» وبأنها الدولة «الديمقراطية» الوحيدة في المنطقة، كما يتم تفسيره بالنفوذ السياسي الذي وصل اليه اليهود الاميركيون في الهيئات الاتحادية وفي مراكز البحث مثل «معهد واشنطن لسياسات الشرق الاوسط» ثم هناك مجموعات الضغط مثل «لجنة القضايا الاميركية الاسرائيلية العامة»، والتي تجد اكثر اعضائها نفوذا في مدينة واشنطن. ولقد شهدت السنوات الاخيرة تطورا واضحا على صعيد العناصر والجهات الفاعلة في النقاش الدائر حول الشرق الاوسط فبينما كانت الطائفة اليهودية الاميركية تنتمي بأغلبيتها للديمقراطيين، قام الحزب الجمهوري بالمزايدة في الولاء لاسرائيل وتجاوز الديمقراطيين عن يمينهم، بل وان اليمين المسيحي وعلى الرغم من عدائه الكامن للسامية، فانه تحول لتأييد اسرائيل بشكل صارخ، اما المحافظون الجدد فقد اولوا باستمرار انتباههم اولا بأول لأمن اسرائيل. واذا كان قد تم النظر لادارة بيل كلينتون على انها كانت اكثر تأييدا لمصالح اسرائيل من ادارة جورج بوش الاب، والتي كانت تتضمن عدة شخصيات مثل جيمس بيكر وبرنت سكوكرفت كانت تذهب في مواقفها الى حد الاعتراض على مطالب اسرائيل، فان ادارة جورج بوش الاب هي الاكثر تأييدا لاسرائيل من مختلف الادارات الاميركية، على مدى العقود السابقة واولئك الذين كان الاوروبيون يوجهون لهم النقد على اساس مبالغتهم في الولاء لاسرائيل من امثال مارتن انديك ودينيس روس فانهم قد تعرضوا للنقد في واشنطن بسبب موقفهم الذي كان يعيق الوصول الى تسوية سلمية، اي ما كان يستدعي اذن القيام ببعض الضغوط على اسرائيل .. لذلك تمت الاستعاضة عنهم بمسئولين تتماثل مواقفهم مع مواقف حزب الليكود الاسرائيلي من امثال ريتشارد بيرل او دوجلاس نيث واللذين وقعا وثيقة موجهة لبنيامين نتانياهو ـ وليس للولايات المتحدة ـ الذي كان قد وصل الى السلطة عام 1996 ودافعا فيها عن فكرة «القطيعة الصريحة» مع مسيرة السلام. ان الخلط الواضح بين المصالح القومية للولايات المتحدة الاميركية ومصالح اسرائيل لدى هذين المسئولين القادمين في الادارة الجمهورية ـ اي بيرل ونيث ـ يبدو واضحا جدا في الوثيقة المعنية. دعوة لاحتواء دمشق جاء في الوثيقة التي تحمل توقيع ريتشارد بيرل ودوجلاس نيث تحت عنوان: «القطية مع منطق «الارض مقابل السلام» في التماس مقدم لبنيامين نتانياهو عام 1996 ما نصه: «لابد لرئيس الوزراء الجديد من تبني رؤية جديدة للسلام وللأمن وفي الوقت الذي ألح ممثلو الحكومة السابقة واصوات عديدة في الخارج عن فكرة الارض مقابل السلام؟ أي الفكرة التي جعلت اسرائيل في وضع دفاعي على الأصعدة الثقافية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والعسكرية، في هذا الوقت يمكن للحكومة الجديدة ان تجعل من نفسها المدافعة عن القيم والتقاليد الغربية ومثل هذا الموقف ستستقبله الولايات المتحدة بترحاب كبير .. وتتمثل نقاط ارتكازه الحقيقية في القول بـ «السلام مقابل السلام». و «السلام القائم على القوة» وايضا بقدرة التصرف من موقع منفرد اي الوصول الى توازن القوى. «ان سوريا تمثل تحديا لاسرائيل على الارض اللبنانية والعمل الفعال الذي يمكن للاميركيين ان يتعاطفوا معه قد يكون بأن تأخذ اسرائيل بزمما المبادرة الاستراتيجية على حدودها الشمالية عبر الهجوم على حزب الله وسوريا وايران، اي عناصر (العدوان) الرئيسية في لبنان .. وذلك عبر وسائل مثل: ـ ضرب انتاج المخدرات والبنى التحتية لعمليات التهريب السورية المتمركزة حول غازي كنعان. ـ استخدام نفس الوسائل التي تستخدمها سوريا وذلك عبر تقديم البراهين بتوجيه ضربات لسوريا مما يبين بأنها ليست بمنجاة من اعمال هجومية تنطلق من لبنان من قبل قوات حليفة لاسرائيل. ـ ضرب اهداف سورية في لبنان، واذا لم يكن ذلك كافيا توجيه ضربات منتقاة في سوريا نفسها. «ونظرا لطبيعة نظام دمشق، فمن الطبيعي والاخلاقي في الوقت نفسه ان تتخلى اسرائيل عن مقولة «السلام العام» وتجهد من اجل احتواء سوريا عبر لفت الانتباه الى برنامجها لأسلحة الدمار الشامل ورفض اية صفقة من نوع «السلام مقابل الارض في الجولان». «وتستطيع اسرائيل ان تغير من طبيعة محيطها الاستراتيجي عبر التعاون مع تركيا والاردن وعبر اضعاف سوريا وارغامها على التراجع ويمكن لهذا الجهد ان يتركز على الاطاحة بصدام حسين، الامر الذي يشكل بذاته هدفا استراتيجيا اسرائيليا مهماً، وذلك ايضا كوسيلة لاحباط الطموحات السورية في المنطقة. ولا يترتب على اسرائيل اي واجبات بمقتضى اتفاقية اوسلو اذا لم تف منظمة التحرير الفلسطينية بواجباتها واذا كانت منظمة التحرير ليست قادرة على تحقيق الحد الادنى المطلوب فهذا يعني بأنها ليست قادرة على ان تمثل املا بالنسبة للمستقبل ولا ان تكون محاورا له مصداقيته في الوقت الراهن، وقد يكون من مصلحة اسرائيل، من اجل التحضير لمثل هذا الاحتمال، تشجيع وجود بدائل لياسر عرفات. «ويمكن لاسرائيل ان تقوم بقطيعة واضحة مع الماضي وتوجد رؤية جديدة للشراكة الاسرائيلية ـ الاميركية، وهي رؤية قائمة على الاكتفاء الذاتي والنضج والمعاملة بالمثل اي لم تعد متمحورة بشكل كبير على الخلافات الحدودية. ان الاستراتيجية الاسرائيلية الجديدة القائمة على فلسفة السلام القائم على القوة انما تشكل استمرارا للقيم الغربية وذلك عبر الالحاح على فكرة ان اسرائيل تكتفي بذاتها وليست بحاجة الى الجنود الاميركيين للدفاع عن نفسها وبما في ذلك على هضبة الجولان، كما انها قادرة على ان تسوي بنفسها امورها، ان هذا الاستقلال الذاتي في الوسائل المستخدمة سيضمن لاسرائيل هامش حركة كبيراً ويخلصها من جزء كبير من الضغوط التي تمت ممارستها حتى الآن عليها».بعد الحادي عشر من سبتمبر جرى تشابه اكثر فأكثر في المواقف بين الولايات المتحدة واسرائيل من وجهة نظر المحافظين والمحافظين الجدد، فالحرب ضد الارهاب والعمليات الانتحارية تتشابه بنظرهم، بين واشنطن واسرائيل كما ان لجوء واشنطن الى اجراءات وقائية ضد العراق، على غرار ما قامت به اسرائيل عام 1981 عندما دمرت مفاعل اوزيراك النووي غدا بمثابة استراتيجية مشروعة من اجل تحقيق أمنها الخاص، وبالتالي غدا تغيير النظام العراقي بمثابة الحل الوحيد من أجل تأمين امكانية تطور الوضع. أفكار لويس اما التصورات الاخرى التي قد يراها الأوروبيون اكثر اتزانا فقد قالت بها عدة فئات مثل «الواقعيين القدامى» كزبيجنيو بريزنسكي او هنري كيسنجر او مثل «المعربين» في وزارة الخارجية الاميركية كادوار جيريار او روبير بيليثرو او مثل الليبراليين على غرار روبيرمالي وستانلي هوفمان، او مثل الجامعيين الاختصاصيين بمنطقة الشرق الاوسط وكان المحلل مارتن كرار قد قام ـ كرد فعل على ما يعتبره احكاما مسبقة مؤيدة للعرب ومعادية لاسرائيل ـ بعملية نقد لاذعة للاختصاصيين في الوسط الاكاديمي الاميركي وخاصة ادوار سعيد، وحيث يرى بأنه لم يكن هناك اي من بينهم قد استطاع ترقب اشكال التطور التي سيعرفها العالم العربي خلال العقود الاخيرة المنصرمة. وكان المستشرق برناردلويس قد قدم رؤية للتوجهات السائدة في المنطقة بعد 11 سبتمبر 2001 حاول ان يشرح فيها فهمه للارهاب وللعداء ضد اسرائيل وضد الولايات المتحدة ولاسباب التخلف السياسي والاقتصادي للعالم العربي. وقد تعرض بالشرح لردود الافعال الشرق اوسطية حيال مختلف اشكال الاتصال مع الغرب خلال التاريخ الانساني، وقد انتهى الى القول بأن الحضارة الاسلامية قد عانت في الماضي ولا تزال تعاني، من نقص الانفتاح ونقص الحريات ـ حرية التعبير، الحريات الاقتصادية (بسبب كبح روح المبادرة) والحريات السياسية والدينية وتحرر المرأة .. الخ ـ ومن عدم الكفاءة على القيام باصلاحات ذاتية مستديمة وعميقة، ان مضمون افكار برنارد لويس، وان لم يكن قد عبر عن هذا بصراحة يتمثل في القول بان مسيرة الحداثة قد جرى كبحها، وهذا ما جاء ايضا في الوثيقة التي نشرتها منظمة الامم المتحدة خلال يوليو 2002 تحت عنوان «تقرير حول التنمية البشرية في البلدان العربية».ضمن هذا المنظور بدا ان هناك اجابتين منطقيتين ممكنتين للازمة التي تصيب البلدان العربية والاسلامية فإما الاصولية واما الحداثة والانفتاح والتأقلم مع العالم. وضمن هذا المنظور ايضا قال بعض المحللين من امثال جون اسبوزيتو ان الاصولية تعد بمثابة التعبير عن المجتمع المدني في البلدن ذات الاغلبية الاسلامية وبالتالي هي طريق ممكن للوصول الى الديمقراطية المتكيفة مع سياق اقليمي آخر غير السياق الغربي، لكن مثل هذا الطرح فقد مصداقيته منذ احداث 11 سبتمبر 2001، وازدهرت بالمقابل الاطروحات التي تؤكد على ان طبيعة العنف واللاديمقراطية متأصلة لدى الاصوليين .. وباختصار مثل التحدي الذي اطلقه بن لادن ضد الغرب من اجل اثارة «تصادم حضاري، نوعا من الدافع كي تطرح اميركا على نفسها مسألة توجهات سياستها الخارجية حيال العالم العربي والاسلامي كما ان الولايات المتحدة ادركت بعد 11 سبتبمر 2001 بأنها لا تفهم عمق ومدى المشاكل التي تواجهها المجتمعات العربية ـ الاسلامية فحسب، وانما ادركت ايضا مدى ثمن التناقضات التي تسيء لعملها في هذه المنطقة من العالم ولا سيما الفارق الكبير في مواقفها حيال اسرائيل وحيال حلفاذها العرب ودعمها لاستقرار انظمة قمعية تشكل على المدى الطويل جزءا من المشكلة اكثر مما هو من الحل او ذلك بسبب الجمود الاقتصادي والسياسي ونزعة العداء لاميركا كحصيلة لهذا الدعم. امام مثل هذه الاوضاع، يرى بعض المحللين انه ينبغي على الولايات المتحدة نفسها ان تعطي لبلدان الشرق الاوسط (وللمجتمعات الاسلامية عامة) الدفعة الاولى من اجل تحقيق نوع من الموجة الثالثة للاصلاحات والمقصود هو الموجة الديمقراطية بعد موجات النزعة القومية (خلال عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات الماضية) ثم الموجات ذات الطابع السياسي الاسلامي خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات ان مثل هذه الرؤية التفاؤلية العزيزة على قلب المحافظين الجدد تقتضي اولا الاطاحة بصدام حسين ثم تفعيل قوى التقدم في المنطقة. وكان المحللان رونالد اسموس وكنث بولاك قد كتبا تحت عنوان «المشروعات الجديدة عبر الاطلسي» مقالا في عدد اكتوبر ـ نوفمبر 2002 من مجلة «بوليسي ريفيو» جاء فيه في معرض الحديث عن اشاعة الديمقراطية في الشرق الاوسط ما نصه: «ان الفشل الجوهري للانظمة العربية غذى بدوره الايديولوجيات والحركات المتطرفة والدول المارقة التي ربما انها تشكل اليوم خطرا على وجود الغرب، بالطبع لا يمكن اعادة جميع آلام المنطقة للمسألة الاساسية الخاصة بالجمود السياسي والاقتصادي والاجتماعي كما ان الصراع العربي ـ الاسرائيلي كان قد بدأ لاسباب اخرى .. وصدام حسين نفسه مجرد غرض وليس سبباً. ان ا ميركا قلقة من صدام حسين بينما تتمثل الموضوعات الرئيسية التي تشغل الاوروبيين في الهجرة وفي المجموعات المتطرفة في شمال افريقيا والشرق الاوسط لكن هذا لا يمنع واقع انه يمكن للعنف الاسرائيلي ـ العربي ان يولع الحريق بالمنطقة كلها. من اجل رفع التحديات المطروحة يحتاج الغرب لاستراتيجية تتجاوز مجرد ان تكون حملة عسكرية، ومن المهم التخلص من اسامة بن لادن والاطاحة بصدام حسين لكن هذا غير كاف، لكن اذا تم في الواقع الاكتفاء بهذين الهدفين فان هذا قد لا يؤدي الى النتائج المطلوبة لا شك بأنه ينبغي علينا أن نستهدف مباشرة الحد من قدرة الارهابيين والدول المارقة على الحاق الاذي، ولكن ينبغي علينا أيضا ان نغير المنطق والديناميكيات التي ولدت مثل هذه الانظمة والمجموعات المتوحشة فاذا بقيت اسباب الظاهرة قائمة فان التهديدات ستبقى قائمة وسنجد انفسنا بعد خمس او عشر سنوات في مواجهة مجموعات ارهابية ودول مارقة جديدة مع فارق انها استفادت من تجربة السابق وبالتالي لابد وان تكون اكثر خطورة. هكذا ينبغي اذن ان لا تتركز استراتيجية الغرب على اعراض المشكلة فقط، وانما ايضا على جذورها ومع متابعة الحرب على الارهاب بالوسائل العسكرية، علينا ايضا تبني استراتيجية سياسية حازمة ايضا يمكنها ان تساهم في تغيير المنطقة نفسها. هذا يعني تغيير طبيعة الانظمة المعادية للغرب حيث يجد اعداؤنا ملاجيء لهم الى جانب الدعم والعمل من اجل قيام انظمة تقوم على قدر اكبر من المشاركة وان تكون اكثر مسئولية وقادرة على التعايش فيما بينها بسلام هذا يعني قيام صيغة جديدة للديمقراطية في العالم العربي، ويعني ايضا منظومة اقتصادية جديدة تؤمن العمل والكرامة ووسائل العيش لسكان المنطقة، ويعني كذلك مساعدة هذه التجمعات كي تلج طريق الحداثة والتزود بشبكات مدنية جديدة تسمح لها بالاندماج في التنافس الدولي دون أن تفقد احساسها بالخصوصية الثقافية، ان العمل من اجل مثل هذه التغيرات ينبغي ان يكون في صلب استراتيجيتها .. وفي التحليل النهائي، هذا هو الامر الجوهري من اجل الانتصار في الحرب ضد الارهاب واجتثاث التهديدات المتجددة باستمرار التي تؤثر في هذه المنطقة من العالم على امننا.». المسألة الاساسية ان المسألة الاساسية تكمن في معرفة اذا كان هؤلاء الامبرياليون الديمقراطيون يؤمنون فعلا بالمشروعات التي يطرحونها او ان الامر يتعلق بمجرد بلاغة كلامية وفي الواقع يرى ذوو النزعة الاكثر محافظة بأنه ينبغي اولا على اميركا ان تظهر قوتها، ذلك ان مجرد إبراز هذا العامل سيكون وحده كفيلا بفرض الاحترام ويحقق لواشنطن ولحلفائها الامن الذي يتطلعون اليه لكن آخرين اشاروا وبلغة اقل بلاغة ولكنها ليست اقل راديكالية الى ان السياسة الاميركية على صعيد الخارج تبتعد عن حليف متميز لها يتمثل في المملكة العربية السعودية الامر الذي يطرح مباشرة مشكلة البترول وفي الوقت الذي يؤكد فيه بعض المراقبين الى انه يمكن لروسيا ان تحرر، بعد اجل، الولايات المتحدة من تبعتها حيال النفط السعودي. يرى آخرون بأن المملكة العربية السعودية تقدم مساهمة فريدة على صعيد استقرار اسعار البترول في العالم، وحيث انها تستطيع على مدى ايام فقط ان تغير الى حد كبير في كميات انتاجها، وضمن نفس الاطار يطرح الصحفي «توم فريدمان» وآخرون ضرورة العمل على ايجاد برنامج طموح جدا لتحويل وتنويع عادات استخدام الطاقة في الولايات المتحدة الاميركية لكن لايبدو بأن مثل هذ الامر يشكل اولوية بالنسبة للادارة الاميركية الحالية. وفي المحصلة تدرك ادارة الرئيس بوش، المتأثرة كثيرا بأطروحات المستشرق برنارد لويس، بأن عليها ان تنخرط بمعركة الاستئثار بـ «القلوب والعقول» في الشرق الاوسط، قبل اي شيء آخر، وفضلا عن تحضير برامج موجهة للمجتمعات العربية والاسلامية والتي تديرها بشكل خاص المؤسسات الكبرى ـ اي البرامج ـ فان الادارة الاميركية الحالية تتمنى بروز اسلام معتدل وبدائي قادر على دمج ملايين المسلمين في العالم ضمن اطاره، وبالتالي الحد من تنامي قوة المتطرفين وبهذا الاتجاه القى «بول وولفويتز» احد اشهر الصقور في الادارة الاميركية خطابا في سنغافورة في الاول من يونيو 2002 جاء فيه: «علينا ان نتحدث مع مئات الملايين من البشر المعتدلين والمتسامحين في العالم الاسلامي اينما كانت مناطق تواجدهم والذين يصبون للتمتع بمناقب الحرية والديمقراطية وممارسة حرية المبادرات الاقتصادية والتجارية. ان مثل هذه القيم موصوفة بأنها «غربية» لكنها موجودة في آسيا وغيرها على اعتبار انها قيم كونية ـ يونيفرسال ـ وانها قد تولدت من خلال تطلع انساني مشترك .. ضمن هذا الاطار ينبغي أن يستعيد المعتدلون في العالم العربي والاسلامي المواقع من دعاة التطرف كذلك ينبغي لعملية الاصلاح ان تأتي عبر آلية داخلية لهذا العالم نفسه، اذ لا يمكن فرض التغيير من الخارج». ويبقى الرهان الجوهري كله في معرفة اذا كانت السياسة الخارجية الاميركية ستجعل من التدخل بغية دفع عجلة التقدم الحضاري الى الامام هدفا لها دون ان يبدو تدخلها هذا بمثابة عمل مفروض من الخارج وبطريقة متغطرسة؟: ان مثل هذا التدخل هو مايرفضه اولئك الذين يرون به تهديدا للقيم وللهوية. تأليف: بيير هاسنر وجوستان فايس ـ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف