السبت 16 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 17 مايو 2003 في احدى نقاط التفتيش العسكرية الاميركية الواقعة على احد الطرق بشمال مدينة كركوك العراقية، يحمل جنديان اميركيان لافتتين باللغة الكردية. تقول اللافتة الاولى: على السائقين ان يلتزموا بالوقوف في طابور واحد! اما الثانية فتقول ممنوع حمل الاسلحة. وتكمن المشكلة في ان الجنود انفسهم في ضوء عدم معرفتهم باللغة الكردية، لا يستطيعون استعمال كل لافتة في موضعها الصحيح، لذا فإن احد الجنود قام برفع اللافتة الخاصة بمنع حمل الاسلحة امام سيارة حاولت الخروج عن الطابور، بينما ذهب جندي آخر على بعد مئة ياردة من الجندي الاول يسأل، بينما تظهر عليه علامات الحيرة والارتباك، السائقين باللغة الانجليزية، التي لا يعرفون منها شيئاً، عما اذا كانوا مسلحين من عدمه، الامر الذي لم يجعله يتلقى منهم إلا ابتسامات بريئة وعلامات النصر المتمثلة في رفع اصابعهم الى اعلى.من السهل للغاية السخرية من جنود اميركيين عاديين تتملكهم الحيرة وعلامات الارتباك وهم يحاولون ان يبسطوا سيطرتهم على واحد من اعقد المجتمعات في العالم. ولكن الامر الذي يظل غير عادي في هذا الصدد هو ان تقضي الولايات المتحدة كل هذا الوقت الطويل في التخطيط لحملة عسكرية من دون ان تفكر بشكل كاف في العواقب السياسية المحتملة للحرب داخل العراق. ولا ينبغي ان تمثل عمليات نهب المدن مفاجأة مذهلة لاحد فهذا يعتبر تقليداً يحدث من أوقات الحروب، ففي خلال الحرب العالمية الاولى اشتكى الجيشان التركي والبريطاني اللذان كانا يحاربان بعضهما البعض في الاراضي التي اصبحت بعد ذلك تعرف باسم العراق من السرعة التي كان ينهب بها السارقون ساحات المعارك وقيامهم احياناً بالتوقف لذبح المصابين وقطع اعناقهم حتى قبل ان يتوقف القتال بوقت طويل. واثناء الانتفاضات التي قام بها ابناء الشمال والجنوب في العراق عام 1991، كانت المكاتب الحكومية والمتاحف يتم نهبها بشكل معتاد، كما هي الحال خلال الحرب الحالية، واثناء تجولي بالسيارة في شمال العراق خلال الاسابيع القليلة الماضية، كان يتملكي شعور بالقلق اذ لم أر ناهبين على سطح حافلاتهم الصغيرة حاملين ما قاموا بسرقته لان عدم وجودهم يعني ان هناك شيئاً خطيراً للغاية ادى الى ردعهم ومنعهم من ممارسة نشاطهم. وقد ادى الفشل في وقف عمليات النهب الى انهيار الآمال الاميركية في استعادة حتى نوع مؤقت من الاستقرار، وانطبق الامر نفسه على البطء في استعادة الكهرباء والماء وامدادات الغاز، فالولايات المتحدة الاميركية عقدت اجتماعاً بالمسئولين عن المرافق العامة في بغداد منذ اسبوع واحد فقط اي بعد سقوط وانهيار المدينة، في حين انه في برلين عام 1945 قام الجنرالات السوفييت باستدعاء المسئولين الالمان عن قطاعات الكهرباء والماء والصرف قبل سقوط المدينة بستة ايام كاملة للتنسيق بشأن توفير هذه الخدمات. ويمكن للولايات المتحدة ان تدعي انها ضحية نصيحة سيئة بشكل مرعب اسداها اليها العراقيون في الخارج، ويمكن في هذا الصدد الاستشهاد بما قاله كنعان مكية، وهو احد خصوم صدام حسين اللدودين، فلدى لقائه في اوائل العام الحالي بالرئيس الاميركي جورج بوش سأله الاخير: «ما هو رد الفعل الذي تتوقعه من العراقيين لدى دخول القوات الاميركية الى مدنهم» فما كان من البروفيسور مكي إلا ان رد مطمئنا الرئيس قائلاً: ان العراقيين سيرحبون بالقوات الاميركية ويستقبلونهم بالورود والحلوى عندما يدخلون مدنهم. الكثير من المشكلات الحالية يعد مؤقتاً وسوف يتم استعادة خدمات الكهرباء والماء. فالكهرباء تعتبر-امراً حيوياً في العراق نظراً لسطحية اراضي منطقة الرافدين، وهو الامر الذي يعني ان كل الامدادات الخاصة بالمياه وغيرها يجب ان يتم ضخها بالكهرباء. والاهم من ذلك فإن سلطات الاحتلال يجب ان تجد سبيلاً كي تدفع رواتب الموظفين الحكوميين، فالحكومة هي مصدر التشغيل الأكبر في العراق، وعلى الرغم من ضآلة اجمالي رواتب هؤلاء الموظفين، فإن دفعها يعد امراً حيوياً من اجل استعادة النشاط الاقتصادي والاعمال الادارية. غير انه اذا حدث وضعفت قدرة الاحتلال الاميركي على المدى البعيد، فإن الامر لن يكون بسبب اعمال النهب، على الرغم من خطورة هذه الاعمال، أو بسبب انهيار الحكومة العراقية، ولكن السبب سيكون متعلقاً بما اذا كانت واشنطن تخطط لوجود احتلال استعماري يعطي السلطة لعراقيين يعتمدون بشكل كلي على الولايات المتحدة أم لا. ولا تبشر المعطيات في هذا الشأن بالخير بشكل كبير، فعندما سئل عن النفوذ النامي بشكل واضح لرجال الدين الشيعة، قال احد الاعضاء البارزين في الادارة الاميركية: لا نريد ان نسمح للاصوليين الشيعة بأن يكون لهم أي موطيء قدم، فنحن نريد ان نعثر على رجال اكثر اعتدالاً وندفع بهم الى مراكز القوة والنفوذ. والتقى المسئولون الاميركيون مؤخراً في بغداد حوالي 300 عراقي لتكوين نواة لحكومة انتقالية، كان معظمهم من العراقيين في الخارج الذين ينظر اليهم من قبل المواطنين العراقيين العاديين على انهم قطع شطرنج في ايدي الاميركيين أو اشخاص غرباء يقحمون انفسهم في السياسة، وبالنظر الى اسماء بعض من هذه الشخصيات المريبة يمكن للمرء ان يتوقع ان النهب الحقيقي للعراق لم يبدأ بعد. وربما يمكن للولايات المتحدة ان تسيطر على العراق في الوقت الحالي عن طريق اقامة مواقع محصنة في المدن الرئيسية واستئناف العمل الحكومي. ولكن الامر معرض لخطر شديد على المدى البعيد، فباستثناء الكويت، فإن احداً من جيران العراق لا يريد ان ينجح احتلال اميركي طويل للعراق. ففي العشرينيات من القرن الماضي استطاعت بريطانيا حل المشكلة المتعلقة بحكم العراق عن طريق اعادة السلطة الى المسلمين السنة الذين كانوا الحكام التقليديين للبلاد. وربما تود اميركا ان تفعل الشيء نفسه، ولكن في ضوء ان المسلمين السنة لا يمثلون إلا 20% من اجمالي الشعب، فإن تنصيبهم على عرش البلاد سيكون حتمياً امراً ديكتاتورياً، وعلى الجانب الآخر، فإن اي انتخابات حرة سوف تعني انتصاراً طال انتظاره للشيعة، وهو امر تريد اميركا تجنبه في ضوء خوفها من تزايد نفوذ الايرانيين في المنطقة. وفي زهو انتصارهما لحالي لا يبدى كل من الرئيس بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير اي اشارات تفيد تقديرهما وادراكهما لمدى عمق المستنقع الذي دخلاه، فمنذ ستة اشهر قال لي صديق عراقي انه يؤيد بالكامل شن اميركا للحرب من اجل التخلص من صدام، ولكنه اضاف قائلاً: خوفي الوحيد يتمثل في ان الولايات المتحدة سوف تدرك ان هذه الحرب ضد مصالحها الخاصة بشكل كبير. ترجمة: حاتم حسين عن «اندبندنت»