الجمعة 15 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 16 مايو 2003 من الطبيعي ان يكون للنجم قطبان، احدهما جنوبي والاخر شمالي كما هي الحال حتى في كوكب الارض، غير ان القطب الجنوبي المغناطيسي للشمس خبا اعتبارا من مارس 2000، وحل محله القطب الشمالي المغناطيسي، فأصبح القطبان شماليين. يقول بيت رايلي مدير شركة التطبيقات العلمية الدولية في سان دييجو ان هذا يبدو مستحيلا، لكنه حقيقي. الحقيقة ان هذه الظاهرة هي اثر جانبي طبيعي للدورة الشمسية، حيث تتبدل الاقطاب المغناطيسية الشمسية كل 11 عاما، وكان هذا ما حدث في مارس عام 2000. ويقول رايلي ان القطب المغناطيسي الجنوبي في الحقيقة لم يختف بل هاجر نحو الشمال لفترة زمنية واصبح موجة في التدفق المغناطيسي الجنوبي حول الخط الذي يقسم الشمس نصفين أو خط الاستواء الشمسي، ثم عاد القطب المغناطيسي الجنوبي بحلول مايو 2000 الى موقعه الطبيعي بالقرب من طرف محور دوران الشمس الجنوبي. هذا الوضع ايضا لم يستمر طويلا. وفي عام 2001 غاب القطب المغناطيسي الجنوبي للشمس تماما، وتبادل القطبان الاماكن وبقيا على ذلك حتى الآن. ويدرس رايلي وزملاؤه كيف تؤثر هذه التغيرات المعقدة على الأرض باستخدام حاسوب ضخم يسمى بلوهورايزون وبيانات من سفن الفضاء، ويقول رايلي ان المجال المغناطيسي للشمس يتوغل في النظام الشمسي بالكامل ويتفاعل مع الارض، وهو الذي يتحكم في المناخ الفضائي. والفضاء الواسع الذي يملأه المجال المغناطيسي للشمس يسمى الهليوسفير، وتدور فيه كواكب المجموعة الشمسية بالكامل. لكن اكبر شيء في الهليوسفير ليس الكوكب، وليس الشمس، بل السطح الذي تتغير خلاله مغناطيسية الشمس من الموجب الى السالب (من الشمال الى الجنوب) ونسمي هذا السطح «المسطح القائم» لأنه تيارا كهربائيا بقوة نحو عشرة أس ناقص عشرة امبير. وفتيل المصباح العادي يحمل قوة كهربية تصل الى عشرة أس ستة عشرة امبير. لكن ما يفتقده المسطح القائم من امبير محلي، يعوضه باتساع مساحته، ويصل سمك المسطح القائم الى عشرة آلاف كيلومتر ويمتد من الشمس الى ما بعد كوكب بلوتو. والهليوسفير بكامله ينتظم حول هذا المسطح. ويلف المسطح القائم حول خط استواء الشمس مثل تنورة راقصة الباليه، لكن عندما تحول قطبا الشمس الى شماليين، تغير المسطح القائم كليا. زادت كمية الموجات فيه وانتشرت مناطق عدم الانتظام وتغيرت ملامح سطحه من شكل تنورة راقصة الباليه الى شكل المحارة. قد يكون هذا الامر مهما بالنسبة لعلماء الفيزياء الشمسية بالطبع، لكنه يهم الانسان العادي ايضا، يرجع ذلك الى الاشعة الكونية للطاقة. فالمسطح القائم الحالي هو الذي يمنع الاشعة الكونية من المرور عبر الهليوسفير. لا تستطيع الاشعة الكونية عبور هذا الحاجز، بل تنساب بداخله. وعلى ذلك يحدد شكل المسطح القائم الحالي كمية الاشعة الكونية التي قد تصل الى الأرض. وهناك سبب اخر لاهتمام الشخص العادي، هو المناخ الفضائي. تنغمس الارض في هذا المسطح القائم وتخرج منه مع دورانها حول الشمس. والمجال المغناطيسي على احد جانبي الشمس يشير الى الشمال والجانب الاخر يشير الى الجنوب. الشمال يعنى باتجاه الشمس والجنوب البعيد عنها. والمجالات المغناطيسية الشمسية المشيرة الى الجنوب تلغي المجال المغناطيسي للارض. وبالتالي تستطيع رياح الطاقة الشمسية ان تخترق الفضاء المحلي حول كوكبنا وتغذي العواصف المغناطيسية الارضية. العواصف المغناطيسية الارضية جيدة وسيئة في ذات الوقت. هي سيئة لأنها تسبب انقطاعا في عمل الاجهزة الالكترونية على الاقمار الصناعية وسفن الفضاء وتوقف عمل شبكات الكهرباء على الأرض. وهي جيدة لانها تطلق الهالات الضوئية التي يستمتع بها هواة مراقبة الفضاء. واذا استطعنا ان نرسم خريطة يومية دقيقة للمسطح القائم، نستطيع ان نتنبأ بسهولة بهذه العواصف، غير ان هناك مشكلة هي ان المسطح القائم غير مرئي. لا نستطيع ان نرى هذا المسطح بالتلسكوب البصري العادي ما يعني اننا يجب ان نجري حسابات لنعرف مكانه. وقد طور رايلي وزملاؤه برنامجا ليحسب ذلك والبيانات التي وضعوها في البرنامج هي قياسات للمجال المغناطيسي الشمسي. وتؤخذ هذه البيانات يوميا من تلسكوبات مثبتة على الارض. ويطبق البرنامج معادلات معينة لحساب كيفية جذب الرياح الشمسية المكهربة لهذا المجال المغناطيسي عبر النظام الشمسي. وكانت فترة تحول قطبي المجال المغناطيسي الشمسي الى شماليين هي محك اختبار هذا البرنامج. ويقول رايلي انهم حسبوا شكل المسطح القائم عندما كان قطبا الشمس شماليين لمدة شهرين. والنتيجة ان شكل المسطح القائم يشبه محارة عرضها مليار كيلومتر. التحقق من النتائج كيف يتحققون من صحة هذه النتائج؟ لقد وفرت سفينة يوليسيس الفضائية التابعة لوكالة ناسا الأميركية البيانات. فقد كانت يوليسيس في عام 2000 على مسافة 600 مليون كيلومتر من الشمس. وهذه مسافة مثالية لاختبار حسابات المسطح القائم. وعندما جالت السفينة في الفضاء بسرعة 10 كيلومترات، عبرت المسطح القائم مرتين احداهما في مارس والاخرى في ابريل عام 2000. وسجلت اجهزة القياس المغناطيسي هذا العبور وتطابقت بياناته مع توقعات برنامج رايلي الحاسوبي فقد استطاع البرنامج من بيانات المجال المغناطيسي لسطح الشمس ان يتوقع المجالات المغناطيسية في الفراغ بين الكواكب على مسافة 600 مليون كيلومتر من الشمس. ويقول رايلي انهم استطاعوا التوصل الى ذلك بعد عشر سنوات من التجارب، ويريدون تحسين البرنامج باضافة بيانات عن الحرارة والكثافة والسرعة في الرياح الشمسية وهي بيانات يعتمدون الآن على التقديرات فيها. والهدف النهائي هو التوصل الى توقع حدوث العواصف المغناطيسية الأرضية قبل وقوعها بأربعة ايام. واختيار الجيل الجديد من البرنامج يعتمد على مزيد من البيانات من السفينة يوليسيس. السفينة تسير في مدار واسع البيضاوية بحيث ترى المناطق القطبية للشمس وهو ما لا تستطيع سفينة فضاء اخرى ان تقوم به. ويقول رايلي ان هذا النموذج الفريد مكن العلماء لأول مرة من استكشاف الهليوسفير بشكل ثلاثي الابعاد او من ابعاده الثلاثة. والحاسوب العملاق على الارض وسفينة الفضاء على مسافة ملايين الكيلومترات سوف يعطيانا بيانات عن تحول قطبي الشمس الى شماليين او جنوبيين في المرة المقبلة.