كان يرسم لحد الادهاش، معرض يسلط الضوء على تناقضات عالم دافنشي

الخميس 14 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 15 مايو 2003 ابتلي ليوناردو دافنشي طوال حياته بداء الفشل وعدم الاكتمال واضاعة الوقت، وعبارته المفضلة التي كان يكررها لاشعوريا في خربشاته كلما اراد تجريب قلم جديد كانت: اخبروني اخبروني ما اذا كان تم استكمال اي شيء في صنعي، وبالفعل لم يستكمل من اعمال دافنشي سوى القليل، فمشروعاته الكبيرة لم تكتمل ابدا، ولوحته الجدارية الضخمة التي تخلد ذكرى نصر فلورنسا «معركة انفياري» نال منها الخراب ورسمت فوقها لوحة اخرى، وكذلك الامر بالنسبة لرائعته الشهيرة «العشاء الاخير» التي لم يبق منها الان سوى جزء صغير، وهكذا تتوالى قائمة الفقدان والتلف التي تبعث في النفس الكآبة. ولم يجد ليوناردو دافنشي الوقت لتحرير كتاباته الرائعة وان كانت غير منظمة في صورة بحوث مترابطة منطقيا، ومشروعاته الهندسية والهيدروليكية أما انها لم يكتب لها التوفيق أو لم يقدر له ان يشرع بها اصلا، وكذلك الامر بالنسبة لمعظم آلالاته ومركباته العسكرية المتصورة. ونحن الان نتذكر ليوناردو كرسام ومصمم ونحات ومعماري وعالم، لكن تصنيفه لمهاراته في رسالة بعث بها إلى سيدة لودوفيكو سفورزا عام 1481 لم يأت وفق هذا الترتيب، فقد اورد ليوناردو في المقام الاول براعته الاستراتيجية: فقد كان باستطاعته تصميم جسور محمولة، وصناديق مائية «معاقل للمدافع فضلاً عن تصميم وبناء المدافع وصناعة سفن مقاومة للحريق وهكذا دواليك. ولا يتطرق ليوناردو للحديث عن الرسم الا في الترتيب العاشر والاخير في قائمة مهاراته حيث يقول انه في الرسم «قادر على فعل اي شيء ممكن بجودة لا تقل عن جودة أي رسام اخر»، وربما كان هناك سبب بسيط وراء هذا الترتيب، وهو ان الاشتغال في الهندسة العسكرية كان اكثر فائدة من الناحية المادية من الاشتغال في الرسم. لكن هناك ثلاثة اشياء يمكن قولها بدون تردد عن ليوناردو دافنشي الاول انه لم يكن «رجل نهضة» فهو لا يجسد الخصائص الرئيسية لعصره، العديد من الفنانين في عصر النهضة، اشتغلوا، كما فعل ليوناردو، في طيف عريض ومتنوع في الوسائل المادية للتعبير: الرسم، النحت، العمارة، وهلم جرا، لكن احدا منهم ولاحتى الفنان العظيم ليون باتيستا البيرتي، لم يمتلك فضول ونهم ليوناردو إلى حد الادهاش عن تركيبة العالم المادي والقوانين التي تحكمه، ولم يسخر احد منهم كل هذا الوقت والجهد للتفكر في هذه الامور كما فعل ليوناردو. والشيء الثاني هو ان ليوناردو استطاع ان يرسم كالملاك، هذه حقيقة ينبغي ان نسلم بها ويمكن لاي امريء، ان يتحقق منها الآن اذا قدر له ان يزور المعرض المقام حاليا في متحف متروبوليتان للفنون بنيويورك تحت عنوان «ليوناردو دافنشي: الرسام الاستاذ»، يضم المعرض حوالي 120 رسما ولوحة شبه مكتملة هي «القديس جيروم يصلي في البرية»، تم جمعها في مجموعات فنية من مختلف انحاء اوروبا وبريطانيا والولايات المتحدة، انه انجاز هائل لكارمين بامباتش القيمة على قسم الرسومات والصورة الطباعية في متحف متروبوليتان وجورج غولدنر رئيس مجلس ادارة القسم. الشيء الثالث هو ان ليوناردو كان واحدا من اقل الفنانين شفافية، ونظرا للثغرات الكبيرة التي تشوب معرفتنا به، فلا جدوى من تعليق الامال على ان اي معرض يمكن ان يوجز لنا شخصيته الفنية والعلمية. فلقد كان ليوناردو متضاربا متناقضا مع ذاته، وفي الصعوبة بمكان الوصول إلى حقيقته أو الحوم حولها، لكن ليس من الصحيح ان طريقة كتابته بالاتجاه المعاكس كانت محاولة لحجب اسرار ابحاثه عن عيون الفضوليين والمتطفلين، فهذا المظهر من «ألغاز» ليوناردو في الحقيقة ليس لغزا على الاطلاق، لانه كان اعسر، وكان من الطبيعي بالنسبة له ان يكتب بهذه الطريقة. لم يأت قبل ليوناردو ولا بعده فنان مثله يتعايش بداخله هاجس مستبد بالدمار مع حب مرهف وشغف عميق بالجمال الزائل، لقد امعن ليوناردو التفكير في هالة الشواش والانهيار الاجتماعي بابتهاج مرضي: لقد كانت قصة الرعب التي يتلذذ بها ليوناردو هي قصة نهاية العالم، وفي سياق وصفه لكوارث متصورة، يسهب ليوناردو في استخدام التأثيرات الخاصة، ليقرب إلى الحواس ما لم يره هو ولا أي انسان غيره، وتناضل لفته لتكسو ضوابط الواقع: بكاء، عويل، وحشية، غضب العناصر، نهاية العالم. ولما عجز النثر عن تصوير هول المشهد، كان على ليوناردو ان يشبع نزعاته برسومات «الطوفان» وهي رؤى ضئيلة يغلب عليها طابع التدمير المطلق، المادة تقذف بالهواء متنفخة في دوامات هائلة تشير إلى منابع الطاقة الاساسية التي تفجر منها الكون. وتتناول بعض رسومات ليوناردو مواضيع قبيحة إلى حد مذهل، كما في لوحة «صورة جانبية لرجل غريب من وحي الخيال»، كان ليوناردو يبتهج لذلك، فالمتعة التي كان يجدها في منظر القباحة البشرية لم تكن اقل من سروره بمنظر الجمال، ويجد المرء احيانا صعوبة في النظر إلى الوجوه القبيحة الغريبة التي نسجها ليوناردو في خياله الخصيب، والتي استعارها من بعده فنانون اخرون، كان آخر ظهور لها في العصر الفكتوري صورة الملكة الحمراء في لوحة «أليس في بلاد العجائب». وكأن ليوناردو يقول لنا «اتجهوا نحو المثالية قدر ماشئتم، لكن إياكم ونكران الذات» فالجمال المثالي الذي صوره ليوناردو في «موناليزا» أو سيسيليا غلايراني كان لابد ان يكون له وجه اخر مقابل تجسد في قبح الوجه الغريبة الخيالية التي رسمها، وهو قبح يحطم كل امكانيات الشهوة، ولفهم هذه الوجوه المضحكة، ينبغي النظر اليها على انها مجرد عبث عقلي يضج بالسادية. علي محمد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات