أسرار الشق النفطي من حرب العراق، مخطط أميركي شامل يمر بعودة «الشقيقات السبع» إلى الهيمنة

الاربعاء 13 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 14 مايو 2003 أجرى جان بيير توكو وفيرونيك مور من هيئة تحرير صحيفة «لوموند» هذا الحوار مع يوسف ابراهيم مدير مجموعة «انيرجي انتلجنس» الصحافية، القى فيه الضوء على منطقة الظل الحافلة بعلامات الاستفهام والاسئلة الحائرة التي تدور حول علاقة النفط بالغزو الانجلو ـ أميركي للعراق. وفيما يلي نص الحوار: ـ هل كانت الحرب على العراق بسبب النفط؟ ـ لم تبعث الولايات المتحدة بربع مليون جندي الى المنطقة من العالم التي يوجد بها ثلثا احتياطي الكرة الارضية من النفط من دون ان يدخل هذا الاخير طرفاً في المعادلة، فأميركا تستهلك 40% من انتاج العالم من النفط، وتستورد نصف احتياجاتها منه. وفي السنوات الاخيرة تعرضت هيمنتها على منطقة الخليج ببروز دول مثل العراق وإيران، ولاشك في أن التخلص من هذا النوع من التهديد كان جزءاً من مخطط شامل. ـ ماهو هذا المخطط الشامل؟ ـ يحتاج المرء الى العودة بذهنه الى عام 1945، عندما وقع الرئيس الاميركي آنذاك اتفاقاً تاريخياً مع الملك عبدالعزيز بن سعود ، وهو الاتفاق الذي كان جوهره قول الأميركيين: لسوف نحميكم إذا بعتم لنا النفط الرخيص الذي نحتاجه، وقد أسفر ذلك عن قيام شركات النفط الاميركية بالسيطرة بصورة كاملة على النفط السعودي طوال عشرين عاماً، الامر الذي ساعد الولايات المتحدة على ان تصبح قوة اقتصادية فذة، وهذا هو الوضع الذي يود الصقور المتشددون في الادارة الاميركية من امثال بول ولفوويتز استعادته. وقد تمثلت أول ضربة لهيمنة «الكبار» في عالم النفط في انشاء «اوبك» في الستينيات، الامر الذي شكل تحدياً لنظام اسعار النفط المفروضة فرضاً، وفي ضوء تأميم النفط في الجزائر والعراق لم يعد بمقدور كبرى شركات النفط امتلاك احتياطيات النفط في البلدين، ومع ذلك فقد واصل الاميركيون التمتع بنفوذ كبير وبصفة خاصة في السعودية وايران ومناطق اخرى. وتمثلت الضربة الثانية الخطيرة للنظام الاميركي في اندلاع الثورة الايرانية في عام 1979، وكان أول ما قام به الامام الخميني هو الضغط بحيث ارتفع سعر النفط إلى ثلاثة أمثاله، الامر الذي دفع بالعالم الى ازمة، وكانت الصدمة الثالثة التي اطلقت النزعة المحافظة الجديدة المؤثرة الآن في واشنطن في حرب الخليج الاولى، ذلك ان صدام حسين لم يقم بغزو الكويت فقط، وانما مضى يهدد السعودية كذلك، وقد أثرت العقوبات تأثيراً كبيراً على العراق، ولكن صدام حسين واصل اغاظة الاميركيين، ومن هنا جاء القرار الاستراتيجي المتمثل في السيطرة على العراق، ذلك هو المخطط الشامل الذي تحدثت عنه في مستهل الحوار. ـ ما الذي يشمله هذا المخطط فيما يتعلق بالنفط؟ ـ الهدف هو فرض القيم السياسية وبصفة خاصة القيم الاقتصادية الاميركية وتصفية الشركات التابعة للدولة وخصخصة النفط. ولسوف يكون العراق بمثابة قدوة ونموذج بالنسبة للآخرين، فسوف يتم تشكيل حكومة هي اقرب الى الالعوبة، وستكون مهتماً الاولى هي خصخصة النفط، الأمر الذي سيجعل من الممكن الحصول على قروض قيمتها حوالي 150 مليار دولار بضمان احتياطيات العراق من النفط المقدرة بـ 70 مليار برميل، وستمول هذه القروض تنمية وتطوير آبار النفط من قبل شركات خاصة، وهي ستكون شركات أميركية حصراً اذا كان ذلك بالامكان، حيث ان هذا السوق لن يكون متاحاً لـ «خونه» مثل فرنسا أو روسيا أو الصين بحسب المنظور الاميركي. وفي مرحلة ثانية، ستستخدم القيم الاميركية لتحييد منظمة «اوبك»، وسوف تتم مواجهة السعوديين بأمر واقع، فمع وجود الشركات الخاصة سيغدو من المستحيل رفع الانتاج إلى وضعية السوق للتحكم في الاسعار، ولن يكون امام السعوديين خيار الا تفكيك تأميم حقول نفطهم والمبادرة بالترحيب مجددا بالشركات الاميركية العملاقة. وحسب ما اوضحته مصادر في وزارة الطاقة الاميركية، فان واشنطن تخطط لادارة صناعة النفط العراقية بصورة مباشرة، الى ان يتم تجديدها والى ان يتم استئناف الانتاج، وعندئذ يتم تسليم ادارتها للحكومة العراقية الجديدة، ولم يتم حتى الان اتخاذ قرار فيما يتعلق بالمدة التي سيواصل الاميركيون خلالها السيطرة المباشرة على الصناعة، التي تعد المصدر الوحيد الذي يحصل العراق منه على القطع الأجنبي. وقد بدت اسئلة قانونية تطفو على السطح، ومنها على سبيل المثال: ما هو الحق الذي يخول الاميركيين تحديد مقدار ما يباع من النفط العراقي؟ وكيف سيتم استخدام العوائد النفطية؟ وتزعم الولايات المتحدة انها باعتبارها قوة احتلال لها الحق في التصرف بما فيه صالح العراق. ويشعر اعضاء مجلس الامن الدولي وعلى رأسهم روسيا وفرنسا بالقلق حيال انه اذا تم ادخال الامم المتحدة في هذه العملية، فإن ذلك سيؤدي الى اضفاء الطابع الشرعي على الحرب التي قادتها الولايات المتحدة على العراق، وهم مصممون على معارضة الخطة الاميركية، ومن شأن هذه الخطة أن تؤكد الشكوك التي تساور العرب حول أن الأميركيين يهدفون في حقيقة الامر الى السيطرة على موارد النفط العربي. ـ هل لعبت المصالح الاقتصادية الخاصة اي دور في الحرب؟ ـ حتى قبل سقوط بغداد، فإن سلسلة «عين على العراق» الصادرة عن مطبوعة «انيرجي انتلجنس» كشفت النقاب عن ان وزارة الخارجية الاميركية قد وقعت عقوداً بالفعل مع الشركات التي قامت باطفاء حرائق النفط في الكويت قبل 12 عاماً. ومن إجمالي 74.7 مليار دولار اعتمدها الكونغرس للحرب فإن 500 مليون دولار قد خصصت لاصلاح حقول النفط العراقية وتتنافس 100 شركة بالفعل على أداء هذه المهمة، ويقول الاميركيون إن النفط العراقي هو للعراقيين، ولكنه في الوقت الحالي على الأقل مكرسا للشركات الاميركية. ـ ما الذي يمكن ان يمنع هذه السيطرة الأميركية؟ ـ ان الخطط الاميركية ستنفذ ضد اعتبار اساسي هو النزعة الوطنية العراقية، ذلك ان تعيين جنرال أميركي ليتولى رئاسة الحكومة واثنين من رؤساء الشركات الاميركية لادارة عملية انتاج النفط العراقي وبيعه هو أمر ممكن على الصعيد النظري. ولكن هل يمكن تحقيقه. إن قوة الاحتلال سيتعين عليها ان تتعامل مع 60 ألف فني عراقي نفطي لن يقبلوا أبداً الهيمنة الاميركية وسيقومون بتخريب هذه الخطة اذا كان ذلك ضروريا، وهؤلاء الفنيون الذين يتمتعون بمهارة فنية فائقة قاموا بحماية آبار النفط بدلاً من نسفها كما كان صدام حسين يريد. وقد تصرفت فرنسا بحكمة عندما اقامت صلات مع هؤلاء الفنيين، لانهم في نهاية المطاف هم من سيديرون هذه الصناعة. العراق بلد يتسم بالنزعة الوطنية ولن يدمر موارده المعدنية ولكنه لن يسلمها للأجانب كذلك، وفي هذا الصدد فإن معركة النفط قد بدأت الآن. كما أن الخطة الأميركية سيتم التصدي لها بضراوة من قبل جميع الدول الاعضاء في أوبك. وقد تعرضت الصورة الاميركية للتشوية بصورة كبيرة، حيث ينظر اليها الآن باعتبارها قوة استعمارية على النظام القديم تقوم باستعمار بلد ثم تهدد باستعمار بلاد أخرى، ولسوف تتصدى إيران للوجود الاميركي الدائم في العراق، على حدودها، وبصفة خاصة مع اعلان واشنطن انها الهدف التالي في المخطط الاميركي الشامل. وهناك مشاعر مماثلة تبدو جلية للعيان في السعودية، ولربما تضم دول «أوبك» بما فيها العراق، صفوفها بدلاً من احتدام الخلافات بينها، فما من شعب، سواء اكنا نتحدث عن العراقيين أو الايرانيين او السعوديين، سيقبل املاءات أميركا. عن « لوموند »

طباعة Email
تعليقات

تعليقات