الاربعاء 13 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 14 مايو 2003 طرحت الحرب الباردة ومسألة التوازن النووي مشكلات جديدة على القوة الأميركية، وقد أصبح المطلبان المركزيان هما الكفاح ضد الشيوعية والوقاية من حرب عالمية ثالثة. لكن هذا لم يلغ امكانية القيام بعمليات تدخل تقليدية في منطقة أميركا اللاتينية، وإنما أدى الى تعقيدها، كما يدل على ذلك بقاء فيدل كاسترو على رأس السلطة في كوبا. مع ذلك كان الوضع يستبعد امكانية قيام مواجهة مباشرة مع الاتحاد السوفييتي، لكنه يطرح مشكلة دور القوة العسكرية المباشر أو بواسطة الحلفاء في المنافسة على بقية العالم وخاصة على العالم الثالث حيث استجد بعض الخلط بين التهديد العسكري والثورات القومية والوطنية. وقد أدخلت الحرب الكورية القضايا المتعلقة بحرب محدودة، أما الحرب الفيتنامية فقد طرحت بعمق مشكلة مزدوجة. فمن جهة كانت هناك مشكلة المواجهة بين قوة كبرى متفوقة تقنياً لكنها ترفض التخلي عن حياتها المدنية والديمقراطية وبين حركة منظمة متشددة ومستعدة لأن تكون قاتلة أو مقتولة. وثانياً مشكلة الأولوية التي ينبغي تبنيها بين البعد العسكري بالمعنى الدقيق للكتلة أي بعد تدمير العدو وبين البعد السياسي والاقتصادي والاجتماعي. إن الفشل الأميركي على مستوى هذين البعدين أدى طيلة الفترة الواقعة بين نهاية الحرب الفيتنامية وحتى 11 سبتمبر 2001 الى استمرار حالة من عدم الثبات على صعيد الأهداف وعلى صعيد الوسائل في الوقت نفسه. وبدا فيما بعد انه لم يعد هناك من يشكل تهديداً مباشراً للولايات المتحدة التي كانت قد دفعت غالياً ثمن كفاحها ضد الشيوعية. من هنا برز ميل أولي يكمن في اعتبار ان الحرب، بل وحتى مجرد استخدام القوة يعد أمراً ينتمي للماضي. هكذا أخلت الجيوستراتيجية المكان للجيواقتصاد، كما ان الاولويات الداخلية حققت فوزاً حاسماً على المهمات الخارجية. لكن في الوقت نفسه برزت في ظل رئاسة جيمي كارتر الحاجة الى سياسة أخلاقية وانسانية وكونية تتعارض مع واقعية نيكسون ومع الاجتماع الدبلوماسي ـ الاستراتيجي لحقبة الحرب الباردة. كذلك تنامت الحساسية حيال قضايا مثل حقوق الانسان ورفض المجازر المحلية التي كانت بعض بلدان العالم الثالث مسرحاً لها، وهذا ما تمت ترجمته بتزايد عدد المنظمات غير الحكومية. ولم يتردد عدد من معارضي حرب فيتنام في المطالبة بضرورة التدخل ضد خرق حقوق الانسان ومن أجل تجنب الكوارث الانسانية واحلال النظام والسلام المدني في البلدان التي تعاني من اضطرابات. بالمقابل طالب «صقور» قدامى وقوميون معادون للشيوعية منذ الحقبة الفيتنامية بعدم الاهتمام بمصير البلدان الاجنبية منذ اللحظة التي تتهدد فيها المصالح الاقتصادية أو الاستراتيجية للولايات المتحدة الاميركية.وكان فريق جورج دبليو بوش أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية قد تبنى لحسابه شعار برر فيه التخلي عن أفغانستان بعد رحيل السوفييت عنها. يقول هذا الشعار «ان القوى العظمى لا تقوم بتنظيف زجاج المنازل».. كان جون هيلين أحد مستشاري بوش هو الذي أطلق هذا الشعار. الغايات والوسائل لقد توضح في الوقت نفسه التداخل بين الغايات والوسائل، وبالنسبة لهذه الأخيرة، أي الوسائل، كان موقف العسكريين حيال طبيعة المهمات الملقاة على عاتقهم وموقف الجمهور الأميركي حيال التضحيات المادية وخاصة التضحيات البشرية المطلوب تقديمها بمثابة أمور لعبت دوراً أساسياً بالنسبة لصاحب القرار السياسي. ان العسكريين الاميركيين ليسوا مؤهلين للقيام بعمليات المحافظة على السلام، ولا يعتبرون أنفسهم بمثابة مربين أو ممرضين وإنما بالاحرى مقاتلين. في الوقت نفسه، لم يكونوا يريدون التدخل إلا إذا كانت الخسائر البشرية المتوقعة على أقل ما يمكن وإذا كانت حظوظ الانتصار هي أعلى ما يمكن، بل وشبه مؤكدة. كما كانوا يريدون تجنب التورط في أي مهمات ليست محددة بشكل جيد. هكذا طرح كولن باول وضباطه مبدأ ربط التدخل العسكري بوجود أهداف محددة ولفترة محدودة مع تأمين تفوق كبير عند الدخول «واستراتيجية للخروج». وقد كان التدخل في غرينادا وفي بنما أمثلة على هذا المبدأ، وكذلك ولكن من توقع معاكس الانسحاب العجول والمبكر من لبنان بناء على أوامر ريغان بعد عملية التفجير التي قتلت 243 من جنود المارينز.كان هذا بمثابة رد فعل على حرب فيتنام ذلك ان الشعب الاميركي لن يسمح أبداً بوقوع خسائر بشرية كبيرة في صفوف ابنائه. وقد دلّت عملية استقصاء بأن رفض وقوع عدد كبير من الضحايا كان أقل حدة لدى الجمهور مما هو لدى النخبة، كما كان داخل هذه النخبة ذاتها أقل لدى السياسيين مما هو لدى العسكريين.وكانت الادارة الأميركية في ظل رئاسة جورج بوش الأب قد ناقشت هذه المعضلات وقدّمت لها حلولاً وأجوبة مختلفة حسب الظروف، فأثناء حرب الخليج التي قامت لأسباب تقليدية تمثلت في مقاومة الاعتداء ضد دولة ومن أجل النفط وأمن اسرائيل ولمكافحة انتشار الأسلحة النووية، لم تتردد تلك الادارة في تعريض حياة الجنود للخطر، لكنها حدّت من المخاطر عبر نشر خمسمئة ألف جندي تدربوا لمدة ستة أشهر وكذلك عبر تنظيم ائتلاف دولي وعبر الحد من انتشار رقعة الحرب مما سمح لصدام حسين بالبقاء في السلطة. وكان ريتشارد هاس قد نظر للطرق المستخدمة عبر استخدام تعبير «الشريف المتردد» فالولايات المتحدة فضلت أن تبقى طليقة اليدين وعدم الدخول في الحرب، ولكن عندما يبدو ان مثل هذا التدخل ضرورياً فهي وحدها القادرة على جمع عناصر ائتلاف وأن تدفع أو تعاقب مثيري الشغب ثم تعود للأخذ بأولوياتها الأخرى بعد تنفيذ المهمة. وفي الحالة اليوغسلافية فضلت الولايات المتحدة عدم التحرك، وبررت ذلك بالصيغة التي قدمها جيمس بيكر وزير الخارجية الاميركي عندما قال: «لا رهان لنا في هذا النزاع». أما في الصومال، وبعد أن كان بوش قد انهزم اعتقد بأنه يستطيع أن يبيع بقليل من الخسائر وبطريقة أقل مخاطرة مما هو الأمر في يوغسلافيا بأنه «لم يكن فاقداً للحساسية حيال الواجب الانساني».لكن التدخل في الصومال لم يتم كما كان مرسوماً له، وما كان قد تم تصوره على انه عملية سهلة تحوّل الى ارث مسموم بالنسبة لبيل كلينتون الذي ساهم بدوره في الكارثة عندما أوكل لقواته مهمة طويلة الأمد ثم انسحب بسرعة، كما فعل ريغان في لبنان، بعد الخسارة والاهانة التي تعرض لها عدد من الجنود الأميركيين.كما ان التكتيك الذي تم تبنيه للبحث عن القائد الحربي الصومالي عيديد أدى الى سقوط عدد كبير من الضحايا بين المدنيين الصوماليين. من هنا جاء الجدل حول محصلة عدد أولئك الذين تم انقاذهم من الجوع بالمقارنة مع عدد أولئك الذين فقدوا حياتهم بسبب العمليات العسكرية. وانطلاقاً من الصومال ثار النقاش والجدل من جميع الجهات ضد التدخلات العسكرية الانسانية. وكان الرئيس كلينتون الذي صب اهتمامه آنذاك على الوضع الداخلي كما كانت تنقصه السلطة في مواجهة العسكريين المترددين، غير ميّال بطبعه للتدخل العسكري. لكن تفاؤله ذي النزعة الدولية جعله حساساً للقضايا العامة الشاملة وخاصة لقضايا العالم الثالث. إن تجربة الصومال دفعته الى التغيّب أمام مجازر رواندا، الأمر الذي اعتذر عنه فيما بعد. لكن تمت أعمال تدخل أخرى ودائماً من موقع متردد ودون رغبة وإنما لأسباب داخلية، مثلما حصل في هاييتي، أو من أجل تجنب التدخل فيما بعد مع التعرض لأخطار أكبر لانقاذ قوات الحلفاء مثل حالة البوسنة.وكانت مادلين أولبرايت من موقعها كوزيرة للخارجية قد أعطت دفعة لصالح استخدام القوة العسكرية، وخاصة في كوسوفو، الأمر الذي كان سبباً في نزاعاتها مع كولن باول القائد العسكري آنذاك والذي رفض حينها جعل الادارة العسكرية في خدمة الدبلوماسية، وكذلك نزاعاتها مع وزير الدفاع. وأثناء التدخل في كوسوفو اصطدم الجنرال كلارك بالرفض المزدوج من السلطة الرئاسية التي كانت تخشى وقوع خسائر بشرية ومن قيادة أركان الجيش التي كانت تريد توفير جهودها من أجل الحروب الكبرى المتوقعة في المبدأ الاستراتيجي في آسيا والشرق الأوسط. من هنا جاء اللجوء الى القوة الجوية في حرب كوسوفو.وعلى الرغم من نجاح عملية تحرير كوسوفو وعودة أبناء الاقليم الى ديارهم، فإن أصواتاً كثيرة قد ارتفعت ضد فكرة التدخل الانساني. لقد رأى البعض ان عمليات التدخل التي أمر بها كلينتون كانت مترددة ومتكررة، وأدت الى تورط أميركا في مناطق بعيدة والى عسكرة السياسة الخارجية الأميركية. وأشار آخرون الى أن مصير عمليات التدخل الانسانية مآلها الفشل بالتعريف ذلك لأنها لا تستطيع النجاح إلا عبر استخدام وسائل لا تلجأ لها أي دولة إلا من أجل المحافظة على بقائها الذاتي، نظراً لما تحمله تلك العمليات من مخاطر وما يترتب عليها من نفقات. وهناك أشكال نقد أخرى جاءت من أوساط «اليسار» الأميركي لاسيما عملية الخلط بين ما هو انساني وما هو عسكري. ويرى البعض بأن المساعدة الانسانية تصرف النظر عن القضايا الحقيقية وتوجد ثقافة تبعية ذلك انه لا يمكن بناء الأمم من الخارج.لكن جميع أشكال النقد هذه والاعتراضات الصادرة من مواقع سياسية وفكرية متعددة خبت بالنسبة للبعض وتنامت بالنسبة للبعض الآخر بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.لقد وجدت الولايات المتحدة منذئذ خصماً رئيسياً وكذلك رأت في القوة العسكرية الأداة الأساسية لسياستها الخارجية، وكما عبّر ريتشارد هاس فإن «الشريف لم يعد متردداً».. وهكذا ارتسمت الأهداف في الأفق متمثلة في أفغانستان وفي العراق. الحرب ضد الارهاب غداة تفجيرات 11 سبتمبر 2001 صرّح الرئيس جورج دبليو بوش بأن الحرب ضد الارهاب قد أصبحت القضية التي يتم على أساسها تحديد السياسة الخارجية الأميركية وعلى أساسها ايضاً سيتم الحكم على هذه السياسة. هكذا أصبحت جميع العلاقات الخارجية محكومة بالموقف من هذه الحرب و«من ليس معنا فهو ضدنا»، قال الرئيس بوش في خطاب له بتاريخ 21 سبتمبر 2001، وغدت القاعدة الأميركية تقول بأن أولئك يأوون أو يساعدون الارهابيين سيتم النظر لهم بأنهم هم ارهابيون. إن المصير الذي عرفته حركة طالبان فيما بعد يبين بأن هذه الكلمة لم تكن مجرد هراء. بالمقابل تم النظر الى أولئك الذي يتعاونون في الكفاح ضد الارهاب بأنهم قد مسحوا كل خطاياهم. وهذا ما يبينه مثال باكستان التي كانت مدانة حتى آنذاك بتطوير الاسلحة النووية والقيام بانقلاب عسكري وبالفساد والرشوة والفوضى مما شجع جميع أشكال الممارسات والتجارة الممنوعة. ونفس الموقف حيال بعض ديكتاتوريات آسيا الوسطى مثل أوزبكستان، ولكن ايضاً حيال روسيا خصم الأمس وحيال الصين التي كانت ادارة الرئيس بوش ترى بها قبل 11 سبتمبر خصم الغد، لكن تعاونها في مجال مكافحة الارهاب أدى الى القول صراحة في «وثيقة الاستراتيجية الامنية القومية للولايات المتحدة، بأنها «اي الصين»، قد حققت تقدما على طريق الديمقراطية والسلام، وجاء في تلك الطريقة بأن الصراعات بين القوى الكبرى قد اصبحت تنتمي الى الماضي وان المثيرين الوحيدين لعرقلة السلام يتمثلون بالحركات الارهابية. وفي خطاب حالة الاتحاد، الذي القاه الرئيس بوش في يناير 2002 حدد القول بأن الدول المارقة الثلاث العراق وايران وكوريا الشمالية تشكل «محور الشر» وقد قال في ذلك الخطاب: «هدفنا الثاني ان نمنع الحكومات التي ترعى الارهاب من تهديد الولايات المتحدة واصدقائها باستخدام اسلحة الدمار الشامل.«بعض هذه الحكومات هدأت منذ 11 سبتمبر 2001، لكننا نعرف صفاتها الحقيقية، ففي كوريا الشمالية توجد حكومة تمتلك الصواريخ واسلحة الدمار الشامل لكنها تجوّع شعبها، وايران تبذل كل جهودها للحصول على مثل هذه الاسلحة وتصدر الارهاب بينما تخنق اقلية غير منتخبة احلام الشعب الايراني بالحرية، أما العراق فيستمر في اظهار عدائه للولايات المتحدة الاميركية ويدعم الارهاب، والحكومة العراقية تتآمر منذ اكثر من عشر سنوات كي تصنع الاسلحة الكيماوية والجرثومية والنووية وكانت قد استخدمت الغازات السامة ضد شعبها وخلفت جثث الامهات متكدسة مع جثث اطفالهن، وهي حكومة قد طردت المفتشين بعد ان كانت قد قبلت بالتفتيش الدولي .. ولديها اشياء تريد إخفاءها عن العالم الحر.«ان دولاً مثل هذه الدول، مع اصدقائها الارهابيين، يشكلون محور الشر ويتسلحون من اجل تهديد السلام العالمي .. ويمثلون عبر محاولتهم الحصول على اسلحة الدمار الشامل خطرا يتنامى ويتعاظم باستمرار. ويمكن للدول المعنية ان تزود الارهابيين بهذه الاسلحة، اي ان تزودهم بالوسائل التي تتناسب مع حقدهم، وقد يمكنهم ان يهاجموا حلفاءنا او يمارسون الابتزاز حيال الولايات المتحدة الاميركية وفي جميع هذه الحالات تكون الكوارث هي ثمن اللامبالاة».وبعد سلسلة من الخطب التي ألقاها الرئيس بوش، حددت «وثيقة الامن القوي الاميركي» عقيدتها الجديدة للوقاية وركزت على وجود فئتين من الاعداء: الارهاب والدول المالكة لاسلحة الدمار الشامل او التي هي مؤهلة لامتلاكها، وقد جاء في هذه الوثيقة ان «الخطر الاكبر يتمثل في الجمع بين التطرف والتقنية، وقد تم تبرير الضربات الوقائية بواقع ان الارهابيين المتزمتين لا يمكن ردعهم لانهم يبحثون عن الموت ولا يمتلكون قاعدة ثابتة يمكن استهدافها في عمليات الرد، لكن هناك دول تدعمهم او تحميهم وهي اذن الاهداف الاولى للهجومات الوقائية المحتملة باعتبارها عمليات «دفاعية مسبقة» اذ يمكن لاعداء الولايات المتحدة ولمالكي اسلحة الدمار الشامل والتي قد تصل الى ايدي الارهابيين ان يهاجموا الولايات المتحدة ذات يوم. وبما ان مالكي اسلحة الدمار الشامل او المتطلعين لامتلاكها عديدون بمن في ذلك اصدقاء قدامى او جدد للولايات المتحدثة، فان علاقات هؤلاء كلهم مع اميركا هي التي تحدد «انتماءهم او عدم انتمائهم لمعسكر الخير او لمعسكر الشر؟ وبالتالي اذا كانوا يستحقون، او لا يستحقون توجيه الصاعقة الاميركية ضدهم.هكذا يتم الانطلاق في الحرب ضد الارهاب كحرب للخير ضد الشر مما يبرر استخدام وسائل استثنائية في الداخل كما في الخارج «ويسود نفس المنطق بالقول ان وجود علاقات، ولو محتملة للارهابيين مع بعض الدول يبرر استخدام نفس الوسائل ضدها. الامر الاساسي هو ان الولايات المتحدة وحدها هي التي تقرر في نهاية التحليل الخير والشر والسلام او الحرب .. وقد كان الاثر الرئيسي للارهاب هو انه ادى الى تحول الحكومة والشعب الاميركي للاقتناع ـ مؤقتا ـ بفكرة الامبراطورية الكونية ـ يونيفرسال. ضمن هذا السياق اصبحت كل اشكال النقد ذات فعالية قليلة على الصعيد السياسي طالما ان الشعب الاميركي لا يزال يعيش تحت وطأة صدمة 11 سبتمبر 2001. لكن هذا لم يمنع البعض من التشكيك بتبني النضال ضد الارهاب ليس فقط كأولوية مطلقة وانما ايضا كمفتاح لتبرير السياسة الاميركية كلها، الخارجية والداخلية، وقد كتب المحلل «جيمس ستينبرغ» في مجلة «ذي روكنج روفيد» خلال صيف 2002، يقول : «ان السياسة الخارجية الاميركية لا يمكن اختزالها الى مجرد مكافحة الارهاب فحملة الولايات المتحدة ضده ستكون طويلة والارهاب هو اكبر خطر اليوم على امن الاميركيين ولا شك بأن انتشار اسلحة الدمار الشامل يجعله اكثر خطورة لكن ليس هناك الارهاب فقط .. هناك ايضا الشبكات الاجرامية وتجارة المخدرات وانتشار الاسلحة المدمرة وكل ما يعرض النظام المالي والنظام التجاري ومصادر الطاقة والمياه والبيئة والصحة .. وهذا كله على الصعيد العالمي .. وللحملة ضد الارهاب بعدوان احدهما على المدى القصير الآخر على المدى الطويل.فعلى المدى القصير ومن اجل مواجهة التهديد المباشر ينبغي خاصة تطبيق القانون وجمع المعلومات وعند الضرورة استخدام القوة. اما على المدى الطويل، فان الشبكات الارهابية ستعيد تكوين نفسها اذا لم نجعل من الصعب عليها تجنيد اعضاء جدد وتمويل نشاطاتهم هذا يعني ضرورة المساعدة على بناء مجتمعات مستقرة ومزدهرة وديمقراطية في البلدان التي لم تعرف حتى الآن مثل هذه المناقب وخاصة في العالم العربي وافريقيا وفي بعض مناطق آسيا الوسطى وجنوب ـ وجنوب شرق آسيا. «وليس هناك وسيلة واحدة تلائم كل الحالات فالمجموعات الارهابية المختلفة تطرح مشكلات مختلفة وتستدعي استخدام وسائل مختلفة ولو اننا ندين بشدة طرقها كلها، ان التهديد الذي تمثله منظمة القاعدة هو غير ذلك الذي يمثله الجيش الجمهوري الايرلندي او تهديد نمور التاميل وعملياتهم الانتحارية، وغالبا وبالتوازي مع مكافحة الارهاب بالمعنى الدقيق للكلمة ينبغي التعامل سياسيا مع المسألة من اجل قطع الارهابيين عن السكان الذين يعانون من اليأس بفعل اوضاع معينة.«ولا ينبغي على واشنطن ان تتجاهل المصالح الاوسع قطاعا للبلاد، فقرار الحكومة بزيادة المساعدات يبين بأنها قد فهمت بأن الفقر والجهل والمرض بمثابة تهديد لمصالحنا .. وفي النهاية من الاساسي جدا المحافظة على حيوية المؤسسات الدولية الكبرى، ذلك ان مثل هذه المؤسسات والهيئات تلقي علينا بعض الواجبات ولكنها تسمح لنا ايضا بتوسيع اطار عملنا وتقاسم المهمات، وكما رأينا في البلقان وافغانستان فان هناك بعض المهمات التي لا تريد الولايات المتحدة ان تقوم بها منفردة».ان المحللين الذين ينتقدون وضع الارهاب وحده في مقدمة اهتمامات السياسة الخارجية الاميركية يخشون ان يؤدي هذا الى اهمال بعض المسائل الاساسية داخليا وخارجيا مثل توازن القوى ومشاكل البيئة كما يخشون ان تندفع الى الواجهة ملفات معدة سابقا تحت غطاء مكافحة الارهاب مثل الانظمة المضادة للصواريخ، او زيادة النفقات العسكرية عامة او الدعم المفرط للسياسة الاسرائيلية أو القيام بحرب ضد العراق ـ كما وقع. لنكن واضحين بشكل عام شكلت مقولة «الحرب ضد الارهاب، بررت او غذت مفاهيم الهجوم الاستباقي والاحادية القطبية في جميع الميادين، لكن مفهوم «الحرب ضد الارهاب» نفسه هو محط احتجاجات كبيرة من قبل العديد من المؤرخين والمحللين الاستراتيجيين الاميركيين، ان الحكومة الاميركية تزعم بأنها قد حذفت من اعتباراتها اي اعتبار سياسي او ايديولوجي في تحديد هوية الارهابيين او في اسباب ودوافع عملهم و«الوضوح الاخلاقي، يكمن في اعتبار ان الوسائل المستخدمة وحدها هي التي تحدد الطبيعة الارهابية للافعال وان اي عنف يستهدف المدنيين هو بمثابة فعل ارهابي، وحسب هذا التعريف ينبغي اعتبار عمليات القصف الاستراتيجي (النووي) ضد هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين اثناء الحرب العالمية الثانية واعمال روسيا في الجمهورية الشيشانية وعمليات اسرائيل في غزة، بمثابة اعمال ارهابية، هذا ما برهن عليه جرينثيب بيفورد المحلل الاستراتيجي في مقال له نشرته مجلة «فورين افيرز» بعددها الصادر في يوليو ـ اغسطس من عام 2002 والذي جاء فيه: «ان الحرب التي تقوم بها حكومة بوش ضد الارهاب لا يمكن أن تكون مرضية على الصعيد الاخلاقي لان هذا التعبير يشكل بمعناه الحرفي تحديا امام تعددية افكار اغلبية البشر في تعريفهم للخير والشر، ثم ان بناء السياسة الخارجية الاميركية على فكرة امكانية تعريف الارهاب وضرورة محاربته قد يذهب في غير المصالح القومية الاميركية ففي كل مكان في العالم يتم النظر للولايات المتحدة على اساس السياسة التي ينبغي ان تنتهجها الطريقة التي تتحدث بها وعلى سبيل المثال يزعم الاسرائيليون في نزاعهم مع الفلسطينيين، بأنهم يحتكرون الاخلاق عبر تركيزهم على الوسائل التي يستخدمها خصوصهم، اي العمليات الانتحارية. فهذا هو وحده المهم برأيهم دون مناقشة اي امر آخر، اما الفلسطينيون فانهم يبنون حججهم على ضوء الاهداف ويقولون بأن اسرائيل تنوي الاستمرار باحتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة ولذلك يغدو الوقوف ضد هذا الاحتلال مشروعا بنظرهم وبالتالي يجعل الفارق الكبير في موازين القوى والامكانيات لجوءهم للارهاب هو الوسيلة الوحيدة المتاحة، ان هذين البعدين للصراع يحتوي كل منهما، بعدا قد يكون صالحا اخلاقيا، وطالما ان الفلسطينيين والاسرائيليين لا يعترفون بذلك فانه لن يكون بوسعهم النقاش ولن يكون هناك اي تقدم نحو حل النزاع، لكن مفهوم الحرب على الارهاب اعطى الارجحية لوجهة النظر الاسرائيلية مما خلق التشوش بين تصريحات حكومة بوش وبين الوقائع الراسخة للدبلوماسية الشرق اوسطية. «ولنكن واضحين حول رد الفعل الاميركي حول اعتداءات 11 سبتمبر 2001 فأولا لم يأت الغضب من واقع ان الارهاب كان وراء ذلك، اذ لابد وان يكون غضب الاميركيين شديدا بنفس القدر لو ان المذبحة كانت بفعل طائرة افغانية وليس مجموعة سرية غامضة، وثانيا لا يتأتى غضبهم فقط لان الضحايا هم من المدنيين،لم يكن هناك اي تمييز بين ضحايا برجي مركز التجارة العالمي وبين ضحايا مبنى وزارة الدفاع ـ البنتاغون ـ او بين هؤلاء جميعا وبين ضحايا الباخرة كول في مياه اليمن في اكتوبر 2002 كل ما يهم هو ببساطة ان اميركا تعرضت للهجوم وان اميركيين قد قتلوا. ان تفاصيل العملية مرعبة ولكنها ثانوية نسبيا. تأليف: بيير هاسنر وجوستان فايس ـ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف