وسط موجة من الانتقادات المتصاعدة، غارنر يكشف أوراقه والشارع العراقي يرد بطريقته الخاصة

الثلاثاء 12 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 13 مايو 2003 أعلن المسئولون الأميركيون، مؤخرا، تفاصيل خطتهم الرامية إلى تشكيل حكومة عراقية مؤقتة، قائلين انها ستخضع لرئاسة مجلس مؤلف من حوالي عشرة من القادة مشيرين إلى أن الغالبية سيتم اختيارها من الجماعات العراقية التي عادت من المنفى والتي مازال يتوجب عليها أن تحظى بالمزيد من التأييد الشعبي في الداخل. وعلى الرغم من أنه لن يتم اختيار حكومة انتقالية جديدة قبل نهاية مايو الحالي، إلا أن مسئول الإدارة المدنية الاميركية في العراق الجنرال العسكري المتقاعد جي غارنر صرح بأن خمسة من هؤلاء الرجال قد اجتمعوا بالفعل وأنه يرجح انضمامهم إلى المجلس. وأضاف قبل مغادرته بغداد متوجهاً إلى مدينة البصرة الجنوبية في زيارة تستغرق يومين بحلول منتصف الشهر سترون بالفعل المراحل الأولى التي تشكل نواة لحكومة عراقية بوجه عراقي، يتعامل مع التحالف. وأشار غارنر إلى أن الرجال خمسة على أنهم احمد الجلبي رئيس حزب المؤتمر الوطني العراقي ومسعود البرزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني وجلال الطالباني زعيم حزب الإتحاد الوطني الكردستاني وإياد علاوي من الإئتلاف الوطني وعبدالعزيز الحكيم من المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الذي كان يتخذ من طهران مقرا له. جاء إعلان غارنر وسط موجة من الإنتقادات المتنامية تفيد بأن المساعي التي تقودها الولايات المتحدة من أجل إعادة بناء العراق تسير نحو التراجع ومن جانب آخر اقتصرت العودة المتوقعة بشدة لرجال الشرطة إلى شوارع بغداد على عدد قليل من العاملين في شرطة المرور، الذين لم تكن غالبيتهم تحمل المسدسات في مدينة تدوي فيها أصوات الأعيرة النارية بلا انقطاع والذين لا يزالون بانتظار أن تصرف لهم المرتبات الطارئة. وعلى الرغم من أن انتشار135000 من جنود قوات التحالف في أنحاء البلاد، إلا أنه لا هؤلاء ولا مكتب إعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية الذي يديره غارنر يبدو قادرا على فرض سيطرته عليها. إن الفراغ الناجم عن الإنهيار السريع للنظام الذي كان يقوده صدام حسين يمكن تلمسه في المدن والقرى المنتشرة في كل أنحاء البلاد، التي تعج بزعماء العشائر المطالبين بإستعادة سلطاتهم المفقودة منذ فترة طويلة من الزمن والزعماء الدينيين المدافعين عن حقهم في السيطرة على المؤسسات المحلية في العديد من المدن، غير أن النموذج الإستثنائي الوحيد لحالة الفوضى الجارية هي الموصل، المدينة العراقية الرئيسية الأولى التي تؤسس فيها حكومة منتخبة، وقد قام 150مندوباً باختيار مجلسها المؤقت المؤلف من 24 رجلاً تم ترشيحهم في مؤتمر ضم عدداً من الزعماء الدينيين والطائفيين والعشائريين. ورغم أن غارنر لم يعط تفصيلات لعملية اختيار الرجال الخمسة، إلا انهم من القادة المعروفين الذين يتولون رئاسة بعض أكبر فصائل المعارضة في الخارج التي برزت خلال العقد الأخير - الجماعات التي تلقت الدعم الأميركي ومن بين أعضائها الزعيمان الكرديان اللذان كانا يقيمان في شمال العراق، الجزء الذي ظل يمارس دوره كدولة مستقلة منذ 1991 فيما ظل الرجال الثلاثة الآخرون خارج العراق لعدد من السنوات، لأن صدام حسين كان قد نجح في حينها في سحق كل معارضيه لصالح حزب البعث الحاكم. ومن جانبه صرح غارنر بأن أسماء ممثلين عن المسلمين السنة والمسيحيين العراقيين قد تضاف إلى مجموعة القيادة، يذكر أن الجلبي والحكيم وعلاوي هم من المسلمين الشيعة، على الرغم من ادعاء عدد قليل من أبناء الطائفة الشيعية زعامة الجلبي ولم يعط غارنر أي تلميحات بضم المزيد من عناصر الشيعية،الذين يشكلون60% من سكان العراق. رغم تصريح قادة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بأنهم لايحبذون نظاماً على الطريقة الإيرانية لحكم العراق، إلا أن العديد من الأحزاب الشيعية ترغب في تحويل العراق إلى جمهورية اسلامية، وهي التركيبة التي تعارضها إدارة بوش بشدة. وفي انتقاد للخطة تمت صياغته بعناية، قال الشيخ كمال جواد الطشطوشي، إمام جامع الاعظمية الكبير أنه «سيكون من الأفضل لو انضم إلى المجلس ثلاثة أو أربعة آخرون من الشيعة حيث أن ذلك سيكون أكثر إنصافاً». يتوقع أن يقوم المندوبون العراقيون باختيار الحكومة المؤقتة بشكل رسمي خلال اجتماع يعقد في نهاية هذا الشهر، ورغم تأكيد ناطق باسم الجلبي على أن خيارات القيادة قابلة للتغيير، إلا أن قيادة جماعات المعارضة للعملية بشكل واضح في الوقت الحالي تحمل على الشعور بأن من البديهي أن يتم اختيار الرجال الخمسة الذين يقودون أهم جماعات المعارضة وذلك على حد تعبير زاب سيثنا. في بيان له، أشار غارنر إلى أن الولايات المتحدة قد أدركت أن فشلها في إعادة الخدمات العامة الضرورية بشكل عملي بات يكلفها عدم الحصول على رضا الكثير من العراقيين وأنها جادة بشأن إقامة حكومة انتقالية في أسرع وقت. وصرح للصحافيين بقوله «إن شهر مايو هو الموعد الحاسم» لتنظيم وتسيير مختلف الخدمات العامة والعمل على فرض النظام الذي يعززه القانون. وبالنسبة لقلة من العراقيين الذين يعرفونه، فإن غارنر قد أصبح الهدف الرئيسي الذي يشار إليه بإصبع الإتهام وخلال الأسابيع المنصرمة كان مسئولون في إدارة بوش قد كشفوا عن خطط لتعيين مسئول سابق بوزارة الخارجية في منصب أعلى من منصبه. وقد وصل بول بريمر، السفير السابق ورئيس إدارة مكافحة الإرهاب بوزارة الخارجية إلى العراق من أجل الإشراف على الجهود السياسية وإعادة الإعمار. وكان غارنر قد أشار إلى أن من المفترض أن تكون مهمته مؤقته وأن تعيين بريمر كان قد خطط له منذ فترة طويلة، كما نوه أيضاً إلى نقطتي ضعف في إدارته هما عدم القدرة على إعادة بناء وتشغيل محطة التلفزة وعدم القدرة على التنبؤ أو التعامل مع حالة الإنفلات القانوني التي باتت تشل مظاهر الحياة في أنحاء البلاد. وقال في أثناء وجوده في البصرة «لم نتوقع وصول أعمال النهب التي وقعت إلى هذا الحد». وكذلك فقد أعلن المسئولون عن تعيين أولي وليرز أولسين، وهو دبلوماسي دانماركي، كمنسق إقليمي منتدب من قبل مكتب إعادة الإعمار للعمل في المناطق الجنوبية الشرقية من العراق، وقال أولسين في اثناء وجوده في البصرة «إن عملاً على جانب كبير من الأهمية ينتظرنا في الجزء الأكثر تعرضاً للمعاملة السيئة». إن الفوضى المفاجئة التي لم يكن من المستطاع السيطرة عليها التي اندلعت في أعقاب سقوط صدام حسين لاتزال تؤرق العراق حتى بعد مضي قرابة الشهر على تلك الأحداث. الكثير من المحال التجارية لاتزال مقفلة تحسباً لأي إطلاق للنيران،وآخرون يغلقون محلاتهم في وقت مبكر حتى يتمكن موظفوها من العودة إلى منازلهم قبل حلول الظلام، كما أن نظام الإتصالات الهاتفية يعاني من التدمير الشديد مما يحمل الكثيرين على الإعتقاد بإحلال الخدمات الخليوية محل الخطوط الأرضية، وفي ظل عدم توفر الكهرباء والماء في أنحاء كثيرة من البلاد فإن الكثير من العراقيين يعتقدون بأن الولايات المتحدة قد خططت للحرب على نحو افضل من تخطيطها للمرحلة التي أعقبتها. وفيما كان غارنر يلقي خطابه، كان خمسة من أفراد شرطة المرور يقومون بمراقبة السير في واحدة من أكثر نقاط التقاطع ازدحاماً بالسيارات بحي المنصور متفائلين بغد أفضل ولم يكن بحوزتهم غير مسدس قديم بال أما الزي الذي كانوا يرتدونه فهو البنطلون الأزرق والقميص الرسمي الأبيض. وقد صرح أحد هؤلاء الرجال والذي لم يشأ أن يذكر اسمه «إن غالبية الضباط يفضلون البقاء في منازلهم لأنهم لايملكون مسدسات، في الوقت الذي يحمل فيه اللصوص البنادق، كما أنه لاتوجد لديهم ملابس رسمية لقد أقدم الاميركيون على نزع شاراتهم،هكذا أمام مرأى من الناس في الشوارع هل تتصور أن أحداً سينظر إلينا بعد ذلك باحترام ؟».إن أجزاءً كثيرةً من العراق، بما في ذلك بغداد، مازالت تعيش على حافة الفوضى، في ظل تواجد قوات التحالف التي لايبعث وجودها سوى القليل من الراحة. وفي أحد الأيام قام أحد المسلحين بإطلاق النار باتجاه سيارة لأحد الصحافيين في أثناء مروره برجلين يسيران مترنحين في شارع واقع وسط أحد الأحياء السكنية بملابس مخضبة بالدماء، مما يوحي إلى أنهما ربما كانا ضحيتين لتبادل لإطلاق النار. وكان مئات من اللصوص قد شوهدوا يتفقون داخل وخارج أحد قصور صدام حسين في اليوم الذي سبقه- وهوقصر كان قد تعرض للنهب من قبل وكان تحت حراسة القوات الاميركية. ورغم أنه كان قد تم استدعاؤهم للقيام بمهمات أخرى بسبب اعتقاد القادة بعدم وجود أشياء في القصر تستدعي الحراسة، إلا أنهم ما أن تلقوا أنباء عن أعمال النهب حتى عادوا مزمجرين إلى هناك، وحدث إطلاق للنيران استمر لمدة 20 دقيقة كانوا يسعون خلالها إلى إصابة عجلات سيارة يستقلها اللصوص وإطلاق النار فوق رؤوس أولئك الذين يلوذون بالفرار. ورغم أنه لا يعرف إن كان أحد اللصوص قد قام بإطلاق النار على الجنود أو أن النيران التي أطلقت جاءت كلها من جانب القوات الأميركية، إلا أن الجنود قاموا بمصادرة كميات كبيرة من الأسلحة. وفي مركز الشرطة في بغداد، قام ضابط شرطة بإخراج أربع فواتير متغضنة من محفظته فعلى الرغم من استلامه راتب الطوارئ من أجل العودة مرة أخرى إلى عمله، إلا أنهم لم يسمحوا له بأداء وظيفته. اشتكى «ان الجنود الأميركيين» لايسيطرون على الشوارع ولايسمحون لنا بالسيطرة عليها إن الآلاف يريدون أن يعملوا ونحن نعرف أماكن وجود الأسلحة، وأماكن وجود اللصوص». وعندما دخل إلى القاعة عدد من الرجال المطالبين بإجراء تحقيق في حادث مقتل أحد الأصدقاء قال الضابط الذي طلب عدم ذكر اسمه «إننا لانستطيع الخروج من هنا». ورفع ضابط آخر كان موجودا داخل المركز يدعى جبار العقيلي كم قميصه إلى الأعلى ليكشف عن طعنة تم تضميدها «لقد كنا نعمل حتى قبل تلقينا أوامر بذلك من الأميركيين، وقد القينا القبض على بعض اللصوص وبعد ذلك أطلقوا علينا النار وتسببوا بجرحي وفي أثناء فرارنا، قام الاميركيون بإلقاء القبض علينا ثم كبلوا أيدينا بالأغلال. وفيما هي لاتزال تدرب وتدقق - بعض من كانوا قريبين من نظام صدام حسين وكانوا يعملون كجواسيس أو متعاونين في الخفاء ـ فإن القوات الاميركية مازالت تتوخى الحذر والتروي في اتخاذ قرارت بعودتهم إلى العمل. يقول أحد الضباط الأميركيين «رغم أن هؤلاء سيعودون، إلا أن الكثيرين لم يجهزوا بعد». ترجمة: مريم جمعة فرج عن «لوس انجلوس تايمز»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات