الاثنين 11 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 12 مايو 2003 سيبرهن الموقف الذي تبنته فرنسا حيال القضية العراقية على انه علامة فارقة في التاريخ. فعندما عارض الرئيس الفرنسي جاك شيراك حرب الولايات المتحدة الاستباقية ضد صدام حسين، تلك الحرب التي شنتها اميركا بهدف السيطرة على الشرق الاوسط، كما تم اعلان ذلك بوضوح، فإنه لم يفعل ذلك لانه يؤمن بالشرعية الدولية فحسب، وانما ايضاً لانه على علم بحقائق الاوضاع في العالم العربي اكثر من المنظرين الجدد. وجاء شيراك في موقفه ليمثل القائد الاوروبي الذي عبر بأفضل شكل ممكن عن المخاوف والمشاعر بعدم الثقة من جانب اوروبا القديمة، وتأتي المشكلات التي يمكن ان تتسبب فيها الاستراتيجية الطموحة التي يتبناها الرئيس الاميركي جورج بوش لتبرر ولو بصورة جزئية موقف شيراك. فلا توجد دولة في العالم يمكن ان تنظر اليها الدول الاخرى على انها قوة يعتد بها لا لشيء إلا لان هذه الدولة ترى نفسها قوية، وهذا الامر ينطبق خصيصاً على الولايات المتحدة التي بدورها تلعب دوراً كبيراً في لعبة القوة. لقد كان هناك خياران بشأن القضية العراقية. اما الخيار الاول، والذي اختاره رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، فهو المشي على خطى الموقف الاميركي على اساس ان هذا الموقف، يعطي فرصة افضل لاضفاء قدر من الاعتدال والتوسط على سياسة بوش، غير ان هذه السياسة تخللتها المخاطرة المتمثلة في ان ينظر الى بلير على انه «كلب بوش» كما صورته بعض الصحف البريطانية وذلك في مقابل ان يحصل على قليل من التنازلات. اما الخيار الثاني فلم يتضمن معارضة اميركا فحسب ولكن ايضا ان يكون هناك الوسيلة اللازمة للمحافظة والابقاء على هذا الموقف المعارض والقدرة على استقطاب اكبر قدر ممكن من الدول المؤيدة لوجهة النظر هذه عن طريق الاقناع وليس الضغط والتهديد. كما ان هذا الموقف يتطلب التوصل الى سياسة اوروبية قادرة على تضخيم تأثير المعارضة الالمانية والفرنسية للحرب على العراق وذلك من منطلق انه لا يوجد دولة واحدة في العالم تستطيع بمفردها معارضة الدولة العظمى الوحيدة في العالم، فضلاً عن ذلك فإن الامر يتطلب وجود ثوابت وقدرات اقتصادية تستطيع توفير الاحترام اللازم لهذه السياسة المعارضة للحرب. ولكن ماذا حدث عند معارضة الحرب؟ أولاً ومنذ اللحظة الاولى لاعلانها عدم موافقتها على الموقف الاميركي في مجلس الامن الدولي، قامت فرنسا على لسان شيراك بتوبيخ بعض الاعضاء المتوقع انضمامهم في المستقبل الى الاتحاد الاوروبي، بسبب تأييدهم لمن وصفهم شيراك «بتجار الحروب» في البيت الابيض، ولكنه عندما شن هذا الهجوم لم يوفق شيراك في التعرف على الفارق بين الاعضاء الموجودين في الاتحاد الاوروبي الذين كانوا مناهضين للحرب بشكل كامل، وحكوماتهم. كما انه بفعلته هذه استعدى عليه الكثيرين ودعّم قبضة الاطلنطيين في حلف الناتو. وفي واشنطن ولندن، كان الرأي يتمثل في انه خلال عام، اي بمجرد ان يتم توسيع نطاق عضوية الاتحاد الاوروبي لتضم 25 دولة، فإن نفوذ فرنسا سوف يضعف وذلك لان الاغلبية ستكون حينذاك من دول حلف الاطلنطي. والآن يصعب القول بأن الحكومات الفرنسية المتتابعة سواء كانت يمينية او يسارية كانت غير قادرة على توقع عواقب توسيع الاتحاد الاوروبي، وهو الاتجاه الذي كانت تؤيده تلك الحكومات. ومن اجل ان تكبح جماح طموحات بلير المتمثلة في السيطرة على اوروبا، احتاجت فرنسا ان تقوي مصداقيتها واستقامتها في اتخاذ القرارات، وذلك عن طريق تحاشي التصرف بالقدر نفسه من الفظاظة والفجاجة، مع شركائها الذي تصرفت به اميركا مع حلفائها، والعمل على احترام معاهدة الاستقرار ذلك الاتفاق الذي تم تعريفه مبدأياً على انه درع يحتمي به عندما انضمت دول البحر المتوسط الى منطقة اليورو، ولم يأت استهزاء فرنسا بمعاهدة الاستقرار هذه، حيث ترى باريس ان المصلحة القومية تأتي أولاً، بأى شيء من شأنه تقوية ودعم صورتها وموقفها. فأوروبا بما تعانيه من معدلات نمو منخفضة ومعدلات بطالة مرتفعة وانقسامات حيال القضايا الاقتصادية والاستراتيجية لا تستطيع الاضطلاع بدور كبير على المسرح العالمي، وهذا الامر ينطبق بشكل اوضح على فرنسا التي تعاني مشكلات بشأن المضي قدماً في تنفيذ بعض الاصلاحات الحيوية بالبلاد، وتأتي هذه المشكلات التي ليس هناك بالضرورة عذر قوي لظهورها، كنتيجة مفهومة ومنطقية لعدم تمتع الحكومة إلا بأغلبية ضئيلة في البرلمان.. إلا ان اليمين الآن يبسط يده على جميع ادوات السلطة في البلاد. ولقد بدأ شيراك في اصلاح نظام المعاشات الحكومي.. ولكنه في الوقت نفسه سمح لعجز الميزانية ان يخرج عن نطاق السيطرة عن طريق خفض الضرائب وزيادة الانفاق العام، وهي كلها سياسات لها مردودها السياسي ولكن لا يمكن تبريرها اقتصادياً. فبدلاً من تقوية ودعم فرنسا، فإن هذه السياسات سوف تضعف الدولة في الوقت الذي ستتعرض فيه البلاد الى تهديدات اميركا للاخذ بالثأر وانتقادات قوية بشكل غير مسبوق، فلو كانت الاهانات التي وجهها المحافظون الاميركيون لفرنسا والتي لقت تأييداً من لندن تستهدف على سبيل المثال اعضاء جماعة عرقية ولا تستهدف الفرنسيين لكان من الممكن ان يتم استدعاء اصحاب هذه الاهانات امام القضاء واتهامهم بالعنصرية، ويمكن للمرء ان يتخيل ماذا كان سيحدث لو كانت احدى الصحف الفرنسية استخدمت لغة مشابهة في الهجوم والتجريح ضد بوش. غير انه من الخطأ ان نفترض ان هذه المشاعر العدائية ضد الفرنسيين ـ أو تلك التصريحات المنقولة عن كوندوليزا رايس، مستشارة الامن القومي الاميركي، التي قالت فيها ان الولايات المتحدة ينبغي لها ان «تعاقب فرنسا وتتجاهل المانيا وتسامح روسيا» ليست اكثر من مجرد اظهار لموجة تطرف مؤقتة ستنتهي مع ذهاب بوش. ومصدر الخطورة من الولايات المتحدة الاميركية يتحرك في اتجاه الغرب الاوسط والجنوب، أو بعبارة اخرى في اتجاه المسيحيين الذين يسكنون المناطق الجنوبية المعروفة باسم «الحزام الانجيلي» وهو الامر الذي يتضح عند سماع التصريحات المتشددة للرئيس الاميركي. فعدم ثقته في اوروبا وبالتالي في فرنسا التي يبدو انها ستكون كبش الفداء لما حدث، امر يشاركه فيه بعض الديمقراطيين، فعن بداية رئاسته قال الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون ان مستقبل اميركا يقع في آسيا وليس في اوروبا، وعبر عضوان محترمان في مجلس الشيوخ من الديمقراطيين، وهما جوزيف ليبرمان وجوزيف بيدن، عن تحفظاتهما بشأن اوروبا ولم تختلف أرائهما في هذا الصدد بشكل كبير عن أراء بعض الجمهوريين. والامل المعلق على ان يأتي رئيس ديمقراطي في اميركا يطلق بداية جديدة للعلاقات الفرانكو ـ اميركية قد يتبين انه سراب، لذا فإنه من الافضل لفرنسا ان تعمل اولاً على امتلاك القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تجعل صوتها مسموعاً في العالم، وإلا فإن الاميركيين ربما يجدون الامر مغرياً ان ينظروا اليها كبلد لا يملك وسيلة ما يريد ان يشتريه على حد تعبير مواطن تكساس. ترجمة: حاتم حسين _ عن «لوموند»