اللغز لا يزال يحير متابعي وقائع الحرب، دراسة لسبع معارك ونطاقين دفاعيين تؤكد نجاة معظم عناصر الحرس الجمهوري

الاثنين 11 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 12 مايو 2003 خلال القصف الجوي الاميركي العنيف الذي تعرضت له قوات الحرس الجمهوري العراقي جنوب بغداد، كان القادة العسكريون الاميركيون يتحدثون بلهجة ضارية عما يفعلوه بقوات النخبة العراقية هذه. ومن ذلك ما قاله اللفتنانت جنرال مايكل موسلي من القوات الجوية الاميركية في 5 ابريل الماضي، وهو اليوم الذي بدأ فيه الجيش الاميركي دخول بغداد: «أجد من المثير للاستغراب ان اسمع العامة وهم يتحدثون عن أننا كنا نضعف دفاعاتهم. اننا لم نكن تضعفهم. لقد كنا نقتلهم لاحقا لذلك ركز البنتاغون في التقويم الذي وضعه للخسائر في صفوف الحرس الجمهوري على الدمار الذي لحق بمدرعات الحرس، واستنتج على سبيل المثال انه حوالي 25 دبابة فقط من اصل 800 لم تدمر بعد أو لم يهجرها جنودها. لكن اللغز المحير الذي لا يزال دون حل هو ما الذي حل بالالوف من جنود الحرس الجمهوري ا لذين كانوا متمركزين خارج بغداد، وتعرضوا لهجمة اشرس قوة جوية في العالم؟ لقد حاولنا حل هذا اللغز بتفحص الخطين الدفاعيين اللذين كان الحرس الجمهوري ينتشر فيهما جنوب بغداد، وركزنا على سبع معارك رئيسية هي الهندية والحلة والكوت واليوسفية والمحمودية والصويرة والدورة. وقام مراسلونا بمسح تلك المناطق للتعرف على نتائج هذه المعارك، بما في ذلك تفقد القبور وزيارة المستشفيات ومقابلة شهود العيان. كما تحدثوا ايضا مع جنود الحرس الجمهوري الناجين حول هربهم ومصير رفاقهم الذين لم يهربوا. الادلة التي جمعها مراسلونا تشير الى ان قلة نسبية من جنود الحرس الجمهوري قد قتلوا في المعارك. وتبعا للأوصاف التي سمعها هؤلاء المراسلون فان القوات العراقية قد نجت من القصف الجوي أساسا ببقائها بعيدا عن الدروع التي كان الطيارون الاميركيون يستهدفونها بالاسلحة دقيقة التوجيه. ثم حين بدأ تقدم المدرعات الأميركية، فان قوات الحرس الجمهوري كانت في معظمها تهرب. الكثيرون منهم تصرفوا من تلقاء انفسهم بدافع الخوف والحرص على السلامة. بل ان احد ضباط الحرس الجمهوري الكبار قال لنا ان الجنود كان يؤمرون فعليا بهجر مواقعهم. وربما يساعد هذا في فهم السبب الذي جعل جنود الحرس الجمهوري الخاص المنتشرين داخل بغداد ليكونوا الخط الدفاعي الأخير عن النظام العراقي، لا يبدون عمليا أي مقاومة امام استيلاء القوات الأميركية على المدينة وهم يرون ان هيكل الحرس الجمهوري بأكمله يتهاوى حولهم. لابد ان صدام حسين كان يعلم ان الحرس الجمهوري لن يستطيع بما لديه من امكانيات ان يوقف زحف القوات الأميركية على بغداد، لكنه ربما توقع انهم قد يعرقلون هذا الزحف. ومع تقدم القوات الاميركية داخل العراق، انطلاقا من الكويت، نشرت القيادة العراقية اربع فرق، هي المدينة وبغداد ونبوخذ نصر وحمورابي جنوب العاصمة العراقية وفق قوسين دفاعيين. القوس الخارجي الذي امتد حوالي 160 كيلومترا كان يغطي جبهة ممتدة بين كربلاء والكوت. اما القوس الداخلي بطول 48 كيلومترا فامتد بين اليوسفية والصويرة. لكن من غير الواضح عدد الجند الذين حشدوا في هاتين الجبهتين. المعلومات النظرية تقول ان كل فرقة من الفرق العراقية الاربع كان قوامها قرابة 10 الاف جندي، لكن المصادر الاستخباراتية الأميركية تقول انها كلها كانت تفتقر للرجال. ويقدر مسئولو البنتاغون والخبراء الاخرون عدد جنود الحرس الجمهوري الذين انتشروا جنوب بغداد، والذين اصطدموا بالقوات الأميركية الغازية، بما لا يزيد اجماليه عما يتراوح بين 16 و24 ألف جندي. كانت القوات الاميركية تضرب هذه القوات المدافعة أولا من الجو. وفي كثير من الاحوال كانت الطائرات الاميركية بدون طيار للاستطلاع تحدد مواقع تمركز المدرعات العراقية قبل ارسال القاذفات لتدميرها. وتقول المصادر ان 70 في المئة من 28 الف قنبلة اسقطتها الطائرات والصواريخ الاميركية في العراق كانت دقيقة التوجيه، وان نصف هذه القنابل كانت من نصيب قوات الحرس الجمهوري. بالحكم على الأمور ميدانيا، كان جزء كبير من هذا القصف جراحيا ودقيقا ففي احد الاسواق المفتوحة في المحمودية، هناك خمس دبابات مدمرة في أزقة ضيقة منعتها حتى من تدوير ابراجها. كانت واجهات المحلات حول المكان مدمرة، غير ان المباني الابعد قليلا بقيت سليمة. في بعض الاحوال حاول الحرس الجمهوري اخفاء دبابة عن الطائرات بوضعها تحت الجسور والتحويلات فوق العراق، لكن هذا لم يحمها من القذائف الموجهة بالليزر التي كانت تضربها من الجوانب مع بقاء الجسور فوقها سليمة. وفي مناطق اخرى كانت الدبابات والعربات مدمرة، وهي متوقفة تحت الاشجار ويبدو ان العراقيين لم يعتقدوا ان الاشجار لا تستطيع اخفاء شيء عن اجهزة الرؤية الحرارية. هذه الهجمات كانت تقتل بالتأكيد العراقيين الموجودين داخل العربات او قريبا منها لدى قصفها. لكن المواطنين في مناطق القتال يقولون ان كثيرا من المدرعات والآليات المدرعة التي عاينوها بعد القصف لم تكن هناك جثث بداخلها. فقد كان الجنود العراقيون حريصين على عدم النوم داخل أو قرب آلياتهم ومراقبة اي مؤشر على قرب حدوث غارة جوية، مثل ظهور طائرة استطلاع بدون طيار، أو حدوث انفجار في مكان قريب منهم، للاسراع والالتجاء لاقرب فندق. وعلى سبيل المثال، أمر قائد وحدة من الحرس الجمهوري تضم 150 جنديا رجاله بالترحال من الدبابة ومواجهة القوات الأميركية مشاة. ويقول هادي عابد وهو عراقي شاهد تلك المعركة من تلة مجاورة: «كان القائد ورجاله سيلقون مصرعهم لو بقوا داخل دبابتهم». لكن ليس الجميع نجوا. فخارج اليوسفية ثبت 5 رجال من الحرس الجمهوري في موقعهم وهم يواجهون عربات المشاة الأميركية المتجهة شمالا. ويقول شاهد العيان مشعان شريف ان الخمسة تخلوا عن موقعهم بعد اشتداد النيران الجوية التي لاحقتهم بعد فرارهم وقتالهم كلهم بالقذائف الجوية. وقد دفنهم اهالي المنطقة في قبور سطحية وعلقوا قلاداتهم العسكرية التعريفية فوق قبورهم ليعرفهم أقاربهم لاحقا. البنتاغون كانت قد قالت قبل بداية الحرب أنها تأمل بعدم قتل الجنود العاديين، لكنها اوضحت ايضا ان قواتها ستسعى لقتل جنود الحرس الجمهوري الذين لا يستسلمون. وتنتشر جنوب بغداد حفر القذائف التي اسقطتها الطائرات الأميركية في القصف التمشيطي ضد الجنود، ومع تفرق المدرعات والآليات المدمرة على مسافات بعيدة. ربما كان الحرس الجمهوري قد حاول ابقاء مدرعاته بعيدة عن بعضها، بحيث يصعب على الطائرات الأميركية تدميرها بكثافة، مع التخطيط لاعادة تجميعها بسرعة لحظة مواجهة القوات الاميركية الزاحفة. لكن القوات العراقية لم تحصل على هذه الفرصة لأن مدرعاتها تعرضت لخسائر كبيرة، قبل مواجهتها القوات الأميركية المدرعة. يقول العقيد «كريم» الذي يخدم في الحرس الجمهوري منذ 21 عاما ان خطة القيادة العراقية التي هدفت لتأخير تقدم الاميركيين بالاعتماد على الاشتباك من قريب كانت محتومة الفشل منذ البداية. ويضيف العقيد الذي رغب في عدم ذكر اسمه الكامل ان «القيادة نسيت انه ليست لدينا قوات جوية. كان ذلك خطأ كبيرا، التقنية العسكرية الاميركية متطورة جدا قياسا بما لدينا». وعلى الرغم من القصف الجوي المكثف، واصلت قوات كبيرة من الحرس الجمهوري بقاءها قريبا من المواقع المحددة لها لحمايتها. على الاقل كان هناك دافع واحد لهذا، وهو ان عقوبة الهاربين من الخدمة ما دام صدام في الحكم هي الاعدام. لكن النقطة التي بدأت عندها قوات الحرس الجمهوري بالانهيار فعلا هي تقدم القوات البرية الأميركية يقول علي محمد «50 عاما» وهو من اهالي المحمودية ان ضابطا عراقيا أمر 20 من رجاله بالتوجه الى البلدة لمواجهة القوات المتقدمة. وحالما مضوا تنفيذا للامر خلع بزته العسكرية ليتبين انه يلبس تحتها ملابس مدنية ويذهب هو في الاتجاه الاخر. وحينما عرف الجند ما حدث، استداروا هم ايضا وهربوا.يقول محمد انه تحدث مع احدهم. وقال: «لم يكن مستعدا للمجازفة بحياته». وفي العديد من المدن قال لنا الاهالي ان الجنود الذين ليست لديهم ملابس مدنية حاولوا شرائها او استجدائها من السكان. يقول نجاح محمد وهو سائق في الهندية: «تقدم من احد الجنود، واسمه «علي» وعرض علي اخذ بندقية الكلاشنكوف مقابل اعطائه قميصا وبنطلونا. قلت له انه ليس لدي سوى الملابس التي علي».العقيد «كريم» كان في قوة ارسلت للدورة «16 كليومترا جنوب بغداد» للحلول محل قوة من حوالي 150 من الحرس الجمهوري فروا من مواقعهم. ويقول انه احس بالذعر حين اكتشف ان قوته تلك لم تبق متماسكة اكثر من 24 ساعة، ويوضح: «صباح اليوم التالي الذي ارسلنا فيه للدورة، سمع الجنود ان هناك دبابات اميركية في اليوسفية على بعد 11 كيلومترا. وما كان منهم الا ان القوا اسلحتهم وغيروا ملابسهم ومضوا. ومن بين 105 رجال كانوا معي لم يبق سوى ثلاثة رجال: كنت تستطيع رؤية ملامح الانهيار في وجه كل من بقي: ولم يجد «كريم» ورجاله الثلاثة سوى الذهاب الى بيوتهم في بغداد. في حرب الخليج السابقة كانت القوات العراقية التي انهارت معنوياتها تستسلم بالجملة في الكويت، اما في هذه الحرب فكان الجند يستسلمون وهم داخل بلادهم. وفي كثير من الاحيان كان عدم توفر التعليمات والاوامر من القيادة يدفع بقوات الحرس الجمهوري لهجران مواقعها. فعلى سبيل المثال، يقول الملازم «ازاد» الذي رفض كشف اسمه الكامل ايضا نتيجة شعوره بالحرج من ادائه المتواضع في القتال، ان وحدته التابعة لفرقة حمورابي تلقت اوامر بالانسحاب من الصويرة ليلة 5 ابريل، بعد يومين من مواجهتها للطائرات الأميركية. وبعد استعداد قوة «ازاد» للانسحاب بقيت تنتظر الاوامر بخصوص المنطقة التي يتوجب عليها المضي اليها. لكن الاوامر لم تأت. لقد اختفى القادة الكبار. فما كان من ازاد ورجاله الا ان رموا ببزاتهم العسكرية، وتوجهوا سيرا على الاقدام نحو بغداد وهم يحملون اعلاما بيضاء بأيديهم. بل ان القوات العراقية في بغداد،كما ذكر لنا ضابط كبير في الحرس الجمهوري، قد تلقت اوامر بالتوقف عن القتال. ويقول هذا الضابط الذي طلب عدم ذكر اسمه ايضا انه في 6 ابريل، قبل ثلاثة ايام من سقوط بغداد، ارسل في مهمة لامداد عدة وحدات داخل العاصمة. ويضيف انه خلال جولته «رأيت بأم عيني مجموعة من الضباط الكبار وهم يتنقلون من وحدة لاخرى طالبين منها ترك مواقعها والتخلي عن سلاحها والذهاب الى البيوت. «وقال انه رأى وسمع ايضا عقداء ومقدمين يطلبون من جنود المضادات الجوية «التوقف عن اطلاق النيران ضد طائرات العدو». يبدو من هذا الامر، الى حد ما، ان الحرب النفسية الاميركية نجحت بالقاء المنشورات على المواقع العراقية وارسال الرسائل الالكترونية للضباط فقد حاول الاميركيون اقناع العسكر العراقيين بأن مصلحتهم في عدم المقاومة. يقول الجنرال فينسنت بروكس المتحدث باسم الجيش الاميركي في قطر: «كلما استطعنا الوصول للقادة، كنا نتحدث اليهم ونقول ان عليهم اتخاذ قرار وان اولئك الذين يقررون الاستسلام ستسنح لهم الفرصة في البقاء أحياء. وان اولئك الذين يقررون العكس لن يروا يوم غد». المشهد العام جنوب بغداد يحمل الادلة على قتال لم يحدث ابدا فعلى جوانب الطرقات تنتشر الاف الدشم والخنادق والمواقع المحاطة بأكياس الرمل، وكلها منشأة حديثا وموجهة قبالة الجنوب. وبمعاينتها يتضح ان معظمها لا يحتوي على ظرف طلقة فارغ او علامات التعرض للرصاص او اي اشارة على حدوث قتال من المؤشرات المعروفة للحرب. واذا ما كان في هذا المواقع مقاتلون، فقد غادروها قبل ان يطلق احدهم رصاصة واحدة اويتعرضوا لرصاصة واحدة. وفي اماكن اخرى لا تزال علامات الانسحاب العشوائي واضحة من بزات عسكرية وقبعات وخوذ وخرائط واقنعة غاز وكتيبات تعليمات. وكان قد اصبح من المعروف للقوات الاميركية ان الكثير من مقاتلي الحرس الجمهوري قد هجروا مواقعهم حتى قبل ان تبدأ التقدم نحو بغداد. وعلى سبيل المثال، في اليوم الذي عبرت القوات الأميركية نحو ضواحي الكوت بقدر قليل من المقاومة على نحو غير متوقع لما قيل عن وجود فرقة المدينة، اخذت هذا القوات تمر بجانب ارتال طويلة من الشبان يمشون على جوانب الطرقات. يقول الكولونيل بريان ماكوي من مشاة البحرية عن ذلك اليوم: «لم يكن لدينا شك في ان هؤلاء كانوا من قوات الحرس الجمهوري، الذين استرحنا من مقاتلتهم في اليوم السابق». وحينما بدأت القوات الأميركية تقبض على منتعلي الاحذية العسكرية، بدأ هؤلاء يمضون حفاة او بأحذية مدنية حصلوا عليها بطريقة ما. غير ان ظهور الالاف من جنود الحرس الجمهوري احياء لا ينفي قتل كثير من رفاقهم ايضا. غير ان ما يقوله المدنيون لا يشير الى وقوع خسائر بشرية عالية بين صفوف الحرس الجمهوري. ففي مقبرة ارتجلها سكان الدورة في احد البساتين هناك 34 قبرا. لكن الاهالي يقولون ان ستة منها فقط هي لعسكريين والباقي لمدنيين. اما في المحمودية فيقول داوود جاسم مساعد مدير المستشفى هناك ان 50 جثة احضرت الى المستشفى بعد معارك يوم 3 ابريل، لكن اكثر من نصفها كان لمدنيين. وفي الهندية يقول نجاح محمد، الاطفائي الذي يعمل ايضا في غسل الموتى، انه كفن جثث تسعة جنود في احد المساجد يوم 3 ابريل. وقد دفن هؤلاء خلف المسجد. يقول الجنرال ستانلي مكريستال نائب مدير العمليات في هيئة الاركان المشتركة الاميركية: «الكثير من جنود الحرس الجمهوري ذهبوا الى بيوتهم احياء وعاودوا حياتهم في ديارهم من دون مشكلات». ويقول بروكس ان بعض هؤلاء الذين بقوا أحياء من الحرس الجمهوري قد يعاودون القتال في حرب عصابات لاحقا ضد الأميركيين. ويضيف: «لا نعتقد ان كل هؤلاء سيختفون. لكننا لا نعرف عدد اولئك الذين قرروا رمي سلاحهم ومغادرة ميدان القتال والمضي الى بيوتهم دون رجعة».غير ان اولئك الذين تحدثنا معهم من الناجين من الحرس الجمهوري هم مزاجيا ابعد ما يكونون عن التفكير في هذا. وهم اكثر استغراقا في التعامل مع مصيرهم من ان يفكروا في معاودة القتال. يقول كريم: «الوضع مرير جدا. انا في عمر 39 عاما. لقد تربيت في ظل نظام صدام. ربما لا اكون قد احببت ذلك، لكن كنت افكر في شراء بيت، وفجأة انتهى كل شيء». اما ازاد، الملازم الذي هرب في الصويرة، فيقيم الآن في بيت عمه في بغداد من دون ان يكون لديه ما يفعله سواء تدخين السجائر وشرب الشاي. ويقول: «ما حدث صدمني. لقد سمعنا عن المقاومة التي ابدتها قوات الجيش النظامي في البصرة، ولهذا كنا واثقين من اننا نحن الحرس الجمهوري سنكون اكثر شدة في مواجهتهم. لكننا لم نقاتل. اشعر بالخجل مما حصل». ترجمة: جلال الخليل _ عن «تايم»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات