الاثنين 11 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 12 مايو 2003 اذن، انها نهاية الحرب في العراق، فهل الامر كذلك؟ اذا كان هناك من يعتقد ان جورج بوش الابن قادر على ايهام الناس بأن هذه المقولة حقيقية من على متن حاملة الطائرات ابراهام لنكولن الاسبوع الماضي ـ «لقد انتهت العمليات الحربية الرئيسية»، كانت العبارة التي استخدمها مساء يوم الخميس الماضي ـ فعليه ان يلقي نظرة عن كثب على الخطاب القصير الحذر والمتشائم لوزير الدفاع رامسفيلد امام الجنود الاميركيين في بغداد قبل ذلك بيوم. لقد كان الخطاب مفعماً بكل الخرافات المعتادة: «جموع» العراقيين الذين اندفعوا للترحيب بالاميركيين يوم «تحريرهم» لبغداد، و«أسرع زحف على عاصمة في التاريخ العسكري الحديث» الامر الذي حققه الاسرائيليون في ثلاثة أيام عام 1982. ولكن السطر الرئيسي انزلق في النهاية. فقد قال انه لايزال يتعين على الاميركيين «اقتلاع شبكات الارهاب العاملة في هذه البلاد». ما الذي يقوله هذا الرجل؟ وعن اي شبكات ارهابية يتحدث؟ وقد يتساءل المرء: من الذي يقف وراء هذه الشبكات الارهابية الغامضة «العاملة» في العراق؟ انا لديّ فكرة جيدة عن هذا الامر. فقد لا تكون هذه الشبكات موجودة بالفعل حتى الان. ولكن رامسفيلد يعلم (وقد ابلغ بذلك من قبل الاستخبارات الاميركية) ان حركة مقاومة متنامية للاحتلال الاميركي تختمر في العراق. وتعتقد جماعة المسلمين الشيعة ـ المدعومة الآن من افراد لواء بدر المدربين في ايران ـ تعتقد ان وجود الولايات المتحدة في العراق يستهدف نفطه. وهي تشعر بالغضب ازاء المعاملة الاميركية للمواطنين العراقيين، ففي غضون ثلاثة ايام من الاسبوع الماضي، قتل 17 متظاهراً على الاقل من المسلمين السنّة، اثنان منهم كانوا اطفالاً دون سن الحادية عشرة. كما انها غير مهتمة بمحاولات واشنطن تشكيل حكومة «انتقالية» موالية لأميركا. وحتى اثناء الحرب، كان بامكانك ان تسمع مثل هذه المشاعر. وكان الشيعة يخبروننا: «نعم، ان بمقدور الاميركيين ان يتخلصوا من صدام». ولم يكد احد يشكك في شراسته. ولكن هذا الشعور كان دائماً متبوعاً برغبة في التخلص من الاميركيين فمعظم الضحايا المدنيين للقنابل الاميركية والبريطانية كانوا من الشيعة وبالأخص حول الناصرية والحلة، وهو سبب اخر من الاسباب التي جعلت الاميركيين الداخلين الى بغداد ـ حيث قامت مدرعة اميركية باسقاط تمثال صدام الشهير ـ لا يجدون استقبالاً بالورود والاهازيج. لقد قال الرئيس بوش امام انظار العالم مؤخراً ان المدنيين العراقيين عندما ينظرون الى وجوه الجنود الاميركيين، «فإنهم يرون القوة واللطف والنية الحسنة». ان هذا غير صحيح، سيادة الرئيس بوش، فهم يرون احتلالاً. من الممكن الان التعرف على بعض الملامح المألوفة في تقدّم عملية الاحتلال مثل سلسلة الحوادث الوحشية التي لا يلام ولن يلام الأميركيون على وقوعها. وتماماً مثلما هو الحال مع الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، فإن قتل المدنيين لا يكون أبداً ذنب المحتلين. والولايات المتحدة لم تقدم أي اعتذار للسائق والعجوز اللذين أطلقت النار عليهما وقتلا من قبل القوات الأميركية ولا للفتاة الصغيرة والشابة اللتين أصيبتا بجروح بالغة في مأساة شهدها مراسل القناة الرابعة البريطانية، والسلسلة لا تقتصر على ذلك، فهناك عائلة قتلت باطلاق النار على سياراتها جنوبي العراق، ومصورون قتلوا في فندق فلسطين بالاضافة إلى 15 عراقياً من بينهم طفل على الاقل، قتلوا في الفالوجة، وبالنسبة للأميركيين الأمر دائماً «دفاع عن النفس»، غير ان الأمر الغريب هو ان عدداً ضئيلاً من الأميركيين، هذا ان وجد أصلاً، قد أصيب بجروح خطيرة في هذه الحوادث بالطبع، لابد ان هناك مسلحين يطلقون النار على الاميركيين، ولكن الشواهد تشير إلى انه لا يوجد الكثير منهم، وتشير الشواهد أيضاً إلى ان هذا العدد سيزداد قريباً جداً، وما عليك إلا ان تلاحظ مدى عمق اعجاب الشيعة العراقيين بحزب الله اللبناني لكي تفهم مدى استيعابهم لفن المقاومة على طريقة حرب العصابات. وهؤلاء الذين يلقون مساعدة من إيران أو تعلموا في غرف التعذيب لدى صدام لن يتلقوا أوامرهم من الجنرال السابق جاي غارنر، الذي يعرف الجميع في العراق بأمر رحلته مدفوعة النفقات إلى اسرائيل من أجل التعبير عن اعجابه بـ «ضبط النفس» الذي مارسه الجيش الاسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. كما انهم يدركون تمام الادراك ان الشركات الاميركية الكبرى تستعد لجني الملايين من بلادهم المحطمة. وبدون الانتظار حتى تقوم أي حكومة «انتقالية» باتخاذ هذه القرارات، دعت الوكالة الأميركية للانماء الدولي الشركات الأميركية متعددة الجنسيات إلى تقديم عروضها لجميع المشروعات من اعادة تعبيد الطرق إلى الكتب المدرسية الجديدة، وقد اختطفت شركة أميركية هي «ستيفدورنغ سيرفيسيز أوف أميركا» عقداً بقيمة 8,4 ملايين دولار لادارة ميناء أم قصر، ومن المتوقع ان يقوم مديرو شركات نفط أميركية والعديدون منهم أصدقاء لجورج بوش ومحل اعجابه من المتوقع ان يقوموا بزيارة وزارة النفط العراقية (وهي واحدة من بين وزارتين عراقيتين قام الأميركيون بانقاذها بأعجوبة من اللصوص) وذلك في غضون أسبوع. إن العراق اليوم لا يشبه دولة في الطريق إلى الديمقراطية، وإنما يشبه المأساة التي استقبلت البريطانيين عندما انتهى الاحتلال الألماني لليونان في عام 1944. فقد ضمن هتلر، شأن صدام ، وجود الكثير من الأسلحة المتروكة لاشعال مقاومة تتخذ شكل حرب العصابات ضد الحكام الجدد، وقد دعم تشرشل حكومة جورج بابندريو ـ أحمد الجلبي اليوناني ـ ولكن مقاتلي إلاس الشيوعيين أرادوا السلطة. وكانوا قد قاتلوا النازيين منذ الغزو الألماني في عام 1941، شأن الكثيرين من المسلمين الشيعة حالياً، وتخوفوا من ان يتم استبعادهم من السلطة من قبل نظام جديد موال للحلفاء. وهكذا تحوّل «تحرير» أثينا بسرعة إلى معركة ضارية بين القوات البريطانية (حل محلهم الأميركيون في العراق) والشيوعيين الذين تلقوا الدعم على مدار سنوات من الاتحاد السوفييتي. ومقابل روسيا في حينه، توجد إيران الان. وبزعمه انه يؤيد الحرية، أشار تشرشل إلى ان «الديمقراطية ليست مومساً تلتقط من الشارع على يد رجل يحمل بندقية». ولكن عندما تم فرض القانون العرفي من قبل البريطانيين ( وهو أمر قد يضطر الأميركيون إلى التفكير فيه) أبلغ تشرشل بلهجة أقل لطافة القائد البريطاني في رسالة سرية بأنه يجب «ألا تتردد في التصرف وكأنك في مدينة مهزومة». وفي معارك عديدة كانت هناك محاولات لايجاد وسيط ما ـ شأن الاجتماعات اليائسة في الفالوجة الأسبوع الماضي بين العراقيين والأميركيين. وفي النهاية استطاع تشرشل ان يستعين النظام لسبب واحد وهو أنه حصل سراً على موافقة ستالين بأن تظل اليونان في المنطقة الغربية من أوروبا، ونتيجة لذلك دفعت بلغاريا والمجر وبولندا ودول أخرى في أوروبا الشرقية الثمن. ان عناصر التشابه غير متطابقة بالطبع، والفرق الرئيسي اليوم هو ان الدولة التي قد تكون قادرة على مساعدة واشنطن كما ساعد السوفييت لندن هي ايران، وايران، وبعيداً عن كونها حليفاً متقلقلاً، تعتبر جزءًا من «محور الشر» الذي تكلم عنه الرئيس بوش، مما يثير مخاوف من ان تكون الهدف التالي على قائمة الاهداف الاميركية، وبالتالي فإن التنبؤات في هذا الاتجاه غير متوفرة. بوش يقول ان الحرب قد انتهت، أو كلمات بهذا المفهوم، ثم تبدأ المقاومة الشيعية في توجيه ضربات مؤلمة للأميركيين في العراق، وبالطبع، سيكون رامسفيلد قد حذّر من ذلك، وستوصف المقاومة بالوصف الشهير «كشبكات ارهابية» لا يزال يتعين قتالها في العراق، وستتهم ايران ـ وبلا شك سوريا ـ بدعم هؤلاء الارهابيين. والفرنسيون، من جانبهم، فعلوا الشيء نفسه تقريباً في حربهم ضد جبهة التحرير الوطني في الجزائر في الفترة من عام 1954 ـ 1962، كانت تونس تعتبر ملومة عن تلك الحرب، وكذلك الحال بالنسبة لمصر، إذن كونوا جاهزين لمشاهدة الجزء الثاني من الحرب على العراق يحوّل إلى المرحلة التالية من «الحرب على الارهاب». بقلم: روبرت فيسك _ ترجمة : ضرار عمير عن «اندبندنت»