الاثنين 11 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 12 مايو 2003 سيدخل يوم سقوط بغداد، مع علم الولايات المتحدة مغطياً وجه تمثال صدام، التاريخ كبداية «للسلم الأميركي» وكمستهل مرحلة خواء عالمي اكبر، هذا عندما نملك مزيداً من التصورات لتأمل تبعات ذلك اليوم وذاك السقوط. فالطاغية العراقي لم يستحق ان يرمز إليه كمفصل تاريخي في هذه البداية للألفية الثالثة. أما رد فعل المجموعة الضئيلة من المواطنين الذين تعاونوا في عملية الهدم المكلفة، فلقد بدا وكأنهم محددون معالم المستقبل كله. اما فرحهم بسقوط صدام الذي اشبعوا وجهه ضرباً بالأحذية ـ اقصى اهانة في ثقافتهم ـ وسخطهم على بادرة الجندي الاميركي الذي وضع على رأس صدام علم الولايات المتحدة، فليسا الا خلاصة او لمحة كاشفة لما ينتظر المحتلين. سقطت العاصمة العراقية بدون مقاومة تقريباً، ومثل باقي ارجاء العراق راحت تسقط اوراق اللعبة الفاحشة، على الرغم من عدم ظهور صدام، كما بدأت بالسقوط أيضاً أكاذيب هذه الحرب. ترى أين ومتى سيعثرون على التهديدات بالنسبة للسلام العالمي؟ يقولون لنا، مصوبين إلى أهداف اخرى انه توجب عليهم نقل الأسلحة وأوراق اللعبة إلى سوريا أو انهم يهددون الايرانيين كي لا يتدخلوا في المجتمع العراقي، على اعتبار ان هذه المسألة شأناً داخلياً عراقياً ومن اختصاص الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى. حتى اليوم يمكن الابقاء على شكوك حول وجود بعض ترسانة اسلحة التدمير الشامل، كما انه يجب الا يستبعد حدوث مفاجأة ما على الرغم من عدم توظيف هذه الأسلحة حتى على سبيل اليأس، لانها يمكن ان تكون قد سلمت لمجموعات عدمية كورقة أخيرة حيث يمكن ان تكون التهديدات الكامنة قد زادت، لكن باستثناء الرأي العام الاميركي فإن الرأي العام العالمي لن يؤمن بأي اكتشاف لا يكون معتمداً من قبل مفتشي الأمم المتحدة، بحيث تظهر مجدداً ضرورة الشرعية الدولية المنتهكة والناقصة إلى حد كبير في هذه المهمة ومهام أخرى مستقبلية. لدينا التزام التصدي للمستقبل بشيء اكثر تفاؤلاً حيال ما يسمح بما نشاهده، لكن من الصعب ايجاد الحيز لذلك. فإذا كانت قوة إسرائيل المدعومة بشكل غير مشروط من قبل الولايات المتحدة، غير قادرة على كسب السلام امام انتفاضة في ارض محدودة على الرغم من انها قادرة على كسب حروب ضد مصر وسوريا والأردن في الوقت نفسه، فما الذي بوسعنا انتظاره حدوثه في العراق أو في محيطه المعقد. ان القدرة التقنية والقدرة المتراكمة لكسب الحرب تفتحان مرحلة تاريخية مغايرة في الميدان العسكري الصرف. مع ذلك ومنذ الحرب العالمية الثانية، لم تتمكن أي قوة من توطيد احتلالها لأي ارض.وفي هذا العصر الذي يصبو إلى «السلم الأميركي» بجديده المتمثل في السهولة الأكبر لهزيمة العدو والمفاجأة والصعوبة الأكبر لكسب السلام، هل يمكن ان يذكر هذا بأن التهديد الرئيسي ـ الإرهاب العالمي ـ لن يتقلص؟ البعض سوف يبدأ بفهم خاتمة الحرب عام 1991، عندما اكتمل تفويض مجلس الأمن الدولي وصرف النظر عن تجاوزه موجداً فراغاً في السلطة كالذي تشهده اليوم ولعلهم يرون الفارق بين رجل خبر العالم مثل بوش القديم وبوش الجديد، المستعد لاعتماره كقبعة، انطلاقاً من الجهل. كثر هم ضحايا هذه الحرب، والأسماء المجهولة التي لن نتعرف عليها ابداً مدفونة مع الأكاذيب الاخرى او الضحايا التي سوف تبقى في شبكيات عيوننا لوقت طويل لأنها ظهرت على شاشة التلفزيون ولأننا نشعر بها بشكل خاص كونها تشكل جزءاً منا مثل أنجيتا بارادو او خوسيه كووسو ـ صحافيان اسبانيان قتلا في الحرب الاخيرة في العراق ـ ولانهما ماتا في حرب رفضها الشعب الاسباني بنسبة 90 بالمئة وكذلك ضحايا المحتلين الذين سقطوا بـ «نيران صديقة» او جراء المعارك الحربية والآن بدأوا بحساب ضحايا الـ «السلام».لذلك لا نريد، نحن الذين لا نتمتع باستعداد رعايا الامبراطورية الطوعية التي ترضي الى حد كبير قيادات الحزب الشعبي الاسباني، ان نعيش في ظل «السلام الأميركي» لأننا نطمح الى نظام عالمي جديد مشيد بين الجميع، الى حكم عولمة لا يأتي من «هيمنة بلا تعقيدات» يقدمها لنا منظرو البيت الأبيض وفضلاً عن ذلك اذا واصلت استراتيجية السيطرة على العالم هذه طريقها ونصرها العسكري واخفاقها السياسي، فإن أفق المعاناة، سوف يصبح أمراً لا يطاق.وهذا الادراك للواقع المعقد كالعالم، هو الذي لا يريد فهمه المتطرفون المتشددون والسطحيون الذين يأخذونا الى ذلك الطريق، مستبعدين اولئك الذين يحذرون مما هو آت والرأي العام العالمي الذي يصرخ كموجة بشرية هائلة، بأن عالماً آخر هو امر ممكن التحقيق. وسوف نسير في طريق اثبات ان هذه النزعة المتشددة ذات الطابع الجديد لا تقلص التهديدات الحقيقية الآتية من التيارات المتشددة العنفية ما يعني ان حالة عدم الأمان سوف تثقل بأزمة اخرى ذات طابع عالمي ايضاً، التي تؤثر على الاقتصاد وعلى تطور الشعوب حيث لن يبقى لا ديمقراطية ولا حرية في البلدان المركزية وفي البلدان الناشئة على حد سواء وحيث لن نشعر بأننا آمنون اكثر وانما اقل مع تقدم هذه الاستراتيجية. لكن ضحايا الحرب الذين اصبحوا كذلك من جراء استراتيجية قمة جزر الأزور لن يبقوا هنالك فالأمم المتحدة وحلف الأطلسي والاتحاد الاوروبي قد عانت من جراح صعبة على الشفاء على الرغم من ان واجبنا يبقى محاولة ذلك. ومع ان الجميع ينادي بدور مهم للأمم المتحدة في مرحلة ما بعد الحرب هذه، لكن تشويش ما قبل الحرب لا يزال مستمراً، كما ثبت ذلك من خلال زيارة توني بلير لبوتين اما المفتاح فلا يزال هو نفسه: بالنسبة للمحتلين بدون تفويض من مجلس الأمن، لن تكون وظيفة الأمم المتحدة تلك التي عهدت بها اليها الشرعية الدولية كضمانة للسلام والأمن بما في ذلك المهمة غير المنتهية للمفتشين واذا توفرت الرغبة بفعل شيء فيجب ان يكون تابعاً لأوامر السلطة الجديدة المثبتة في الوظائف الموكلة إليها. في بلدنا، المحكوم من قبل رئيس وحزب يسأل المعارضة بدون احترام، ولا يلتزم بواجب الرد على تصرفاته، لدينا هذه المشكلة المستفحلة، من خلال مزاج متعجرف وازدراء حيال الرأي العام فنحن لا نعرف اذا كانت قرارات المشاركة في وظائف النظام العام في العراق ستتم بتفويض من الأمم المتحدة ام بتفويض من الولايات المتحدة، رغم انه يبدو واضحاً الخيار الثاني لكن ترى هل ستتحمل الحكومة العواقب ام انها سترمي باللائمة على الآخرين؟ مع علمنا بأن النية معقودة على اضفاء صبغة الشرعية على الاحتلال بعد اقراره ضد مجلس الأمن، وفي المقابل يتواصل اقصاء الذين يعارضون ذلك. لذلك سيتعين علينا اصلاح جوانب التلف في الأمم المتحدة التي اذا لم توجد ـ واحدة بعيوبها ـ سيكون من واجبنا اعادة ابتكارها. من جانب آخر، اضحى حلف الأطلسي، الذي كانت لديه مهمة دفاعية قديمة في مواجهة تهديد الشرق في عالم متعدد القطبية من الماضي، محط ازدراء وتم استبداله بنظرية التحالفات الآنية والانتهازية. وهذا لم يحدث لأوروبا مهما كثرت عيوب الاتحاد الاوروبي. لكني ما زلت اعتقد ان الروابط بين شاطئي الاطلسي مع عناصر بقاء تتجاوز اختفاء الاتحاد السوفييتي. لا يمكن استبدالها بالنسبة لاوروبا، حيث تبرز ضرورة وقف ما عانته من تقهقر واخفاق في الآونة الاخيرة. لكن هذه الروابط تتمتع بالاهمية ذاتها بالنسبة للولايات المتحدة ايضاً، عندما تفهم ان استبدالها بتحالفات الهدف المحدد التي تقوم على نظرية ان عدو عدوي هو صديقي (ابن لادن أو صدام حسين)، لن تنفعها في محاربة التهديد الارهابي العالمي. لذلك ان خطر ضياع الثقة بين الشركاء الدائمين سوف ندفعه جميعاً وسيكون باهظ الثمن. ومع ذلك سيكون ضرورياً الحيلولة دون ان تتورط الامم المتحدة كقوة متعددة القطبية في ما بعد الحرب العراقية، لأن ذلك سوف يوطد الاحساس بالعهد اليهودي ـ المسيحي في مواجهة الاسلام، آخذين بعين الاعتبار ان الاستثناء ـ تركيا ـ لا يجب ان يكون له حضور في العراق لاسباب تاريخية بينة. وحول مشروع الاتحاد الاوروبي كمشروع سياسي، فلقد احدثت حرب العراق به تخريباً يصعب اصلاحه. ترى الا يهم حكامنا مقارنة ذلك مع نتائج الازمة والحرب عام 1991؟ ومن هم الذين فعلوا ذلك بشكل مفجع؟ قليلة هي المرات التي يستطيع المرء فيها القول بأنه يشعر بالفخر بشيء ما، لكن بعد ان التحقنا بركب التخلف الذي فرضه علينا نظام فرانكو طوال ثلاثة عقود زمنية اشعر اني فخور بالانتماء إلى «اوروبا القديمة» التي تستحق بها ادارة بوش وبكوني ساهمت بتطورها السياسي وبالمحافظة على الميل الاوروبي لتشكيل سلطة سياسية اوروبية تكون مرموقة في الحكم العالمي. ولا يروق لي مستقبل ذو دوائر محددة المركز، لكن مصالح بعض الاوروبيين او اخطاء الفراعنة او الاحساسات التاريخية لآخرين، لا تترك طريقاً آخر للتقدم باتجاه اوروبا سياسية قادرة على قول شيء له معناه في موضوع السلام والامن والتطور. ومن الطبيعي ألا يشك من جانبنا بأهمية الرابطة الاطلسية التي يجب ان يضاف اليها البعد الجنوبي انطلاقاً من اسبانيا. اما المانيا وفرنسا فلقد شكلتا تاريخياً شرطاً ضرورياً للتقدم في مشروع على هذه الشاكلة لكنهما لا تستطيعان استكمال شرط الكفاءة. لذلك من المهم جداً الا ترتكبا اخطاء في الخطوات التي تقدمان عليها وان تعتمدا على شروط الكفاءة ذاتها، بما في ذلك الذين يتقاسمون ميلاً اوروبياً حازماً، او عليهما اكتساب هذه الكفاءة بالعمل الجيد في المشروع حيث سنواصل كوننا غير مهمين مع هذا الانقسام وحيث نستطيع معاً المشاركة في حكم عالم افضل ومساعدة انفسنا وحيث يجب الحيلولة دون ان يتحول ما كان فرصة تاريخية لاوروبا واحدة اثر سقوط جدار برلين إلى انقسام جديد لا يخدم احداً. ويزورنا البابا الذي هو ايضاً ضحية من ضحايا هذه الحرب، مع ان صرخته سمعت بشكل واضح، وملايين الناس فهموه سواء شاركوه عقيدته ام لا. ومن المؤكد انه سيفهمني عندما اقول له انه في هذه القضية الدنيوية الخاصة بالحرب والسلم وبمخاطر هذه المغامرة بالنسبة للنظام العالمي كان على حق ولا يزال. وبما اني لا ادين له بطاعة، فإن المصادفة تقوم على الحرية المسئولة، كالاختلاف في موضوعات اخرى. بقلم: فيليبي غونزاليس _ ترجمة: باسل أبوحمدة _ عن «البايس» ـ اسبانيا