في لعبة واشنطن الأكثر شراسة، مكتب الخطط الخاصة يخطف السياسة الخارجية الأميركية لحساب البنتاغون

الاحد 10 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 11 مايو 2003 يسمون انفسهم، على سبيل السخرية «عصبة التآمر»، وهم مجموعة صغيرة من المستشارين والمحللين السياسيين العاملين حالياً في مكتب الخطط الخاصة في البنتاغون، وفي العام الماضي، تبعاً لمسئولين سابقين وحاليين في ادارة بوش، فإن العملية التي يقوم بها هؤلاء والتي كانت من بنات افكار بول ولفويتز نائب وزير الدفاع، قد احدثت تغييراً جوهرياً في توجه الاوساط الاستخبارية الاميركية. ومنذ شروعهم في العمل، بعد 11 سبتمبر، انتج هؤلاء مجموعة من التقارير الاستخبارية التي ساهمت في تشكيل الرأي العام والسياسة الاميركية تجاه العراق. ويعتمدون في ذلك على بيانات تجمعها الاجهزة الاستخبارية الاخرى والمعلومات التي وفرها المؤتمر الوطني العراقي، وهي مجموعة معارضي المنفى التي يتزعمها احمد الجلبي. وبحلول الخريف الماضي اصبحت هذه العملية تنافس حتى ال«سي. آي. آيه» ووكالة المخابرات الدفاعية التابعة للبنتاغون على الفوز بمكانة مصدر المعلومات الرئيسي للرئيس بوش بخصوص امتلاك العراق المحتمل لاسلحة الدمار الشامل وعلاقته بالقاعدة. وحتى الاسبوع الماضي لم يعثر الاميركيون على أي اسلحة دمار شامل. ورغم ان كثيرين، داخل الادارة وخارجها، يؤكدون ثقتهم بأن شيئاً ما من هذا القبيل سيظهر، فإن مصداقية القدر الاكبر من هذه الاستخبارات اصبحت الآن موضع تساؤل. مدير عملية الخطط الخاصة هو ابرام شولسكي، وهو خبير وباحث في اعمال الفيلسوف السياسي ليو شتراوس. وامضى شولسكي العقود الثلاثة الماضية وهو يعمل بصمت في القضايا الاستخبارية والسياسية والخارجية. وكان عضواً في لجنة الاستخبارات في مجلسي الشيوخ أوائل الثمانينيات وعمل في البنتاغون مساعد وكيل وزارة الدفاع ريتشارد بيرل في عهد الرئيس الاسبق رونالد ريغان، لينضم بعد ذلك لمؤسسة راند، ويشرف على عمل مكتب الخطط الخاصة وكيل وزارة الدفاع وليام لوتي، وهو ضابط بحرية متقاعد. وكان لوتي من المنادين الاوائل بغزو العراق، ومع تقدم الادارة اكثر نحو قرار الحرب وتحول سلطة اتخاذ القرار في البنتاغون نحو ايدي المدنيين، أخذ يقوم بمسئوليات اكثر اهمية بشكل تصاعدي. يقول باتريك لانغ، رئيس قسم الشرق الاوسط السابق في وكالة الاستخبارات الدفاعية: «لقد تحزب البنتاغون كله في عصبة واحدة ليهيمن على السياسة الخارجية للادارة، وقد نجح في ذلك، فهم الآن يديرون جلبي. ونجحوا في تطويع وكالة الاستخبارات الدفاعية بالتخويف والهجوم، كما لا توجد هناك معنويات قوية في ال«سي. آي. ايه» لمواجهتهم. هذا الشعور بالعداء سائد في الاتجاه الآخر ايضا، فقد قال لي مسئول في البنتاغون يعمل تحت رئاسة لوتي: «لقد قمنا بعمل ما حينما كانت اوساط المخابرات لا تقوم بعملها. اننا ندرك حقيقة انهم لم يقوموا بالتحليلات. كنا نقدم معلومات لولفويتز. لم يسبق له ان اطلع عليها. لاتزال اوساط المخابرات تبحث عن مهمات تشبه تلك التي كانوا يقومون بها ايام الحرب الباردة، حينما كان يغذون اصحاب القرار السياسي بالملعقة». وينكر مستشار في البنتاغون لايزال يعمل في الخطط الخاصة هذه الانتقادات التي توجه للعملية باعتبارها ليست اكثر من تذمر بيروقراطي. ويقول: لقد فاز شولسكي ولوتي في هذا الجدل السياسي. لقد هزموهم ـ- لقد وجهوا ضربة للخارجية وال«سي. آي. ايه» وسبب هذا الانتصار ليس سراً ـ كانوا اكثر فاعلية في توضيح آرائهم. لوتي اذكر من معارضيه ولفويتز اذكى منهم ايضا. كانت معركة نزيهة. لقد نجحوا في اقناع الرئيس بضرورة صياغة سياسة امنية جديدة. اما اولئك الخاسرون فشاطرون جداً في التشكيك بالمنتصرين. كما اتمنى ان اكون مؤرخاً لاكتب قصة هذه الجماعة من ثمانية أو تسعة رجال ممن تقدموا بدعواهم وفازوا. تبعاً لما يقوله مستشار في البنتاغون، تم تشكيل مكتب الخطط الخاصة بهدف ايجاد الدليل على ما يريد ولفويتز ورئيسه وزير الدفاع دونالد رامسفيلد اثباته وهو وجود علاقة بين صدام حسين والقاعدة وان لدى العراق ترسانة ضخمة من الاسلحة الكيماوية والجرثومية وربما النووية التي تهدد المنطقة وبشكل ما الولايات المتحدة. وقد كانت مسألة امتلاك العراق لاسلحة دمار شامل محط اهتمام من المجتمع الدولي منذ قبل حرب الخليج 1991 فقد سبق لصدام حسين في تلك المرحلة ان استخدام اسلحة كيماوية. وفي مرحلة ما نجح في انتاج آلاف من الرؤوس الحربية الكيماوية، الى جانب أسلحة جرثومية، وبذل جهوداً طيبة لبناء برنامج تسلح نووي، وما كان محط خلاف هو درجة تطور هذه البرامج التي نجت من حرب الخليج تلك وسنوات الحصار ومنطقتي حظر الطيران اذا كان قد نجا منها شيء. ومنذ 11 سبتمبر بدأ السؤال يتكرر حول وجود علاقات بين العراق والجماعات الارهابية وقد اظهر استطلاع اجرى في فبراير الماضي ان 72 في المئة من الاميركيين يعتقدون باحتمال ان يكون صدام حسين متورط شخصياً في هجمات 11 سبتمبر، رغم عدم وجود أي دليل يثبت مثل هذه العلاقة. وقد رأى رامسفيلد وصحبه ان «السي آي ايه» لم تكن قادرة على فهم حقيقة الوضع في العراق، ويقول لي مستشار البنتاغون ذاك: «كانت السي آي ايه تعمل لإثبات عدم وجود علاقة بين العراق والارهاب، هذا ما كان يحركهم ولو اطلعت على البيانات التي تقدمها الوكالة لكنت رأيت وجهات النظر المتبلدة فيها والمنظور التي تنتظر منه لتلك البيانات. وأضاف ان هدف الخطط الخاصة كان «وضع تلك البيانات تحت المجهر لكشف ما لم تكن اوساط الاستخبارات تود رؤيته وقد ناء شولسكي بالجزء الأثقل من هذا العمل». بل ان ريتشارد بيرل وحتى قبل 11 سبتمبر، حين كان رئيس لجنة السياسة الدفاعية في البنتاغون كان يجادل على النحو نفسه حول ما تعرفه الاستخبارات عن أسلحة العراق وقد قال في جلسة استماع امام لجنة العلاقات الخارجية في الشيوخ في مارس 2001: «هل يمتلك صدام حسين أسلحة دمار شامل؟ بالتأكيد هو يمتلكها، اننا نعلم ان لديه أسلحة كيماوية.. لكن لا اعتقد اننا نعرف حقيقة المدى الذي قطعه في تطوير برنامجه النووي، ظني انه يتجاوز ما نعتقده، دائما ما يكون أبعد من تقديراتنا، لأننا نقيد أنفسنا ونحن نفكر بالأمر، بحدود ما نستطيع برهنته وايضاحه.. وما لم تكونوا تعتقدون اننا اكتشفنا كل شيء، عليكم الافتراض ان لديه اكثر مما نستطيع تقديم تقارير به». وفي مقالة نشرتها مجلة «تايمز» اكتوبر الماضي جاء ان رامسفيلد قد أمر بالقيام بعملية استخباراتية للبحث عن معلومات حول نوايا العراق العدائية أو علاقته بالارهاب، التي يمكن ان تكون قد عميت السي آي ايه عنها. وحين سئل رامسفيلد عن القصة في مؤتمر صحفي له في البنتاغون قال بداية بغموض: «لقد قيل لي بعد 11 سبتمبر ان مجموعة صغيرة، بدأت باثنين ربما وقد تكون أربعة الآن قد طلب منها التمحيص في هذا الجبل من المعلومات التي كنا نحصل عليها من النوع الاستخباري «ثم تابع قائلاً» اننا لانعرف مالا نعرف. وهكذا تأتي المسئولة عن تقديم الايجاز الاستخباري اليومي من السي آي ايه وتقدم ما لديها، ثم أسألها: غي، ماذا عن هذا؟ أو ماذا عن ذاك؟ وهل فكر أحد بهذا؟ ثم تابع رامسفيلد ليقول: «أخبروني بوجود دليل قوي على عناصر من القاعدة في العراق». كان المنشقون العراقيون هم المصدر الأوضح للمعلومات لمكتب الخطط الخاصة. وكان المكتب قد طور علاقة عمل متقدمة مع المؤتمر الوطني العراقي ورئيسه أحمد جلبي، وهناك علاقة قوية وشخصية بين الجلبي ولفويتز وبيرل عمرها سنوات عديدة. وتعمقت هذه العلاقة بعد فوز بوش بالرئاسة، حيث توسعت علاقة الجلبي لتصل مسئولين آخرين مثل رامسفيلد ودوغلاس فيث وكيل وزارة الدفاع للشئون السياسية ولويس ليبي رئيس مكتب ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي، وطوال سنوات عديدة تمتع الجلبي بدعم أعضاء معهد المشروع الأميركي وغيرهم من المحافظين، كما يحظى الجلبي بدعم بعض الديمقراطيين أيضاً وبينهم جيمس ووسلي المدير السابق للسي آي ايه. وفي أواسط التسعينيات كانت «السي اي ايه» تضخ سراً ملايين الدولارات سنوياً للمؤتمر الوطني العراقي، لكن هذه الدفعات النقدية توقفت عام 1996 بسبب شكوك الوكالة في نزاهة الجلبي المالية، يقول لي مسئول محطة سي آي ايه في الشرق الأوسط سابقاً: «يجب أن تتعامل مع المؤتمر الوطني العراقي بالشكوك، إذ لهم سجل سابق في مجال التلاعب بالمعلومات لأن لديهم جدول عمل سياسياً، انهم مجموعة سياسية وليس استخبارية، يذكر ان الجلبي محكوم غيابياً بالسجن في الأردن بسبب فساد مالي مصرفي. في أغسطس 1995 فر الجنرال حسين كامل الذي كان مسئولاً عن برامج التسلح العراقية إلى الأردن مع أخيه صدام كامل، وأحضر الاثنان معهما كما من الوثائق تتضمن تفاصيل ومعلومات حول جهود العراق لتطوير أسلحة دمار شامل كان معظمها غير معروف لمفتشي الأمم المتحدة، وقد استدرج صدام حسين الاثنين للعودة إلى العراق ليلقى الاثنان مصرعهما هناك قتلاً، وكانت المعلومات التي قدمها حسين كامل عنصراً رئيسياً في حملة ادارة بوش ضد الامم المتحدة. غير ان السجلات الكاملة للقاءات المفتشين الدوليين مع حسين كامل تكشف انه قال لهم أيضاً ان مخزون العراق من الأسلحة الكيماوية والجرثومية التي صنعت قبل حرب الخليج 1991 قد جرى تدميرها، وقد أجرى رالف ايكيوس لقاء مع كامل في 22 أغسطس 1995 حيث كان رئيساً لمفتشي الأمم المتحدة اضافة إلى اثنين من كبار مساعديه هما نكيت سميدوفيتش وموريزيو زيفيرارو. وقال كامل تبعاً لسجلات اللقاءات: «ان لكم دوراً مهماً في العراق يجب ألا تقللوا من شأن عملكم الفعال جداً». وحينما أشار سميدوفيتش إلى ان المفتشين لم يعثروا على «أي أثر لعمليات التدمير» قال كامل «نعم» فقد أجريناها قبل أن تأتوا»، وأكد أيضاً ان العراق دمر ترسانته من الرؤوس الحربية. وقال كامل لاحقاً: «لقد أعطينا تعليماتنا بعدم انتاج أسلحة كمياوية. لا أتذكر أننا استأنفنا إنتاج الأسلحة الكيماوية قبل حرب الخليج، ربما كان ذلك عمليات انتاج مصغرة وحشوات رؤوس سابقة.. كل الأسلحة الكيماوية دمرناها. لقد وجهت أوامري بتدمير كل الأسلحة الكيماوية. كل الأسلحة ـ جرثومية أو كيماوية أو صواريخ أو نووية ـ دمرناها. كما شكك كامل بشهادة الدكتور خضر حمزة وهو العالم العراقي النووي الذي انشق عام 1994 واستقر في الولايات المتحدة بمساعدة المؤتمر الوطني العراقي وكان شاهداً بالغ التأثير في الترويج لمزاعم الطموحات النووية العراقية. وقال كامل لمفتشي الأمم المتحدة ان حمزة كان «كذاباً محترفاً» لقد عمل معنا لكنه كان عديم النفع ولا يهتم دوماً إلا بالترقيات، لم يتمكن من تقديم أي شيء لنا. بل انه خضع للتحقيق قبل خروجه ثم سمح له بالرحيل. بعد انشقاقه أصبح حمزة باحثاً رفيعاً في معهد العلوم والأمن الدولي، وهو جماعة تعمل لنزع التسلح في واشنطن. كان رئيسه، ديفيد أولبرايت مفتشاً سابقاً عن الأسلحة في الأمم المتحدة. وقد قال لي أولبرايت انه وحمزة أرسلا عام 1998 خطابات لدور النشر لعرض كتاب عنوانه مبدئياً «العراق والقنبلة النووية» يصف كيف فشل العراق في مسعاه لانتاج قنبلة نووية. ويقول أولبرايت ان أحداً من دور النشر لم يهتم بالعرض فما كان من حمزة إلا ان «بدأ في المبالغة بشأن عمله في العراق». ثم انقطعت العلاقة بين الاثنين ثم نشر حمزة عام 2000 كتاب «صانع قنابل صدام» الذي زعم فيه ان العراق حين بدأ حرب الخليج عام 1991 كان أقرب مما ظنه الجميع من انتاج سلاح نووي. وقال لي جيف شتاين وهو صحفي من واشنطن تعاون مع حمزة لتأليف كتابه ان سرد حمزة كان «مسطحاً بشكل مطلق بشكل يجعل أي قارئ يضع مؤلفه في وسط الاحداث، ولهذا فقد كانت هناك بعض المبالغة» وفي 26 ابريل الماضي ذكرت مجلة تايمز ان حمزة عاد للعراق ضمن فريق من المنفيين أرسلهم البنتاغون للمساهمة في اعمار البنى التحتية للبلاد وسيكون مسئولاً عن الطاقة النووية. كان الجلبي وجماعته بدعم من البنتاغون يعملون على ايصال المنشقين ذوي القصص المثيرة للمراسلين الصحفيين في أميركا وأوروبا، وكانت المقالات الناتجة عنها تتضمن أوصافاً مدوية للتقدم الذي حققته أسلحة الدمار الشامل في العراق أو علاقته مع الجماعات الارهابية، لكن هذه المزاعم كانت تفند في بعض الاحوال من جانب السي اي ايه. كما تكشفت الاكاذيب والتناقضات في أقوال المنشقين بعد الجولات التفتيشية الاخيرة التي قامت بها الأمم المتحدة عشية الغزو الأميركي. ومن بين هؤلاء ماقاله المهندس المدني عدنان احسان الحيدري الذي انشق عام 2001 بمساعدة جماعة الجلبي وقال انه زار أكثر من 20 منشأة سرية لانتاج الأسلحة الجرثومية والكيماوية. وان أحدها موجود تحت مشفى في بغداد وهو الزعم الذي ذكره كولن باول وزير الخارجية أمام مجلس الأمن في 5 فبراير عن أن لدى الولايات المتحدة معلومات مباشرة عن منشآت انتاج متنقلة. غير ان هانز بليكس رئيس فريق المفتشين قال «ان مفتشيه لم يعثروا على أي منشآت سرية تحت الأرض وانهم تفحصوا المشفى بدقة ولم يجدوا أي منشأة كيماوية أو جرثومية حتى الآن». وفور وقوع هجمات 11 سبتمبر تقريباً، بدأ المؤتمر الوطني العراقي يروج القصص عن منشقين يزعمون وجود معلومات لديهم تربط بين العراق والهجمات. ففي مقابلة اجرتها تايمز في 14 اكتوبر 2001 قال صباح خوداد وهو ملازم سابق في الجيش العراقي ان عملية 11 سبتمبر «نفذها اناس دربهم صدام حسين» وان لدى العراق برنامج لتدريب الإرهابيين على اختطاف الطائرات. وقال منشق آخر اشير اليه بأنه جنرال متقاعد في المخابرات العراقية انه شهد عام 2000 تدريب طلاب عرب على اختطاف طائرة بوينغ 707 في معسكر تدريب عراقي قرب بلدة سلمان باك جنوب بغداد. لكن المسئول السابق عن محطة السي آي أيه في الشرق الأوسط قال لي ان معسكراً قرب سلمان باك كان قد اقيم للتدريب ليس على الإرهاب بل مكافحة الإرهاب. فبعد تعرض طائرة عراقية للاختطاف عام 1986 وتحطيمها وقتل كل من فيها بقنابل يدوية حصل العراق على مساعدة من المخابرات البريطانية والأميركية لمكافحة الإرهاب. واضاف ان الإرهابيين لن يتدربوا على اختطاف طائرة في العلن على طائرة متوقفة في اجواء مفتوحة، فهذه «الاختلاقات يمكن ان تكون موجودة في هوليوود. اما التدريبات فتجري في الاقبية: كما انك لا تحتاج لطائرة حقيقية حتى تتدرب على اختطافها. اما لتخليصها من المهاجمين فعليك ان تتدرب على واحدة حقيقية». على كل حال فإن معسكر سلمان باك سقط تحت سيطرة القوات الأميركية في 6 ابريل ولم تجد اي معسكر ولامنشآت أو أسلحة جرثومية ولا أي دليل يثبت المزاعم التي راجت قبل الحرب. وهناك عدة امثلة اخرى على مثل هذه المحاولات التي تم فيها تجاهل مذكرات من السي آي أيه تنكر صحتها. لقد تزامن تزايد نفوذ مكتب الخطط الخاصة مع تراجع نفوذ السي آي أيه ونظيرتها الدفاعية في البنتاغون. وتذهب احدى المذكرات الداخلية في البنتاغون الى حد اتهام خبراء الإرهاب في الحكومة وخارجها «بالتقليل عمداً او السعي لدحض» العلاقة بين القاعدة والعراق. وتضيف انه «لأسباب عديدة لا يزال هناك انحياز بين الاوساط الاستخبارية» ضد المنشقين العراقيين. وطالبت باعطاء محللين يعملان مع شولسكي الصلاحية «للتحقيق في الصلة مع العراق» وذلك بالسماح لهما باجراء «لقاءات معقولة مع المنشقين العراقيين الرئيسيين». ويقول رئيس لجنة عمل سابق في السي آي أيه وهو الآن مستشار لإدارة الرئيس بوش ان الكثير من المحللين في السي آي أيه مقتنعون بأن تقارير منشقي جماعة جلبي حول أسلحة الدمار الشامل والقاعدة ليست سوى قيمة ضئيلة، غير ان وكالته «لاتقاومها». وقال انه حتى وكالة الاستخبارات الدفاعية في البنتاغون قد درست هذه المعلومات أيضاً: «حتى الاستخبارات الدفاعية لم تستطع العثور على أي قيمة فيما قالوه». وفي لقاءاتي مع ضباط سابقين في السي آي أيه وصفوا كلهم الوكالة بأنها تفقد معنوياتها باضطراد. واحدهم قال عن جورج تينيت مدير السي آي أيه: «جورج يعلم انه يتعرض للصفع. وان محلليه يتعرضون للترهيب. ان جورج معتاد على حماية من يعملون معه، لكنه مجبر على التصرف وفق الطريقة التي يفرضها خصومه عليه. «ولأن محللي السي آي أيه هم الآن في موقف دفاعي فإنهم اخذوا» يكتبون تقارير تركز على تبرير معلوماتهم الاستخبارية بدلاً من قول ما الذي يجري. اما وزارة الدفاع ومكتب نائب الرئيس فيكتبون تقاريرهم الخاصة المعتمدة على عقيدتهم. اننا نجمع قدراً كبيراً من البيانات لانجد فيها أي شيء مما نريده». وأخبرني خبير سابق في السي آي أيه امضى العقد الماضي بأكمله متورطاً حتى اذنيه بشئون العراقيين في المنفى عن العاملين في مكتب الخطط الخاصة: «انهم يرون انفسهم خارج السرب. هناك درجة عالية من الانعزالية عندهم. لقد اقنعوا انفسهم بأنهم ممثلي صف الملائكة وكل من دونهم في الحكومة ليس سوى أهبل». اكثر من عام من الجدل المحتدم حول قيمة ونزاهة استخبارات مكتب الخطط الخاصة انتهى فجأة حين امر بوش ببدء الحرب ضد العراق. وبعد بضعة اسابيع من القتال انهارت حكومة صدام حسين لتعلن اميركا انتصارها في خلفية يسودها الخراب والفوضى والضباب في طريق العراق للمستقبل. ومازال احمد جلبي ومؤتمره يثيرون الخلافات داخل الإدارة. فقد نقل البنتاغون جلبي ومئات من اعوانه جواً بأسلحتهم الكثيرة الى العراق تحت اجراءات امنية مشددة رغم الاحتجاجات الغاضبة من جانب الخارجية الأميركية. ويعمل جلبي الآن على ارساء قدمه في بغداد. ويشير انصاره في البنتاغون إلى انه ليس شيعياً فحسب شأن غالبية العراقيين، بل هو أيضاً «تاجر مستغرب حتى العظم». «هاجر جلبي من العراق عام 1958 حينما كان لا يزال طفلاً وهذا ما يجعل الخارجية الأميركية تشكك في دعم العراقيين له». وليس جلبي هو نقطة الخلاف فحسب، فالفشل حتى اليوم في العثور على أسلحة الدمار الشامل في الاماكن التي عبر البنتاغون عن ثقته الاكيدة في وجودها بها قد اعاد الجدل حول مستوى ونوعية استخبارات المكتب. وقد قال لي مسئول استخباري سابق رفيع المستوى ان القوات الخاصة الاميركية ارسلت في منتصف مارس قبل الحرب لتبدأ البحث والتحقيق حول المواقع التي اشير إلى وجود مخزونات من الأسلحة الجرثومية والكيماوية والصواريخ فيها «لكنهم عادوا خاويي الوفاض تماماً. لم يعثروا ولو على صاروخ سكود واحد». ومنذ ذلك الحين بدأت الشائعات عن انذارات كاذبة ومعلومات حول تدمير هذه الاسلحة في الايام الأخيرة قبيل الحرب لكن بدون أي دليل. وفي 22 ابريل الماضي قال هانزبليكس وقبل ساعات من تقدمه بطلب لمجلس الامن باعادته وفريقه للعراق: «اعتقد انه شيء مثير للارباك ان معظم المعلومات الاستخبارية التي بنى المهاجمون عليها قضيتهم بدت مهزوزة جداً». لكن يبدو انه ليس هناك أي شك في الذات أو تغير في الرأي في البنتاغون حول عدم العثور على الأسلحة. فقد قال لي مستشار لمكتب الخطط الخاصة انه يعتقد ان هذا التأخير «لا يعني شيئاً. علينا ان ننتظر للحصول على كل الاجوبة المطلوبة من العلماء العراقيين الذين سيخبروننا بأماكن وجودها». كما قال مسئول يعمل مع لوتي: «اعتقد انها مخبأة في الجبال او نقلت إلى دول صديقة للحكومة العراقية. لقد اتيح لصدام وقت كاف لنقلها». وقد ظهرت ايحاءات من طرف البنتاغون مفادها ان صدام ربما يكون قد شحنها لسوريا. لكن مسئولاً استخبارياً رفيعاً سابقاً قال لي: «انه طعم وتغيير للموضوع. اليوم نستدرجهم بطعم أسلحة الدمار الشامل لغزو العراق. وحين لا يعثروا عليها، نبدأ بالتطبيل لأسلحة الدمار الشامل في سوريا». وأخبرني عضو مهم في الكونغرس ان «بعض أعضاء الكونغرس اخذوا يتساءلون ويتعجبون، لكن بحذر. الآن لا تتوفر لدى الاعضاء الثقة بالنفس للقول ان الإدارة ليس لديها ما يبرر افعالها. هذا لا يعني شيئاً للعديد من الناس. غير ان البعض اقوياء بما فيه الكفاية للقول ان اسلحة الدمار الشامل لم تكن سوى ذريعة. احياناً اوبخ نفسي حين يسألني اصدقائي واقاربي عن عدم وجود أسلحة دمار شامل، واذكر نفسي بأن الأميركي العادي لديه فكرة بأن جبالاً من هذه الأسلحة موجودة هناك وجاهزة للاطلاق. وكلما مر الوقت كلما زاد تساؤل الناس عن هذا، لكني لا اعتقد انه سيغير الرأي العام الأميركي كثيراً. كل انسان يحب ان يكون على جانب المنتصرين». بقلم: سيمور هيرش _ ترجمة : جلال الخليل عن «نيويوركر»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات