ذباب مايو... عمر قصير يتوج بطقوس زواج انتحارية

الخميس 7 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 8 مايو 2003 في الفترة الممتدة من أواخر الربيع وحتى أوائل الصيف من كل عام يجتمع القرويون من القرى المحيطة بنهر تيزا في المجر لكي يشهدوا منظرا طبيعيا رائعا يطلقون عليه موسم تفتح أزهار النهر. ولكن المقصود هنا ليس ازهارا بالمعنى الحقيقي للكلمة وإنما هي ذبابات مايو التي تتكاثر على سطح الماء بالملايين. وهذا المشهد الاحتفالي لا يدوم سوى بضع ساعات يحلق فيها ذباب مايو بأعداد كبيرة ويتزاوج ثم يموت بعد ذلك في نهاية مأساوية. لقد وصف ارسطو ذبابة مايو التي يوجد منها 2000 نوع في جميع أنحاء العالم «بالشيء سريع الزوال» وذلك نظرا لعمرها القصير جدا. وتعتبر الذبابة المعروفة باسم «بالنجينيا لونجيكودا» المنتشرة في محيط تيزا، والتي يبلغ طول الذكر فيها من الرأس الى الذيل حوالي خمس بوصات ـ تعتبر اكبر ذبابة من هذا النوع في أوروبا. بعد وقت قصير من التزاوج تقوم الاناث بوضع البيض على سطح النهر. وتنجرف البيوض الى الاعماق وبعد مرور 45 يوما تفقس عن يرقات تقوم بحفر انفاق لها مشكلة مستوطنات كثيفة بحيث يتركز ما يصل الى 400 يرقة في القدم المربع الواحد. وبعد ثلاث سنوات، تشق اليرقة طريقها الى السطح، حيث تطرح الاناث اهابها مرة واحدة بينما يقوم الذكور بذلك مرتين: الاولى يتحول فيها الى ذكر شبه بالغ ولا تستمر سوى دقائق يتحول بعدها الى ذكر تام البلوغ. وبعد ان يكتمل نضوج الجنسين، لا يكون امام ذباب مايو سوى ثلاث ساعات قبل ان تموت. ويبدو ظهور ذباب مايو نهر تيزا بمثابة اعجوبة بعد الكوارث البيئية التي اصابت النهر قبل ثلاثة اعوام. ففي يناير من عام 2000، ادى تحطم حاجز جداري كان يحتجز نفايات معدنية في بركة تعدين رومانية الى اطلاق مادة السيانيد وسموم اخرى الى احد روافد نهر تيزا. وأدت المياه الملوثة الى مقتل اكثر من 300,1 طن من الاسماك في الجزء الجنوبي من النهر. وأقام القرويون جنازات رمزية بوضع الاكاليل على سطح الماء. وفي شهر مارس من العام نفسه، ادت الامطار الغزيرة الى انهيار جدار روماني آخر مما ادى الى اطلاق 22 ألف طن من المعادن الثقيلة في الجزء الشمالي من النهر. وتبع ذلك تسربات للمواد السامة على نطاق اضيق. ولكن كيف استطاعت ذبابة مايو ان تنجو من هذه الكوارث؟ من حسن الحظ ان الحوادث تلك وقعت في فصل الشتاء عندما كانت اليرقات لا تزال مدفونة في الطين في قاع النهر. وفي ربيع ذلك العام، هطلت المزيد من الامطار الغزيرة التي جعلت نهر تيزا يفيض ويتخلص من التلوث. تتخلص الذكور من شرانقها على سطح الماء ثم تطير الى اليابسة وتلتصق بسطح صلب. وحالما يستقر في وضعه الجديد، يقوم الذكر بسرعة بالتخلص من ثوبه القديم الجديد، ويظهر بعد ذلك ذكرا بالغا بجناحين ازرقين رائعين وذيل طويل. لقد طورت ذبابات مايو استراتيجية تزاوج ذكية حيث تقوم موجة اولية من الذكور شبه البالغة بتغطية سطح الماء ـ وتكون بمثابة قرابين للأسماك والطيور والضفادع النهمة. وعندما يشبع المفترسون تتحول الذكور شبه البالغة المتبقية الى ذكور بالغة وتبدأ بملاحقة الاناث التي تظهر على السطح حاملة بيوضها الغالية. تغوص أسراب الذكور لتلقيح الاناث العائمة على سطح نهر تيزا. ويجذب الضوء المستقطب أولئك الذكور المحمولة جوا الى الماء. وقد اكتشف الباحثون ان انواعا معينة من الاسفلت يمكنها ايضا ان تعكس الضوء المستقطب الامر الذي يفسر السبب الذي يجعل الذكور المشوشة تغادر النهر بشكل مفاجيء وتتوجه الى الطرق المعبدة. وخلال فترة التزاوج، يعج سطح النهر بالحياة. فالذكور البالغة ترفرف بأجنحتها فوق سطح الماء محدثة أمواجا صغيرة. وليس هناك من طقوس للمغازلة لدى ذبابة مايو. فالتزاوج غالبا ما يكون عملا قسريا، حيث يقوم اكثر من 20 ذكرا بمطاردة انثى واحدة في آن واحد. وتتعارك الذكور فيما بينها للفوز بالاناث. وفي خضم معركة التزاوج، قد يحاول بعض الذكور عن غير قصد التزاوج مع ذكور اخرى. ويبدو ان الذكور تتبع علامات ارشاد بصرية الى اهدافها، فالاناث تميزها عيونها الصغيرة وذيولها القصيرة. كما انها تتمتع بلون اصفر ضارب الى الحمرة، والذي يعتبر اغراء قويا للذكور. ولن تتوانى الذكور في محاولة التزاوج مع اي شيء يحمل ذلك اللون. فمن الممكن لقصاصة باللون الاصفر ان تجذب سربا من الذكور الراغبين في التزاوج والتي تظن بأنها أنثى في حالة من الاستعداد. تشكل الملايين من ذباب مايو الحي والميت فريسة سهلة للطيور مثل الرفراف والأسماك النهرية والضفادع، ولكن معظمها يفضل تناول الذباب الحي. تقوم الاناث بهدف ضمان فقس بيوضها التي يتراوح عددها بين 000,7 و000,10 بسلام، بالتحليق فيما يوصف بـ «رحلة التعويض» فبدلا من ان تضع بيوضها بالقرب من موقع مستوطناتها حيث يمكن للتيار النهري ان يسحبها الى مجرى النهر، تقوم الاناث بالطيران لعدة أميال باتجاه منبع النهر لتضع بيوضها هناك. ويقوم التيار بحرفها الى الموقع الاصلي الذي فقست فيه الاناث حيث تغوص في الاعماق لتبدأ دورة الحياة من جديد. ضرار عمير

طباعة Email
تعليقات

تعليقات