كتاب ـ في الوقت الراهن ـ لِمَ نحن دون الآخرين؟، أربع خطوات رئيسية للوصول إلى مركز التوازن في مواجهة الاسئلة المؤرقة

الخميس 7 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 8 مايو 2003 يعد كتاب «في الوقت الراهن» الصادر عن دار أندتشوستر النيويوركية في 255 صفحة، من الكتب التي حققت نجاحا كبيرا وما زالت مطلوبة في الأسواق. وتتحدث المؤلفة ايانلا فانزانت وهي أميركية من أصل أفريقي في كتابها عن سبل البحث عن الذات وبأن الحب هو القاسم المشترك لجميع القنوات التي تربطنا بالآخرين وبالحياة وبتواصلنا مع أنفسنا. وتوضح المؤلفة ان «في الوقت الراهن» هي حالة الكمون أو العجز النفسي المرحلي التي يمر بها الانسان، حينما تعاكسه الظروف ويعجز عن اتخاذ أي قرار، أو حينما ينهار العالم الذي بناه لنفسه. والكتاب الماثل بين أيدينا يتناول تلك المرحلة التي ترى فيها المؤلفة الفرصة المناسبة لاعداد ذاتنا لمرحلة جديدة في الحياة وذلك من خلال تعرفنا على أنفسنا واعادة النظر في ماضينا وعلاقاتنا بالآخرين. ومن أهم عوامل نجاح الكتب التي ألفتها ايانلا فانزانت، استفادتها من تجربة حياتها الشخصية التي بدأتها بطفولة بائسة قضتها مشتتة بين منازل أقارب عائلتها ابتداء بالجدة الصارمة المتزمتة التي عاملتها بقسوة شديدة، وانتهاء بخالتها التي منحتها الدفء الأسري الذي سرعان ما فقدته بعد الاساءات التي نالتها من زوج خالتها عليها. تتزوج بعد مرحلة المراهقة التي عاشتها في تشتت وحرمان عاطفي دفعها الى التعلق بأي شخص أظهر لها مشاعر الاهتمام والحب. تتزوج بمن تحب ولكن بدلا من السعادة التي كانت تحلم بها تكتشف بأنها تزوجت من رجل مدمن ليس على المشروب فقط بل على ضربها باستمرار. ولم تتمكن من مسك زمام أمور حياتها حتى تجاوزت الثلاثين من عمرها، حيث بدأت تأخذ خطوات ايجابية مثل انفصالها عن زوجها وحماية أبنائها ومن ثم تسجيل نفسها في الجامعة ودراسة المحاماة والعمل في الوقت ذاته. تخرجت بعد سنوات لتبدأ نجاحها المتألق بعد نشرها لكتابها الأول. رحلة داخل النفس وتأخذنا المؤلفة في رحلة الى داخل النفس، والتي تبدأ بمواجهة قاع طفولة الماضي والتي هي بمثابة سرداب المنزل حيث تتراكم ذكريات وجراح الماضي، ومن ثم الانتقال الى الدور الأول حيث تتم اعادة النظر في رؤيتنا للماضي ولذاتنا والصدق في مواجهة الذات ورسم حدود علاقاتنا، ثم الانتقال الى الدور الثاني، حيث نعيد صياغة تواصلنا مع المحيط وفي الدور الثالث نكتسب الثقة بالنفس واستيعابنا وادراكنا للحب الأصيل غير المرتبط بالمزايا والشروط وأخيرا في العلية حيث تصبح لدينا المقدرة للعطاء والتسامح واستيعاب الآخرين ومساعدتهم. ويمكن ان تبدو هذه الرحلة للوهلة الأولى مجرد وسيلة لتعذيب النفس ودعوة لاحياء جراح الماضي، أو للشعور بالخجل من سذاجتنا واندفاعاتنا العاطفية في اتخاذ القرارات في الماضي، أو غدر الآخرين بنا وأنانيتهم وغير ذلك من معاناة، أو تعمق الشعور بالخوف الداخلي المبطن بحماية الذات. ولكن لا بد لكل منا ان يصل الى مرحلة في حياته عاجلا أم آجلا ليدرك معها ان الحب هو المنفذ الوحيد الى دخول عالم نطمح اليه أو الى الخروج من عالم لا يحمل لنا الا المرارة والخيبة. وتوضح المؤلفة انه ليس هناك من زمن محدد أو معايير لأي مرحلة من مراحل هذه الرحلة، التي تتطلب منا فقط الكثير من الشجاعة والقوة وأيضا المقدرة على مواجهة الذات والألم. وتستغرق تلك الرحلة مدة تختلف من فرد لآخر تبعا للتجارب الشخصية سواء على صعيد الطفولة أو مرحلة المراهقة أو الزواج أو على صعيد العمل والأصدقاء. وتضيف ان هذه الرحلة بمثابة مختبر لتساؤلاتنا وأفكارنا الجديدة، وأنها أيضا كشف متواصل، فالقناعة التي وصلنا اليها في المرحلة الأولى، نعيد النظر فيها في المرحلة الثانية ونتخلى عنها لتبني ما هو أكثر شمولية ووعي مما يقربنا من أنفسنا ومن انسجامنا مع المحيط من حولنا. تلك هي جماليات الرحلة التي تأخذنا بعيدا عن دوامة اليأس واجترار الآلام الى مرحلة الكشف المتجدد والوعي والتي تعد من أهم عوامل النضج والنمو النفسي، مما يؤهلنا لأن نعيش الحب بمعانيه الحقيقية. وذلك هو التحدي الذي يطرحه كتاب «في الوقت الراهن». تذكر المؤلفة بأن المرحلة الأولى من تلك الرحلة والمتمثلة في المكوث في السرداب المعتم للنفس، حيث تحاصرنا التساؤلات التي تزيد من حسرتنا على أنفسنا وخيبتنا، لنتحول الى حالة الندب والمرثاة فلا نرى في أنفسنا سوى أننا ضحية سواء لعواطفنا التي دفعتنا الى ما نحن عليه الآن أو حبنا للآخرين وتفانينا في العطاء الذي قوبل بالنكران أو غدر الأصدقاء لنا وفقداننا لعملنا وغير ذلك الكثير. وتؤكد المؤلفة ان علينا ان ندرك منذ البداية بأن الحب هو جوهر ما نعانيه في المرحلة الراهنة، وتوضح بأن الحب لا يعني كما قيل أو صور لنا انه يتمثل في تجاهلنا وتغييبنا لمشاعرنا وتجييرها لحساب الآخرين، كما ان الحب أيضا لا يعني السيطرة على الآخر أو الصمت خوفا من فقدان من نحب. الحب لا يتطلب أدلة وبراهين هي في المحصلة مجرد ذريعة لتغذية شعورنا بالقوة والتفوق والتحقق من اضعاف الآخر خوفا من فقدانه. الحب يتجسد في التكافؤ، وهو غير مشروط بالتعليم أو بالدخل المالي أو المركز الاجتماعي بصورة عامة، بل بالذي يتوقعه الناس من أنفسهم وما الذي يريدونه من الآخرين سواء داخل أو خارج اطار العلاقات الشخصية. ولا يمكن للحب ان يأخذ معناه الحقيقي ان كان مرهونا باحتياجات الحياة وكمالياتها. وتعود المؤلفة لتؤكد ان من يستسلم لدوامة اليأس في السرداب، يركز دوما على أسوأ الاحتمالات التي يمكن ان يواجهها ان حاول تغيير مسار حياته، فأية محاولة ستنتهي مقدما وحتما بالفشل فمن العبث الاقدام على أية مبادرة. وتلك الفئة غالبا ما تركز ما بقي في داخلها من دافع للحياة على استدرار مشاعر الشفقة من الآخرين واشعارهم بالذنب لسعادتهم الخاصة والعيش على طاقة الآخرين لاستمرارية وجودهم. وتتمثل مهمتنا في السرداب بالقيام بحملة تعزيل كاملة لمنزلنا الداخلي الذي يضم ذكريات الماضي منذ مرحلة الطفولة وحتى الوقت الراهن. ان تعزيل المنزل عمل شاق، الاّ انه عمل لا مفر منه وكلما تم تأجيله ازداد العبء على كاهلنا. وعندما نرفض محاولات مساعدة أنفسنا، فاننا نتحول الى كتلة من الغضب والاحساس بالمرارة أو التحول الى التذمر الدائم أو رؤيتنا لأنفسنا كضحايا لظلم الآخرين وعلى الدوام مستهدفين من الجميع. وفي مهمتنا علينا ان نعود الى أولى ذكرياتنا وتواصلنا بالآخرين ابتداء من علاقتنا بوالدينا وأخوتنا أو بالأقارب وزملاء الدراسة والبحث عن كل ذكرى سببت لنا ألما أو دفعتنا الى تجنب الآخرين بسبب سلوك معين أو أفقدتنا ثقتنا بأنفسنا أو خلقت في داخلنا مشاعر الغيرة والحسد أو الكراهية والحقد. ويجب ان لا نتجاهل تلك الذكريات مهما بدت لنا تافهة في الوقت الحالي، وعلينا ان نأخذ في الاعتبار بصورة أساسية أهميتها في حينها وردة فعلنا والمشاعر التي ولدتها داخلنا في ذلك الوقت. معايشة تلك الذكريات ومن ثم محاولة فهم جذورها وأسبابها ودوافعنا ودوافع الآخرين تساعد كثيرا في معالجة الألم وجراح الماضي. ونحن لا ندرك بأننا نحن من نتحمل مسئولية كافة تلك المشاعر السلبية، وتجاوزنا أو خروجنا من تلك الدوامة مرهون بمدى فهمنا للحب. فنحن لم نصل الى وضعنا أو عجزنا الحالي الا بدافع الحب الذي كنا ننشده سواء من الحبيب أو من الآخرين الذين نرضخ لتحقيق رغباتهم وطموحاتهم في اما كسب المال أو الحصول على المنصب أو تحقيق مكانة مميزة في المجتمع أو أي حلم لهم لنفاجأ بعد جهودنا وعطائنا بأن ما قدمناه وما منحناه لهم يكون مفروضاً علينا. حينها لا يبقى في ذاكرتنا سوى ما منحناه أو ما بذلناه من جهود وتضحيات لتحقيق ما نصبو اليه من اكتساب حب الآخرين الا أننا لم نحظ في المحصلة الا بالخيبة والفشل والوحدة. وتقول المؤلفة ان علينا ان نقف مع أنفسنا ونسأل ذاتنا، ما الذي نشعر به في الوقت الراهن؟ ما الذي نريده؟ وما الذي نشعر به تجاه ما نريده؟ وتساؤلاتنا تلك هي بداية مرحلة التصالح مع الذات، فالأجوبة دائما وأبدا موجودة في داخلنا وفي متناولنا ان أردنا معرفتها. وما نشعر به في الوقت الراهن هو انعكاس لمحصلة تجاربنا من الماضي وحتى الحاضر. أي ان مشاعرنا هي نواة ثمار تجاربنا. وما يحصل في الواقع أننا نغرق في فوضى تفاصيل جزئيات الحياة التي نجد أنفسنا في خضمها، وننشغل بكافة طاقتنا في محاولة ترميمها وتنسيقها بدلا من تفحص جذور أو نواة تلك الثمار التي هي أساس تلك التجارب ومحاولة اعادة اكتشافها من جديد، أي ان مشاعرنا هي الدليل الذي علينا ان نسترشد به. علينا في تلك المرحلة اعادة برمجة مفهوم الحب الذي تعلمناه من خلال مقولات مثل باسم الحب علينا ان نقدم على فعل ذلك، ولكي نحب علينا ان نتصرف بسلوك معين، ولكي نحتفظ بحب الآخرين لنا علينا ان نتقبل الكثير من الأفكار التي تتعارض بحدة مع قناعاتنا الداخلية. وعلينا ان نحب الأقارب ونحترمهم على الرغم من سوء سلوكهم معنا ومع الآخرين. والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف يمكن لانسان ان يمنح الحب أو السعادة للآخرين ان لم يكن محبا لنفسه أو قادرا على اسعادها: فاقد الشيء لا يعطيه. «لم نحن دون الآخرين؟.. لم أنا بالتحديد؟» ذلك نموذج من الأسئلة التي نغرق أنفسنا فيها والتي تغلق كل المنافذ المحيطة بنا. ولن نتمكن من فتح نافذة لنا الا حينما نقتنع بأننا لا بد من مواجهة واقعنا الحالي والذي تستعير له وصف في الوقت الراهن. وعندما نتقبل واقعنا بكافة جوانبه ونكف عن الهروب الى مرثاة الذات ونكف عن الشعور بالخجل من ذاتنا ومن لوم وتأنيب أنفسنا والآخرين، حينها فقط نرتقي بأنفسنا الى الدور الأول من ذاتنا. في الدور الأول، نبدأ بالتعامل مع جميع قضايا الماضي وكل منها على حدة من دون ان نغفل عن أي موقف مهما بدا لنا تافها ولا يستحق الاهتمام سيما وان كان قد استحوذ على جزء من اهتمامنا أو مشاعرنا في الماضي. وتبدأ رحلة المرحلة الثانية بتحديد ما نرغب فيه نحن بشكل حقيقي، وهذا يصور مرحلة الصدق مع النفس. ومهمتنا تشمل أيضا معرفة ما يسبب لنا الألم والحزن الداخلي، أو الغضب من الآخرين أو النفور منهم حد الكراهية. والعمل على تلك المهمة بصدق تام يولد فينا الثقة بالنفس والتواصل معها لتحديد احتياجاتنا الداخلية والتعامل مع الواقع من خلالها على الدوام. تبدأ مواجهة النفس والمشاعر السلبية التي كانت تهيمن علينا وتبعدنا عن كل احتمالات استقبال أي فرصة فيها سعادة ونجاح لنا. علينا في مرحلة المواجهة ان ندرك ونحدد ما هو جيد لنا، ومعرفة ذلك من خلال معايير تعتمد على الصدق مع النفس بعيدا تماما عن أية معايير رسمها المجتمع أو الآخرون. كل ما يحقق لنا السعادة والانسجام مع النفس ينعكس في المحصلة بصورة ايجابية على الآخرين. وخلال رحلة التأمل تلك، لا بد ان نسأل أنفسنا، ما الذي نراه؟ وما الذي ننشده؟ ومن خلال أي منظور ننشد ما نريده لأنفسنا؟ تلك الأسئلة تساعدنا في الكشف عن جوهر الحقيقة في داخلنا وعلى التعرف على ما ننشده وبالتالي تمييز ما فيه سعادة لنا حين مصادفتنا له في الحياة مستقبلا. واذا لم نستطع ادراك ما الذي يؤلمنا أو يسبب لنا ذلك الكم من المشاعر السلبية التي تستهلك مخزون طاقتنا، فاننا لن نتمكن من التعرف على أنفسنا وعلى ما يمكن اسعادنا. علينا ان نحب أنفسنا بقدر كاف وبأمانة تامة، لنتمكن من الوصول الى جذور معاناتنا. الحب مسئولية كبيرة تتطلب الوعي والادراك والشجاعة أيضا. ومن هنا نبدأ التعامل مع قضايا ماضينا بحب وتسامح وصدق، وما سيساعدنا في مهمتنا، ثقتنا بأنفسنا التي بدأنا باكتسابها والتي تعكس مرآة حبنا لأنفسنا. وتعاملنا مع هذه المرحلة يساعدنا على التعبير والافصاح عن آرائنا ومشاعرنا الحقيقية اتجاه الآخرين دون خوف من جرح مشاعرهم أو خسارتهم، فنحن نعيش حالة الخوف تلك منذ زمن طويل ولم نصل من خلالها الا الى المزيد من الخسائر والمخاوف. كما نتحمل في هذه المرحلة أيضا مسئولية تعاملنا مع الآخرين ومواقفنا اتجاههم ورسم حدود علاقاتنا بالآخرين. وتفيد الكاتبة بأننا عوضا عن سؤالنا الدائم لأنفسنا «ما العيب فينا؟»، علينا ان نركز على مواجهة الماضي بعناية شديدة لادراك سلبيات سلوكياتنا وسلوكيات الآخرين التي دفعت بنا الى الوضع الراهن. وفي صلتنا بالآخرين، علينا أولا ان نوقف المشاحنات والاتهامات واستنزاف المشاعر، فالصراع لن يساعدنا على الاحتفاظ بحب الآخرين لنا أو بحبنا لأنفسنا. علينا عوضا عن ذلك ان نعرب عن مشاعرنا وأفكارنا بهدوء بعيدا عن جو المشاحنات. وكلما تحاشينا المواجهة كلما زادت الأمور تعقيدا. ويلجأ الكثير منا في هذه المرحلة الى تخدير الألم عبر وسائل عديدة مثل الشراهة في الطعام أو التسوق أو الادمان على الكحول. وتذكرنا المؤلفة من جديد بأن الحب هو دوما حل جوهري للتغلب على أي موقف أو محنة. والخوف عدو الحب، وتحت ستار الخوف نفقد حبنا لأنفسنا وللآخرين. وعوضا عن التفاعل مع الكلمات التي نتقاذفها خلال خلافاتنا مع الآخرين أو ما يكيلونه لنا أو نكيله لهم من اتهامات، علينا ان نمعن التفكير وأن نركز على سلوكياتهم وتصرفاتهم اتجاهنا وفهم دوافعهم ودوافعنا لنصل الى حقيقة أية مشكلة. كما لا بد ان نتقبل حقيقة أساسية في الحياة، وهي ان حب الآخرين لنا لا يعني بالضرورة التعامل معنا من خلال ما نحبه نحن فقط والمتجسد في تلبية متطلباتنا ورغباتنا وممارسة هواياتنا الخاصة والعكس صحيح. ومن هنا علينا ان نبحث عن مكاننا وأن ندع الآخرين يتخذون مسارهم الخاص ويعيشون حياتهم كما يريدونها، وأن نحبهم كما هم دون فروض أو قيود. أربع خطوات أساسية وتبين المؤلفة بأننا لنتمكن من معرفة مركز توازننا الخاص، يمكننا الاسترشاد بالخطوات التالية: 1) تذكير أنفسنا على الدوام بما ننشده من علاقاتنا بالآخرين. 2) تصور المشاعر التي ننشدها في علاقاتنا المستقبلية بالآخرين ومعايشتها في داخلنا. 3) مواجهة خوفنا والتحرر منه. 4) اختبار قناعاتنا على الدوام للتأكد من أصالتها. والحب كما هو منح وعطاء بلا حدود أو شروط أو مردود، الا انه لا يلغي مطلقا ان نكون أمناء مع أنفسنا والآخرين وعدم تخزين مخاوفنا أو مشاعرنا. وعلينا ان لا ننسى بأن لنا دوما الحرية في تقبل أو رفض أي مسار في الحياة من دون ان نلزم أنفسنا بسلوك ما يتعارض مع قناعاتنا الداخلية. الثقة بالنفس وتحديد مسارنا يرفعنا الى مرحلة جديدة متمثلة في الدور الثاني لذاتنا، حيث نبدأ باعادة تقويم علاقاتنا مع الآخرين والمحيط وصياغة رؤية جديدة مختلفة وبعيدة تماما عن الاستنزاف العاطفي الذي نجح الآخرون في احكامه من حولنا. في تلك المرحلة نبدأ بتلمس مسارات جديدة في فهم الحب والمنح والعطاء والأخذ من الآخرين. حيث نسقط الكثير من الصداقات والمعارف التي كانت تشغل حيزا كبيرا من حياتنا والتي شكلت في المحصلة عبئا نفسيا كبيرا علينا، وعلى سبيل المثال لا الحصر اشعارنا الدائم بالذنب والذي يستخدم بنجاح تام في العلاقات الأسرية. كما نبدأ بتكوين صداقات جديدة في محيطنا لم نكن نتصور وجودها، ونتواصل مع بعض الأقارب الذين لم نكن ندرك محبتهم العميقة لنا. غير ان هذه ليست بالمرحلة السهلة، اذ نحتاج الى مرحلة زمنية كي نتوقف عن التأرجح بين الماضي والحاضر والوصول أخيرا الى مرحلة الثبات. والانتقال الى الدور الثالث لذاتنا، يجسد مرحلة الادراك والمعرفة. حينما نقول ما نريد ونصرح بما نؤمن به من دون انفعالات لدى مواجهة الآخرين، حينما تفشل جزئيات وتفاصيل الحياة اليومية عن احادتنا عن هدفنا. وأيضا لدى تحملنا مسئولية مواقفنا دون تخوف من رفض الآخرين لنا أو من انحسار حبهم لنا. تلك المرحلة التي لا نسعى خلالها الى اخفاء حقيقة ما نشعر به أو ننشده لأنفسنا، تحت وطأة الخوف من المواجهة وتحمل النتائج. وسنكتشف في الدور الثالث وما يليه بأن قدرتنا على حب أنفسنا والآخرين واستيعابهم قد تضاعفت أكثر بكثير من توقعاتنا. وللاستمرار في تلك المرحلة وتجاوزها علينا دوما ان نتحلى بالصراحة التامة مع أنفسنا ومشاعرنا وعدم محاولة تجاوزها أو تغييبها مهما سبب ذلك من ألم آني لنا، فتلك المرحلة تمثل القوة والشجاعة التي تقودنا الى المزيد من المعرفة والنضج النفسي والوصول الى الحب الكامل غير المرتبط بشروط والى محبة الآخرين والتعاطف معهم واستيعابهم. وحينما نمر ببعض التجارب التي تنهكنا وتعيدنا الى الدور الثاني أو الأول أو ربما السرداب نتيجة لحدة التجربة أو تعبنا الشديد من الضغوط المحيطة، علينا دوما ان لا ننسى بأننا قد نجحنا في اجتياز الجزء الأكبر من رحلة «في الوقت الراهن»، ذلك الانجاز يمنحنا القوة ويعيد لنا ثقتنا بأنفسنا. وعلينا ان نذكر أنفسنا بأن معظم التجارب الحياتية التي نمر بها أو نتعامل معها في الدور الثالث ستساعدنا على صقل قناعاتنا وخبرتنا العملية والاضافة الى معرفتنا الأكثر انتقائية. تحليل تجاربنا في هذه المرحلة يتم من خلال معرفة ووعي ونضج نفسي والأهم من ذلك بحب غير مشروط في محاسبة الذات. وفي هذه المرحلة نمتلك جميع وسائل وأدوات المعرفة والنضج، وابتداء من حب الذات وانتهاء بحب الآخرين. وسنكتشف أيضا بأننا لن ننجح في خداع أنفسنا كالسابق، فالعلاقات تأخذ أبعادها أمامنا بصورة جلية. وأي موقف يتعارض مع قناعاتنا الداخلية، نجد أنفسنا قبالته عاجزين عن تزييف الحقيقة مهما كانت جهود الآخرين في تجميله أو تحوير جوهره. وان لم نكتشف ذلك منذ البداية فاننا لن نتطلب زمنا طويلا لادراكها والخروج من اطارها يكون سريعا. وعلاقاتنا في هذه المرحلة لا تعني ان نبعد أو نقصي الفئات التي تصر على ان تعيش في السرداب من دون محاولة للخروج، علينا محاولة مساعدة الآخرين لتجاوز أزمتهم ولكن علينا أيضا ان نكون حريصين وعلى وعي كامل بأن لا نسمح لهم بشدنا الى قاعهم من جديد. ولكوننا نعرف أنفسنا ونفهمها في هذه المرحلة، فان أي مواجهة من الآخرين وأي تصريح لهم للصورة التي يروننا فيها، لن يؤلمنا أو يولد في داخلنا أي نوع من مشاعر الغضب أو الخوف، لأننا قد نجحنا في رؤيتنا لحقيقتنا وتقبلنا لها بحب وتفهم. وفي هذه المرحلة يتوقف هاجسنا بأن نكرس جهدنا وهدفنا سعيا لاكتساب حب الآخرين وتقبلهم لنا، لأن تعاملنا مع الحياة بات يتجلى عبر الحب الحقيقي وعلى كافة الأصعدة، لذا فاننا نعيش حالة اكتفاء داخلي تمنحنا السلام والراحة وتساعدنا لأن نمنح الحب ونتلقاه ببعده الحقيقي. وفي الفصل الأخير الذي تسميه الكاتبة الدور الأخير أو العلية، حيث تشارف رحلة النفس على نهايتها نكتشف في كل يوم المزيد من معاني الحب التي تمنح حياتنا تألقا وسعادة مثل التسامح والصفح ومساعدة الآخرين، والتعايش مع الذات والآخرين بانسجام وسلام ومحبة. بعيداً عن التفاصيل وتختزل الكاتبة مرحلة «في الوقت الراهن» الى مجموعة من الأسئلة علينا ان نطرحها على أنفسنا بين حين وآخر بعد انتهاء الرحلة مما يساعدنا على الدوام في التركيز على الجوهر وعدم الاستغراق في جزئيات التفاصيل، وهي كما يلي: 1) ما الذي تتجاوب نفسي معه؟ 2) هل قلت الحقيقة لنفسي وللآخرين المرتبطة بهم؟ 3) ما هي رؤيتي للحياة 4) ما الذي أتوقعه من نفسي؟ ولنفسي؟ 5) ما هو هدفي وغايتي؟ 6) هل أستطيع ان أحب نفسي تحت أي ظرف كان؟ 7) هل باستطاعتي حب الآخرين بغض النظر عن أفعالهم؟ وفي الختام تشير المؤلفة الى مسألة في غاية الأهمية، فنحن نعلم أبناءنا منذ الصغر ان يحبوا والديهم وبقية أفراد الأسرة، ونعلمهم ان يحبوا أشياء كثيرة، نحاول تعليمهم ما هو جيد وما هو مفيد، ولكننا أبدا لا نعلمهم ما هو الحب وكيف يحبون أنفسهم. ما نعلمهم اياه ان يحبوا الكمال في كل شيء، ورفض كل ما هو بعيد عن الكمال التام. ندرسهم تعاليم الدين بعيدا عن الجوهر، والسلوكيات التي يجب اتباعها كي يقال عنهم بأنهم حصلوا على تربية مثالية، ونعلمهم في المدارس لكي يحصلوا على الشهادات ومكانة في المجتمع. غير أننا أبدا لا نعلمهم جوهر وأصالة الحب، أبدا لا نعلمهم مباديء الحب. يسمعوننا نتحدث وننتقد وندين ونحاكم ونتهم الآخرين بدون رحمة أو شفقة، وذلك لأننا نحن الكبار ننسى حقيقة معنى الحب. وتعلمنا مرحلة «في الوقت الراهن» ان نتعايش مع محيط يعتمد على معايير وشروط لا تتوافق مع أفكارنا الجديدة الا ان ذلك لن يعيقنا أو يتعارض مع تعايشنا والمحيط ولن ينقص أو يخلخل ثباتنا وثقتنا بأنفسنا والسكينة الداخلية. ولا تزال فئات واسعة في المجتمعات على قناعة بأن عزل الحب من حياتهم يمنحهم القوة والعزيمة لارتقاء درجات النجاح حتى النهاية. ربما أثبت العديد صحة تلك المقولة بتحقيق طموحاتهم ولكن هل تمكنوا من العيش سعداء مع أنفسهم أو اسعاد الآخرين وهل حقق هذا النجاح سعادة لهم في حياتهم!! وتذكر المؤلفة بأن للحب أوجه عديدة لا يمكن حصرها، وتفيد بأنه بدلا من هدر الوقت في تعريفها وتسميتها ربما من الأفضل ممارسة فضائل الحب، التي تتجلى في الحقيقة والثقة والغفران والقناعة وعدم الحكم على الآخرين والسلام. والجديد بالذكر ان المؤلفة قد استشهدت بنماذج من التجارب الحياتية الواقعية في كل فصل من فصول الكتاب مما أثرى الكتاب سواء في توصيل المعلومة الى القارئ بسلاسة ووضوح أو في تعميق الطرح الفكري المرتبط بالواقع الحياتي للانسان أو في توفير عنصر التشويق والاهتمام حتى الصفحة الأخيرة من الكتاب. تأليف: إيانلا فانزانت عرض ومناقشة: رشا المالح

طباعة Email
تعليقات

تعليقات