الاربعاء 6 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 7 مايو 2003 في مكان ما بين قطر والسعودية والكويت، يصبح الزمان والمكان والتاريخ امراً عديم الصلة بالموضوع تقريباً، ولكن في غضون ذلك تظل بغداد على قائمة جولة الانتصار لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد للخليج وافغانستان وهي جولة تنقل رسمية للحكومة الاميركية تشمل سبع دول في غضون اسبوع قطع فيها مسافة 300,15 ميل الى اطراف العمليات الحربية. وحتى في ظل ظروف عادية، فإن السفر مع رامسفيلد يعتبر مسألة مرهقة. فلايزال هذا السياسي والبالغ من العمر 70 عاماً يبدي الجلد والتماسك اللذين اظهرهما كمصارع في برنستون، حيث يرتب في الغالب اجتماعات في دولتين او ثلاث في اليوم الواحد قبل ان يطير خلال الليل لكي يزور دولتين او ثلاث دول اخرى في اليوم التالي. وفي الواقع انه حالما يجلس في الحجرات الخلفية من طائرته الزرقاء والبيضاء من طراز بوينج 757 التي تحمل على هيكلها كلمات «الولايات المتحدة الاميركية» فإن المساعدين والضباط العسكريين وحراس الامن واختصاص الاتصالات والصحفيين يكونون قد دخلوا جميعهم في فقاعة غير عادية في فعاليتها، ومهلكة في وتيرتها، ومختلفة تماماً عن الطريقة التي يسافر بها الناس العاديون الى الخارج. وبصورة تشبه كثيراً السفر بصحبة الرئيس فإنه لا يوجد انتظار في الطابور عند نقطة التفتيش على جوازات السفر ولا حمل للامتعة او مزاحمة حركة السير ولا حجز في الفنادق او جدال مع سائقي سيارات الاجرة، فالطائرات تهبط ويرافق موكب السيارات رامسفيلد وحاشيته الى فنادق من فئة الخمس نجوم «الفرق تكون قد حددت مسبقاً ووضعت المفاتيح في الأبواب». كل شيء معد بعناية من قبل فريق المواعيد التابع لرامسفيلد، مما يجعل من الممكن بالنسبة لمن يهيمن على اكبر اسطول طائرات في العالم ان يجوب ارجاءه، ويحافظ على علاقات عسكرية بين الجيوش بسرعة كبيرة. وبينما يلتقي رامسفيلد بالوزراء والجنرالات والمسئولين فإن الصحفيين وآخرين داخل فقاعته يمكنهم ان يرافقوه الى نصف دزينة من الدول من دون ان يتحدثوا الى مواطن من ابنائها. ولكن بالنسبة للصحفيين الذين هم على متن الطائرة، فإن المهمة الخاصة بهم لا تتعلق بالاختلاط بالسكان المحليين، وانما هي تدور حول تغطية جولة رامسفيلد، الرجل الذي وصل الى مرتبة نجوم موسيقى الروك اثناء الحرب في افغانستان، بل ان شعبيته ارتفعت اكثر في اوساط الكثير من الاميركيين، بسبب خطة الحرب في العراق التي رسمها مع الجنرال تومي فرانكس. ويقول جون ماكويثي، وهو مراسل مخضرم لقناة «ايه بي سي نيوز» يغطي انباء الجولة: «يتاح الحوار مع رامسفيلد بشكل كبير في هذه الجولات. فأنت تخطيء بفرصة الالتقاء به وجها لوجه طوال الوقت . ولا يكون الامر دائماً اساسياً أو حتى تثقيفياً، ولكنه مهم جداً بالنسبة لما تقوم به كوسيلة عيش ان نلتقي به عدة مرات في اليوم». يعتبر ماكويثي احد مخضرمي العمل الاعلامي حيث سبق له ان سافر مع خمسة وزراء دفاع وثلاثة وزراء خارجية، ويجد بعض عناصر التشابه بين رامسفيلد والرجل الذي يعتبر استاذ السفر الرسمي، وهو وزير الخارجية الاميركي الاسبق جيمس بيكر. ويقول ماكويثي: لم يكن سفر بيكر يتضمن سخافة ولا سياحة ولا تسوقاً، وبهذا الخصوص، هما متشابهان ولكن بيكر كان يسافر اكثر بكثير «من رامسفيلد». وكانت استراتيجية بيكر تتلخص في فكرة «انه حتى لو كنا قوة عظمى، فإن من المهم جداً بالنسبة له ان يظهر على تراب الآخرين ولم يكن يهم مدى صغر دولة الطرف الآخر، فقد كان يذهب اليها». كانت آخر رحلة لرامسفيلد الى خارج الولايات المتحدة في فبراير الماضي، عندما زار المانيا.. وانطلقت هذه الجولة في الخليج من قاعدة اندروز الجوية تحت رذاذ الصباح الباكر، واحتشد الصحفيون في الساعة الخامسة فجراً لكي يتم فحص سياراتهم من قبل الكلاب المدربة على استنشاق المتفجرات، قبل ان يتم السماح لهم بالمضي قدماً الى قاعة كبار الشخصيات. توقف رامسفيلد على مدرج المطار في سيارته الحكومية قبل وقت قصير من موعد الاقلاع المقرر في الساعة السابعة صباحاً، وبعد بضع دقائق، سار الى مؤخرة الطائرة ليتجاذب اطراف الحديث مع افراد وسائل الاعلام ال17 الذين اختارتهم مسئولة العلاقات العامة، فيكتوريا كلارك، لمرافقته. وكان يرتدي سترة زرقاء وقميصاً مخططاً مفتوحاً عند الياقة وبنطالاً كاكي اللون وحذاء جلد بنياً. في المرحلة الاولى من الرحلة وهي الى شانون في ايرلندا لاعادة التزود بالوقود، عرض فيلم «درملاين» واول خطاب موجز لرامسفيلد في مقصورته بمقدمة الطائرة وهي غرفة كبيرة بدرجة تسمح باستيعاب اريكة تتحول الى سرير ومكتب وكرسيين جلديين. وتحدث بشكل اساسي عما يتوقع القيام به في اليوم التالي عندما كان من المقرر ان يلتقي بالرئيس حامد قرضاي في افغانستان، بعد توقف صباحي في الخليج. ثم بدأت المشكلات. فبعد الهبوط في شانون، تبين وجود بطانة مخرمة لمكابح طائرة رامسفيلد. وتحولت الفسحة المفترضة ان تستمر 30 دقيقة لارسال القصص الصحفية المبنية على حديثه الموجز الى تأخير دام سبع ساعات، وفجأة تحولت الرحلة من الفعالية المحكمة الى التسرع والانتظار. كان هناك حديث عن نقل الجميع بالحافلات الى فنادق قريبة الى ان يتم جلب طائرة نقل من طراز سي ـ 141 من قاعدة رامشتاين الجوية في المانيا. ولكن في النهاية، تم نقل بطانة المكابح من عجلة اخرى لتحل محل البطانة المتضررة. وغادر رامسفيلد شانون في الساعة الثانية وخمس وعشرين دقيقة صباحاً متجهاً الى الخليج في رحلة تبلغ مسافتها 800,3 ميل، غير ان افغانستان جرى ترحيلها الى نهاية الجولة. وما ان وصل رامسفيلد الى الخليج حتى قام بتبديل طائرته البوينج 757 بطائرة نقل عمودية من طراز سي ـ 17 كما يفعل غالباً في الطائرات الميدانية» التابعة لوزارة الدفاع بالنسبة للمناطق ذات مستويات الخطر العالية والمطارات الاقل تطوراً، ولكن ما ان توقفت الطائرة سي ـ 17 بجانب البساط الاحمر الذي فرش لرامسفيلد على المدرج حتى ظهرت مشكلات هيدروليكية فيها. وبدت الرحلة، لليوم الثاني على التوالي، متعثرة، ولكن الازمة حلت بسرعة. فلقد اقلعت الطائرة سي ـ 17، وهي طائرة مصممة لنقل المروحيات والمركبات المدرعة، للقيام بالرحلة القصيرة الى الدوحة في قطر وكانت فقاعة رامسفيلد تحدث جلبة في عنبر الشحن الكبير. وكانت نقطة التوقف الاولى هي معسكر السيلية خارج مدينة الدوحة، وهو مقر الحرب على العراق للقيادة الوسطى الاميركية، حيث عقد رامسفيلد لقاء مع الجنود وفي وقت لاحق، عقد الوزير في الساعة الثالثة عصراً مؤتمراً صحفياً بعد عودته الى الفندق اعقبه عشاء غير رسمي مع الصحفيين المسافرين معه في فندق ريتز كارلتون. وفي اليوم التالي، استمرت الجولة الى السعودية. وفي خضم موكب السيارات الى المطار، سأل احد الصحفيين زميله قائلا: في أي يوم نحن؟ كانت نقطة التوقف الاولى قاعدة الامير سلطان الجوية في السعودية من اجل عقد لقاء آخر مع الجنود. ثم انتقلت الجولة الى الرياض العاصمة، حيث التقى رامسفيلد مع الامير سلطان بن عبدالعزيز، وزير الدفاع والطيران في البلاد، في قصره وتضمن اللقاء غداء كريماً. ثم عاد موكب رامسفيلد الى المطار لكي يستقل الرحلة القصيرة الى مدينة الكويت، حيث قام موكب آخر بمواكبة الحاشية الى اماكن الضيافة في القصر الاميري وتم تقديم وجبة سخية اخرى. واذا كانت خطة رامسفيلد للحرب في العراق تتمحور حول السرعة، فإن الشيء نفسه يمكن ان يقال عن رحلته الى العراق، ففي مطار مدينة الكويت، كانت تنتظر ثلاث طائرات حربية من طراز ام سي ـ 130 كومبات تالونز، وهو نوع من الطائرات المخصصة للعمليات الخاصة والمستخدمة في ادخال قوات الكوماندوز الى مواقع خطرة في ساحة المعركة. وباختلاف كبير عن رفاهية درجة رجال الاعمال في طائرة رامسفيلد 757 او حتى الطائرة سي ـ 17، فإن الطائرة ام سي ـ 130 الاصغر تأتي مزودة بمقاعد متشابكة وكوابل فولاذية طويلة يشبك بها الكوماندوز حبال مظلاتهم. وبعد توقف سريع في مدينة البصرة العراقية الجنوبية، حلقت الطائرات الثلاث على ارتفاع منخفض، وقطعت الثلاثين ميلاً الاخيرة الى مطار بغداد الدولي على ارتفاع 500 قدم فقط عن الارض لتجنب صواريخ ارض ـ جو. وكان الاضطراب شديداً. احدى الطائرات كانت تقل رجال الاعلام ومن بينهم طاقم الكاميرات الاختصاصية لصالح شبكات التلفزة ومصور للصور الثابتة لصالح وكالات الانباء الصحفية. والطائرة الثانية كانت طائرة لرامسفيلد والثالثة كانت للتمويه. وكانت الطائرات الثلاث جميعها مزودة بانوار وبالونات حرارية ووسائل الكترونية مضادة لصد الهجمات بصواريخ سام. وحالما اصبحت على الارض، احيطت فقاعة رامسفيلد بفقاعة اكبر واكثر امنا تسيطر عليها القوات الحربية الاميركية الموجودة في المطار. وبدلاً من السيارات السوداء الطويلة وسيارات الدفع الرباعي، تألف الموكب الذي تجمع لنقل رامسفيلد من المطار الى قصر أبو غريب الذي كان لصدام حسين ـ تألف من السيارات العسكرية والسيارات المدرعة المركب عليها بنادق آلية. وعرض الموكب ايضاً الدعم الجوي الخاص به والمؤلف من طائرات مروحية من طراز أو أتش ـ 58 كيوا واريور كانت تحلق على ارتفاع منخفض على الجانبين.لم تكن هذه الحراسة العسكرية تأخذ رامسفيلد الى أي مكان قريب من وسط البلد، حيث لايزال جيبان على الاقل يعتبران «مناطق خطر» معادية. ومع ذلك، فإن المركبة المتصدرة للقافلة تعرضت لاطلاق نار عليها ثلاث مرات، وهي حقيقة لم يعلم بها رامسفيلد إلا في وقت لاحق. لقد تحولت ظروف المعيشة في أبو غريب وهو أحد القصور الرئيسية لصدام الى الاسوأ. فقد اصابت الطائرات الحربية الاميركية جناحاً خلفياً وجسراً من عدة جسور عبر قناة مائية بقنابل موجهة بالاقمار الصناعية في الايام الاولى للحرب، مما ادى الى تخريب شبكة الكهرباء وانابيب المياه. ولكن مساعدي رامسفيلد كانوا مسرورين مع ذلك لتناول الوجبات المخصصة للجيش في غرفة طعام رخامية كبيرة تكفي لاستيعاب 100 شخص. وما ان حان وقت عودة رامسفيلد الى مدينة الكويت، بعد ان التقى بقادة الجيش في القصر وزار محطة توليد للكهرباء وخاطب الجنود خلال اجتماع في المطار، حتى كان قد قضى تسع ساعات في العراق، وهي واحدة من اطول اقاماته في الجولة. وفي الصباح التالي وبعد محادثات قصيرة مع الكويتيين، غادر رامسفيلد في النهاية الى كابول على متن الطائرة سي ـ 17، لعقد لقاءات اخرى مع الجنود واجراء مشاورات مع قرضاي. وبعد الطيران لمدة اربع ساعات من الكويت لقضاء اربع ساعات على الارض في كابول، طار رامسفيلد لمدة اربع ساعات ونصف الساعة ليصل الى قاعدة انجرليك الجوية في تركيا. وهناك، وبعد توقف لمدة ساعة واحدة، عاد الى رفاهية طائرته من طراز بوينج 757 للقيام بالرحلة المباشرة الى لندن. وبعد بعض التشاور، كان الفيلم الذي تم اختياره للعرض في هذه المرحلة هو «المتهور» الذي سرعان ما اتفق معظم من كانوا على متن الطائرة على انه اسوأ فيلم يعرض في احدى جولات رامسفيلد. وفي لندن، التقى رامسفيلد المتوجه الى المرحلة الاخيرة في الجولة بقليل من النوم برئيس الوزراء توني بلير ووزير الدفاع جيفري هون وبالملك عبدالله الثاني عاهل الاردن قبل ان يطير عائدا الى قاعدة اندروز الجوية ويصل اليها في الساعة الخامسة والنصف مساء. لقد كان السجل النهائي للجولة كالتالي: فترة ما بعد الظهر في ابوظبي، ويوم في قطر وسبع ساعات في السعودية، وتسع ساعات في العراق واربع ساعات في افغانستان و10 ساعات في لندن. وحالما هبطت الطائرة في قاعدة اندروز حصل جميع من على الطائرة على جوازات سفرهم للمرة الاولى في غضون اسبوع، وكانت مليئة باختام الوصول والمغادرة، ونقل رامسفيلد في سيارة لنكولن نافيغيتر بينما انتظر افراد فريقه على المدرج بانتظار وصول الامتعة من الطائرة. وللأسف، فإنه حالما غادر رامسفيلد انفقأت الفقاعة وكان على الجميع ان يحملوا حقائبهم ويعودوا إلى منازلهم على الطريق الرئيسية بدون اية سيارات أمن تبعد زحمة السير. ترجمة: ضرار عمير عن «واشنطن بوست»