كتاب ـ واشنطن والعالم معضلات قوة عظمى ـ الحلقة الأولى ـ الستينيات شهدت البداية الحقيقية، جذور المحافظين الجدد أقدم عهداً مما يتصور الكثيرون

الاربعاء 6 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 7 مايو 2003 إن فهم آليات صياغة السياسة الخارجية للولايات المتحدة الاميركية يقتضي اولا بالضرورة تحديد السياق والشروط التي يتم على اساسها رسم ملامح التوجه الدولي الاميركي، وتتمثل احدى خصوصيات نقاش السياسة الخارجية الاميركية بالقياس الى البلدان الاخرى، في واقع تعدد الآراء واشكال التعبير وامكنته. ان الباحثين والصحفيين ورجال السياسة واساتذة الجامعات يساهمون في مثل هذا النقاش، وفي اغلب الاحيان يكون هؤلاء قد مارسوا اكثر من عمل وظيفي بأكثر من ميدان، وكثيراً ما يستعين بهم اصحاب القرار السياسي من الجمهوريين او من الديمقراطيين على حد سواء، وضمن مثل هذا الاطار تقوم روابط قوية بين دوائر الصحافة والبحث والسياسة. ولعل مثال ريتشارد هاس يوضح نموذج العناصر الفاعلة في النظام الاميركي. لقد بدأ هاس دراساته في معهد اوبرلاين في مطلع عقد السبعينيات الماضي، ثم حصل على منحة رودس الدراسية الشهيرة ليحصل على درجة الدكتوراه من جامعة اكسفورد، ولقد شغل بعد عودته عدة مناصب تدريسية عالية ليتبوأ بعد ذلك مسئوليات سياسية كمساعد لاحد أعضاء مجلس الشيوخ. عمل بعد ذلك في وزارة الدفاع الاميركية (1979 ـ 1980) ثم في وزارة الخارجية (1981 ـ 1985) لكن مكانته المرموقة تعود في الواقع للدور الذي لعبه كمستشار خاص للرئيس الاميركي الاسبق جورج بوش (الأب) اثناء حرب الخليج ولمنصب مدير شئون الشرق الاوسط وجنوب آسيا في مجلس الأمن القومي الاميركي بعد انتهاء رئاسة جورج بوش عمل كمستشار في الشئون الخارجية لدى قناة «ان. بي. سي» الاخبارية ثم انتقل بين عدة مناصب في مؤسسات تعمل في ميدان العلاقات الدولية ليصبح عام 1996 مدير دائرة السياسة الخارجية في معهد بروكينجر الشهير وفي عام 2000 طمح لان يتولى منصب مستشار الامن القومي لدى الرئيس الاميركي الحالي جورج دبليو بوش، لكن كوندوليزا رايس كانت اقرب للرئيس، لذلك كان عليه ان يكتفي بادارة فريق التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الاميركية ويصبح بذلك احد اكثر المستشارين المقربين من كولن باول. علب الافكار ان بعض خبراء السياسة الدولية الاميركيين من امثال ستانلي هوفمان رفضوا الاضطلاع بأي منصب رسمي في واشنطن، بينما اكتفى آخرون مثل صمويل هنتنغتون صاحب كتاب «صدام الحضارات» بتولي منصب ما لفترة قصيرة جدا، اما الاغلبية من باحثين واساتذة جامعات اهتموا بمجال السياسة الخارجية المعاصرة فانهم سعوا لممارسة مهنة «صانع قرار» ضمن هذا الاطار غدت لـ «علب الافكار» او «مراكز البحوث» اهمية خاصة في الحياة السياسية الاميركية لا سيما وان هذه «العلب» قد ملأت الفراغ القائم غالبا بين عالم البحث الجامعي، النظري والبعيد عن الاهتمامات الملموسة لاصحاب القرار، وبين عالم العمل ـ الفعل ـ الذي ينقصه غالبا ايضا الوقت الضروري للقيام بعمليات تأمل فكري معمقة. اما ما تنتجه «علب الافكار» والباحثون فهو بعض الاوراق حيث تكتسي المقالات في هذا الاطار اهمية اكبر من الكتب، بل وان صدور اي كتاب فانه يكون مرفقاً على الاغلب بـ «مقال» يكون المثال علميا او جامعيا يتم نشره في احدى الدوريات النظرية المختصة بالقضايا الدولية؟ او ربما يتم نشره في احدى المجلات الاميركية التي تعنى بالسياسة الخارجية لكن يبقى التأثير اكبر في حال النشر باحدى الصحف اليومية الكبرى مثل «نيويورك تايمز» او «واشنطن بوست» او «وولستريت جورنال» او «فايننشيال تايمز» ان حوالي ثمانمئة كلمة فقط في مثل هذه المقالات يمكن ان تكون اداة في صناعة القرار الاميركي على صعيد السياسة الخارجية وصحيفة «نيويورك تايمز» مثلا تتلقى كل يوم عدة مئات من عروض الاستفادة من «منبر» على صفحاتها لكنها تنشر فيها مقالين فقط، الى جانب آراء كاتبي الافتتاحيات فيها. هذه المنافسة الكبيرة على النشر تعود لمدى التأثير الكبير الذي تمارسه هذه المنابر، اذ يكون لها اصداؤها في وسائل الاعلام الاخرى، وخاصة الاذاعات والاقنية التلفزيونية مع هذا تبقى صحيفة «واشنطن بوست» هي الناطقة «المفضلة» لدى عالم الشئون الخارجية الذي تمثله مدينة «واشنطن» فهي الصحيفة التي تنشر اخبار المدينة وجدول الاعمال اليومي للكونغرس، وتخصص مساحة اسبوعية ـ يوم الثلاثاء ـ للحديث عن «علب الافكار» ومساحة اخرى ـ يوم الخميس ـ مختصة بمجموعات الضغط «اللوبي» لكن في كل الحالات يبقى المطلوب هو ايجاد العلاقة بين المفكرين واصحاب القرار؟ اذ عبر مثل هذه العلاقة تتحدد الى درجة كبيرة معالم السياسة الخارجية الاميركية. تيارات اميركية ان تقديم تيارات الفكر الاميركية المؤثرة في السياسة الخارجية للولايات المتحدة يقتضي اولا وبالضرورة تحديدها ورسم خارطة العلاقات بينها، وهذا امر في غاية الدقة والصعوبة لان الحدود بينها مشوشة الى حد كبير في الواقع، اضف الى هذا ان «رهاناتها» متمايزة، اذ يعنى بعضها بالنقاش حول مسائل التدخل العسكري، وتنكب اخرى على البحث في سبل فتح الاسواق التجارية الاجنبية، بينما يشكل التسلح النووي مركز اهتمام اخرى .. الخ. وهناك ايضا التعميمات غير الدقيقة مثل الحديث عن «صقور» و «حمائم» او عن «ولسنيين ـ من انصار ولسون» و «واقعيين» .. ثم ان التمييز التقليدي عند ذكر مدارس السياسة الخارجية الاميركية بين «الولسنيين» و «الواقعيين» يشكل احدى نقاط الانطلاق للبحث في تيارات الفكر الاميركية بميدان السياسة الخارجية. وكان هنري كيسنجر، المستشار الاسبق للرئيس الاميركي لشئون الامن القومي (1969 ـ 1975) ووزير الخارجية (1973 ـ 1976) في ظل الرئيسين ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد قد رسم في كتابه الذي يحمل عنوان «دبلوماسية» صورة للرئيسين اللذين جسدا حسب رأية طموحين متعارضين للولايات المتحدة الاميركية لقد رأى احدهما ان لاميركا دوراً دوليا عليها ان تلعبه لان مصلحة الامة تقتضي ذلك، وكان تيودور روزفلت الرئيس الاميركي الاسبق قد انطلق من مبدأ ان الولايات المتحدة كانت قوة مثل غيرها ولا تجسد احدها الفضيلة وبالتالي كان عليها عندما تصطدم مصالحها مع مصالح البلدان الاخرى اللجوء الى القوة من اجل ان تنتصر كانت تلك نظرة «واقعية» اما ولسون فقد اعتبر ان لاميركا دورا تبشيريا بحيث لا يكون عملها مجرد السعي لتحقيق توازن القوى، وانما نشر مبادئها في العالم اجمع اي ان السياسة الخارجية الاميركية كانت تقوم على «قيم اخلاقية» وهذا ما اسماه كيسنجر بـ «المثالية الولسنية» معربا عن اعتقاده بأن الرئيس الاسبق ريتشارد نيكسون مع ان سياسته الخارجية قد استلهمت ملامحها في عدة جوانب من أفكار روزفلت، كان في الواقع احد تلامذة ولسون وكان قد علق صورة الرئيس ولسون على احد جدران مكتبه، لكنه قام في الوقت نفسه بانفتاح دبلوماسي على الصين، مما شكل تطبيقا حيال «النظرية الواقعية في العلاقات الدولية». وتدل الواقعية السياسية على مفهوم رؤية الاشياء كما هي، وبالتالي تتعارض مع المثالية التي تميل الى رؤية العالم كما ينبغي ان يكون وبهذا المعنى يمكن اعتبار الواقعية بمثابة المدرسة السائدة في نظرية العلاقات الدولية، كما رآها «الآباء المؤسسون من توسيديدس وحتى ريموت آرون ومرورا بمكيافيللي، حيث يتم القول بعدة مسلمات بسيطة، وهي ان المنظومة الدولية هي فوضوية بجوهرها، وبالتالي لا يمكن مقارنة عملها بما يجري في بلد واحد تطبق الدولة القوانين فيه، من هنا تغدو مفاهيم توازن القوى والتحالفات بمثابة امر اساسي لأمن الجميع. ان الواقعيين من امثال تيودور روزفلت وهنري كيسنجر وزبينفيو بريجنسكي وبرنت سكوكروفت يميلون في ممارساتهم الى التأكيد على توازن المنظومة الدولية في مواجهة المغامرات، اي انهم يريدون المحافظة على الاوضاع القائمة كما هي، هؤلاء المحافظون ينتمون غالبا على صعيد السياسة الداخلية الاميركية الى الجمهوريين. لكن هذا لا يعني ان جميع المحافظين هم واقعيون، اذ ان البعض منهم طور النزعة «الولسنية» على هواهم، واكدوا ان مهمة اميركا هي تشجيع الديمقراطية في العالم (رونالد ريغان في الامس وبول ولفوفتيز وغيره اليوم) الامر الذي غدا بمثابة عنصر دفع بالمنظومة الدولية الى منطقة العواصف، كما سنرى لاحقا. وقد كانت حرب فيتنام بمثابة المنعطف في تصنيفات السياسة الخارجية الاميركية، اذ جرى وضع اغلبية الليبراليين الاميين في خانة «الحمائم» مقابل «الصقور» الذين كانوا يميلون الى متابعة الحرب في فيتنام. ثم بعد ذلك تعميم تصنيف «الصقور / الحمائم» على مجمل ميدان السياسة الخارجية الاميركية بحيث انه عنى في ظل الحرب الباردة اما سياسة المواجهة والحذر الاقصى والحزم في مواجهة الاتحاد السوفييتي واما التأكيد على التعايش السلمي بين الغرب والشرق. واذا كان الرئيس الاميركي السابق «بيل كلينتون» قد حاول ان يتبنى نوعا من الولسنية النفعية ـ البراغماتية ـ فان مجلس الامن ا لقومي الاميركي اعد وثيقة رسمية تشكل «دليل عمل» للسياسة الخارجية للولايات المتحدة ان هذه الوثيقة تؤكد على المباديء الولسنية التقليدية لادارة كلنتون مع تأكيد مفاهم السياسة الخارجية الاميركية، وقد جاء في صميم هذه الوثيقة بأن «استراتيجية» الولايات المتحدة في الالتزام بالقضايا الدولية وبـ «نشر الديمقراطية» تقوم على ثلاثة مكونات رئيسية هي: «1ـ بذل الجهود من اجل تعزيز امتنا بواسطة المحافظة على قدرة دفاعية عالية واستخدام دبلوماسية فعالة لتشجيع اجراءات التعاون الامني. 2ـ العمل من اجل فتح الاسواق الاجنبية وانعاش النمو الاقتصادي العالمي. 3ـ تشجيع الديمقراطية في الخارج». ان اطروحات الاممية الليبرالية تتماشى مبدئيا مع اليسار على رقعة شطرنج السياسة الداخلية الاميركية، لكن تياراً آخر ينتمي الى اليمين هو الذي قال بتبنيها، وهو تيار الريغانيين المحافظين الجدد، وقد قال بهذا الصدد المحلل السياسي الاميركي المعروف توني سميث ما مفاده: «لم تظهر اي ادارة اميركية منذ ادارة ولسون الحزم نفسه والتعلق ذاته بتشجيع الديمقراطية في الخارج مثلما اظهرت ادارة رونالد ريغان»، فعندما يضع رئيس مسألة زعامة المجموعة الدولية من قبل ديمقراطيات تتبنى قواعد السوق في صميم سياسته الخارجية، ومهما كانت الطريقة التي يصف فيها هذه السياسة، فانه بالتأكيد ذا نزعة ولسنية». لكن اذا كان ولسون قد استخدم خلال فترتيه الرئاسيتين القوة جزئيا لفرض الديمقراطية (في اميركا اللاتينية والفلبين) فان اللجوء المنفرد للتدخل العسكري لم يكن مبدأه المفضل بل كان يطمح الى ان تحل قواعد القانون بدلا من موازين القوى لكن رونالد ريغان والمحافظون الجدد وبعض شخصيات جورج دبليو بوش مثل بول ولفوويتز وريتشارد بيرل يتفقون مع المباديء الولسنية بخصوص تعزيز مصالح الولايات المتحدة بواسطة نشر الديمقراطية، لكنهم لا يتفقون فيما يتعلق بطموح ايجاد نظام دولي يحكمه القانون والهيئات الدولية وحيث تكون القاعدة هي حل الازمات جماعيا، كما انهم لا يتفقون مع النزعة المثالية والاهتمام بالغير، كما تنص المباديء الولسنية، مع ذلك يصر الريغانيون على انهم ورثة الولسنية، اذ لا يريدون ان يتركوا للبراليين احتكار الطموح الاخلاقي، ويرمون، على الاقل الى الاشارة الى ما يميزهم عن الواقعيين، الذين يركزون على ضرورة استمرارية الوضع القائم، والريغانيون يؤكدون بشكل خاص على ان لاميركا «مهمة» كونية. وقد كتب ماكس بوت في دراسة له نشرها في «وول ستريت جورنال» بالاول من يوليو 2002 يقول ان تسمية «دبليو» في اسم جورج بوش، الرئيس الاميركي الحالي، قد جاءت من دبليو في اسم الرئيس الاسبق «ولسون، وقد قال الولسنيون انه ينبغي للاخلاق وللمصلحة القومية ان تمضي الولايات المتحدة الى تشجيع القيم الليبرالية في الخارج ولو كان ذلك عبر استخدام القوة. وكان ولسون قد ارسل قوات اميركية الى فرنسا والمكسيك وهاييتي وجمهورية الدومينيكان وروسيا واذا كان قد فقد الكثير من مصداقيته بعد فشله المتكرر اثر الحرب العالمية الاولى فلا شك بأن افكاره بقيت في اصل احد اكثر التيارات صرامة في الفكر الاميركي بميدان السياسة الخارجية. الجذور القديمة ان انصار السياسة الواقعية يسخرون من جهتهم من اقحام الاخلاق في ميدان السياسة الخارجية، ويعتقدون ان المستلزمات الجيوسياسية الثابتة هي التي تحكم سياسات الامم وليس للايديولوجيات سوى قرط ضئيل في العلاقات الدولية، هكذا اذا كان الواقعيون يدعون الى استقرار الاوضاع على ما هي عليه فان الولسنيين يفضلون «الثورة» هكذا بدا رونالد ريغان ذا «توجه ثوري» بينما كان جورج بوش «الاب» من انصار الاستقرار بل انه كان قلقا لان شريكه في المفاوضات ميخائيل جورباتشوف لم يكن مسيطرا على السلطة، وان هناك امكانية لـ «تفجر» الاتحاد السوفييتي، هذا ما يدل عليه خطابه في مدينة كييف عام 1991 عندما حث اوكرانيا على عدم الانفصال عن الاتحاد السوفييتي، لكن انفصلت عنه بعد اسابيع فقط .. وهكذا ايضا عارض اثناء حرب الخليج 1991 متابعة الزحف حتى بغداد خوفا من الاضطرابات التي يمكن ان تترتب على ذلك. في بداية عهد ادارة جورج دبليو بوش لم يكن واضحا الاتجاه الذي سوف تسلكه في حقل السياسة الخارجية، اذ اشتمل الفريق الحاكم على «ولسنيين» متشددين من امثال بول ولفوويتز واليوت ابرامز وعلى واقعيين يمثلهم بجدارة مثل كولن باول وكوندوليزا رايس في البداية بدت السياسة الخارجية للادارة الحالية ذات طابع دفاعي وتتركز على تعزيز الدرع القومي الصاروخي والانسحاب من الاتفاقيات الملزمة وحديث الرئيس بوش الاولي حول معاقبة الارهابيين، وينقل ماكس بوث عن الرئيس بوش قوله في خطاب له في شهر يونيو 2002 ما يلي بالنسبة للفلسطينيين: «انني ادعوهم الى بناء ديمقراطية حية قائمة على التسامح والحرية» وهناك خطاب آخر قبل اسابيع من ذلك التاريخ جاء فيه: «ان مطالب الحرية تطال ايضا افريقيا واميركا اللاتينية والعالم الاسلامي برمته .. ان شعوب الامم الاسلامية تريد وهي جديرة بالحريات والفرص نفسها المتاحة لشعوب اية امة وينبغي على حكوماتها الاستماع لتطلعاتها ثم اضاف: ان اميركا لا تستطيع فرض هذه الرؤية لكننا نستطيع ان نساعد ونكافيء الحكومات التي تتبنى خيارات جيدة لشعوبها.ان الشرخ بين «الواقعيين» و «الولسنيين» كما يبدو في نص ماكس بوت، حيث يدل تعبير «الولسنيين» في هذا السياق على «المحافظين الجدد» او «الريغانيين» يسمح بالقول بأن جذور الستينيات والسبعينيات وقد وجدت الحركة المحافظة ازدهارها مع الجمهوريين وخاصة في عهد رونالد ريغان، اما الحزب الديمقراطي فقد عرف عدة تمزقات ورفضت «الاغلبية الصامتة من الناخبين سياسة الحصص بالنسبة للاقليات كذلك رفضت اختيار جورج ماكجفرن لخوض الانتخابات الرئاسية عن الديمقراطيين عام 1972 باعتباره «يساريا جدا» في الوقت نفسه ظهر جناح وسطي لكنه بقي اقلياتي في الحزب كذلك هزت حرب الفيتنام قناعات عدد من الديمقراطيين ب« القيم الاميركية». وشيئا فشيئا تجمع تيار مهم حول معادي «السياسة الواقعية» لـ «الوفاق» مع الاتحاد السوفييتي التي مارسها نيكسون وكيسنجر ثم لسياسة كارتر المائعة جدا، حيال الشيوعية، وقد ساهم تيار المحافظين الجدد هؤلاء الى حد كبير في صياغة السياسة الخارجية الاميركية في ظل ادارة رونالد ريغان لقد كان العديد من هؤلاء قد تخلوا عن الحزب الديمقراطي لانهم «لم يجدوا انفسهم في سياسة الحمائم التي انتهجها كارتر» ومن بينهم جان كيركباتريك واوجين روستو وكنث ادلمان وريتشارد بيرل وماكس كمبلمان واليوث ابرامز وغيرهم. وكان الحزب الجمهوري نفسه يعرف بتيارين، يضم احدهما «الاداريين» الوسطيين من انصار «السياسة الواقعية» بينما يعبر الآخر عن اليمين الايديولوجي وعن القوميين المعادين جدا للشيوعية كان التيار الاول يؤيد الحوار و «بقاء الامور على ماهي عليه» والدبلوماسية بينما يتبنى الثاني الدفاع النشط وحتى بواسطة السلاح، عن «القيم الديمقراطية» ولا يتردد انصار هذا التيار في شجب «لا اخلاقية الواقعيين» ويرون مثلا ان هنري كيسنجر هو اوروبي خرب القيم الاخلاقية لاميركا وفي عام 1976 استطاع اليمين الجمهوري والمحافظون الجدد ان يفرضوا رأيهم على جيرالدفورد وهنري كيسنجر وجورج بوش الاب كان آنذاك رئيسا لجهاز وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية ـ ويفرضوا تشكيل فريق لاعادة النظر في تقديرات وكالة الاستخبارات الاميركية حول قدرات الاتحاد السوفييتي، ونواياه. وفي عام 1980 فرض المحافظون الجدد مرشحهم للانتخابات الرئاسية.واذا كان المتشددون قد برزوا في ظل ادارة رونالد ريغان فان ادارة جورج بوش الاب شهدت عودة بعض الواقعيين للواجهة من امثال برنت سكوكروف وجيمس بيكر وريتشارد هاس .. الخ في مواجهة ممثلي الجناح المتشدد وعلى رأسهم ديك تشيني وبول ولفويتز ومثل هذا التنافس يجد صداه في ادارة جورج دبليو بوش الحالية بين كولن باول وكوندوليزا رايس وريتشار هاس كـ «واقعيين» من جهة ودونالد رامسفيلد وديك تشيني، وريتشارد بيرل، اي جناح «الصقور» من جهة اخرى، اي الجناح الذي يقول انصاره بـ «الهيمنة الاميركية» حيث يلتقون بذلك مع تيار «الامبريالية الجديدة» كما سنرى لاحقا. رقعة الشطرنج كانت مسألة التدخل في يوغسلافيا السابقة، اي في البوسنة ثم في كوسوفو، مناسبة من اجل تبلور تيارين يضم احدهما القائلين بالتدخل العسكري من انصار الهيمنة الاميركية بينما انضوى في اطار الثاني الواقعيين من جمهوريين وديمقراطيين الذين تبنوا الموقف الذي قال به وزير الخارجية «جيمس بيكر» وفحواه: «لا مصلحة لنا في هذا الرهان» وكان نورمان بودوريتز احد ابرز الوجوه الفكرية في نيويورك، قد وصف الوضع الغريب الذي تم التوصل اليه عام 1999 بخصوص التدخل في كوسوفو بالقول ان الصقور لم يعودوا بالضرورة صقوراً لكن الحمائم اصبحوا بالاخص صقوراً. وكان من بين ما جاء في مقالة نشرها في خريف عام 2000 بمجلة «السياسة الدولية» : «ما يثير الدهشة اكثر هو الدعم الذي وجده كلينتون لدى الاوساط الليبرالية والتي كانت منذ ان بدأت الحرب الفيتنامية لا تسير في صالحهم، ومن بينهم الشباب كلينتون نفسه، قامت بحملة نقد شديد ضد الجيش الاميركي، ولم تطالب فقط بالانسحاب من فيتنام ومعاملة الجنود العائدين من الجبهة وكأنهم خونة لكنها طالبت ايضا بتقليص الميزانية العسكرية وايدت مشروع نزع السلاح النووي وحتى انها قبلت نزعه من جانب واحد. «وفجأة بدأت مجموعة الليبراليين متعطشة للدماء وانني اسوق غالبا مثال انطوني لويس الصحفي في «نيويورك تايمز»، والذي كان قد وصف قصف شمال فيتنام عام 1972 بأنه «جريمة ضد الانسانية» و«ارهب عمليات التدمير في التاريخ الانساني»، اما في ظل كلينتون فان النقد الوحيد الذي وجهه للرئيس هو انه قد انتظر طويلا قبل ان يحمل السلاح في البوسنة ثم انه حابى كثيرا سلوبودان ميلوسيفيتش في كوسوفو. فكيف يمكن ان نفسر هذا الانقلاب لدى اناس ظلوا حتى حرب الخليج 1991 معادين تقريبا للنزعة العسكرية؟ ان الاجابة عن مثل هذا السؤال حيث عنها بودوريتز في خانة المصالح وقد لخص مؤلف هذا الكتاب المواقف الرئيسية الاميركية في ميدان السياسة الخارجية وما عرفته من تبدل بالقول ان هناك محورين يعبران عن المواقف الراهنة؟ وذلك على اساس ان البعض يعتقدون بوجود مهمة ـ كونية ـ لاميركا بينما يرى آخرون انه بلد مثل غيره من البلدان وعليه بالتالي ان يسهر على صيانة مصالحه القومية .. ويبدو ان الخط السائد اليوم هو اقرب الى المحور الاول. لكن هذا لا يلغي واقع ان رقعة الشطرنج الاميركية في ميدان السياسة الخارجية تحتوي على مختلف الوان الطيف الفكري السياسي من اقصى اليسار الذي يمثله المفكر نعوم شومسكي احد اصواته الرئيسية، والذي لا يتردد في توجيه النقد العنيف للسياسة الخارجية الاميركية ويعتبرها سياسة لا اخلاقية بل واجرامية تقوم دائما على مبدأ مثقالين ومقياسين وحتى اقصى اليمين باتريك بوكانان وغيره، وما بينهما هذا مع وجود تأثير كبير لما يسمى بـ «علب الافكار» التي تلعب احيانا دورا مهما في صيانة السياسة الخارجية الاميركية. تأليف: بيير هاسنر وجوستان فايس _ عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

طباعة Email
تعليقات

تعليقات