الثلاثاء 5 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 6 مايو 2003 باري غيلبرت الملحن وعازف الجاز، الذي هاجر منذ نحو سنة الى اسرائيل من بريطانيا، نجا باعجوبة من هجوم انتحاري في ملهى «ميكس بليس» في تل ابيب «كنت اعزف لحوالي مئة شخص ملأوا المكان» روى لي باري، منفعلا، «وعندها شاهدت بريقا قاتما وسمعت صوت انفجار، ثم غاب كل شيء في سحب الدخان». ومع بزوغ الفجر على شاطيء بحر متنزه تل ابيب، بدت بقع الدم على قميصه. الدم الذي نزف من عشرات الجرحى الذين منذ لحظة كانوا يستمعون الى عزفه على البيانو. «سمعت صراخا وخرجت عبر الدخان». لم اتمكن من التحدث مع جاك بكستر. ففي مستشفى «ايخيلوف» قالوا لي ان جراحه خطيرة وهو في العلاج المكثف. باري هو الذي حكى لي عن بكستر، ذلك الاميركي الذي قدم من نيويورك لانتاج فيلم عن امسيات الجاز في الملهى، على خلفية جو الصراع الاسرائيلي الفلسطيني. بكستر خرج من اعماق الملهى باتجاه المدخل. وحين كان رجل الامن المتيقظ يحاول منع دخول القائم بالعملية، وقع الانفجار، فانقطع فيلم بكستر الوثائقي. كحياة ثلاثة من الضيوف، ومثلما ستتغير الى الابد حياة عشرات الجرحى. عشرات الشبان والشابات، ومعظمهم من الاسرائيليين، كانوا يملأون الملهى كل يوم ثلاثاء للاستماع الى عزف باري لالحان البلوز روك. هذه الموسيقى لا تلائم الشاطيء التل ابيبي الساحر فحسب، بل تناسب كذلك بشائر المسيح الوهمية التي برزت من افواه الناشطين السياسيين ووسائل الاعلام.انهارت الجبهة الشرقية «بشروا. واذن بات من الممكن حل نصف الجيش الاسرائيلي. «اعطوا فرصة لابي مازن» اقترح احدهم اعطوا فترة سماح لابي مازن «اقترحت وثيقة سرية بمثابة تقرير لمحترفين في وزارة الخارجية. ومرة اخرى لاحت ساعة المتعة لدى الزعيم الفاشل والمفشل لحركة ميرتس، عضو الكنيست يوسي سريد، الذي تشكى في صوت اسرائيل المرة بعد الاخرى، من ان الجيش الاسرائيلي ما كان يجب ان ينفذ عملية الاحباط العينية في خانيونس، «في نفس اللحظة التي كانوا يختارون فيها مازن في رام الله بالذات». جميع هؤلاء، اعضاء جوقة اوسلو العريقة الصماء، جاءهم الرد في نادي الجاز: لن تحصلوا حتى على لحظة واحدة من مهلة سوى لدى جماعة جمع الاشلاء، الذين سيعودون الى لملمة اشلاء الجثث المقطعة، كما شاهدتم في «ميكس بليس». خارطة الطريق ليست خارطة - بل هي اكفان للف جثثكم. كانت تلك تذكرة ، غداة يوم الكارثة، بان شيئا لن يتغير في عهد ابو مازن ايضا، وذلك لان عرفات قد بعث حيا. واذا لم تواصل اسرائيل تصفية رجاله وقادتهم وهيكلياتهم. فلن ترافق الحان الجاز اليهود، بل صلوات الموتى التي لا تنقطع.ان من بعث عرفات حيا من قبره في المقاطعة هم الاوروبيون بداية. من يوشكا فيشر حتى ميغيل موراتينوس، الذين قرروا باستخفاف شرير العودة الى تأييد عرفات مثلما عارضوا حرب جورج بوش ضد صدام حسين، وهكذا تجاوز هؤلاء الاوروبيون، معززين بتوني بلير، الامل الذي لاح لبرهة، في تغيير الوضع، وأوجد امكانية حقيقية لايجاد شريك فلسطيني، من خلال القاء ياسر عرفات في متاهة النسيان. كم يهوديا اخر على اسرائيل ان توافق على قتلهم - كي يتكرم الاوروبيون ومؤيدوهم في الاعلام الاسرائيلي، بمنح مصادقتهم على ان الحكومة قد «اعطت فرصة» او اعطت «فترة سماح » لابي مازن؟ ان اي شعب طبيعي في العالم الديمقراطي، ما كان ليوافق ثانية على ادخال نفسه في مختبر تجارب كهذا، بعد ان قتل اكثر من 700 شخص كنتيجة لتجربة اوسلو السالفة. بيد ان التعفن قد علا ذروة اجهزة المخابرات كذلك. فلقد كان مذهلا سماع رئيس قسم المخابرات المثرثر في اجهزة الاعلام بلا توقف، الجنرال اهرون زئيفي، يحلل مرة اخرى في مقابلة تلفزيونية ان ثمة احتمالا فعليا للتقدم مع ابي مازن. شرح رئيس المخابرات العسكرية: «لكنه كما في شركة تجارية، من الممكن ان يقوم الاب المؤسس «عرفات» بالتشويش على الجيل المكمل «ابو مازن». اي «جيل مكمل»؟ ايها الجنرال المحترم. ابو مازن وعرفات هما من الجيل نفسه الذي اقام وأسس لا «شركة تجارية»، بل جماعة منظمة. ودوي قنابل المنتحرين مثل الموسيقى الليلية الهادئة في اسماعهم. هناك في الملهى، وحين كان افراد جمع الاشلاء ينزعون بقايا اللحم البشري عن الآلات الموسيقية اليتيمة، كان ما ينقص هو فليني كي يخرج المعركة الجديدة في فيلم لا معقول، يمثل فيه فنان بمشاركة احصائيين من اليسار والاعلام الاسرائيلي. لقد جاء جاك بكستر المسكين، الذي يصارع الموت، لكي يصور الفيلم غير الصحيح. بقلم : أوري دان _ عن «معاريف»