في الهجوم الأكثر ضراوة على حرب بوش، نزعة عنصرية أميركية وراء انطلاق الجيوش إلى العراق

الثلاثاء 5 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 6 مايو 2003 بعد أن تلاشت سيطرتهم في مجال الرياضة وفي اوساط العمل وفي وطنهم، تصور الرئيس الأميركي جورج بوش ان الرجال البيض من الأميركيين بحاجة لأن يعرفوا انهم لا يزالون متفوقين في شيء ما. ومن هذا المنطلق جاءت الحرب على العراق. يخرج الممثلون من المسرح، وتسمع أصوات الرعد وتلوح لمعات البرق، إنها اجواء الصدمة والترويع. ترى مناظر الاتربة والرماد والضباب والحرائق والدخان والرمال والدماء وهي تسيطر على الأجواء مع قدر كبير من الدمار على الأطراف. غير أن المسرح يظل بلا شخوص. ولم تتم الاجابة بعد على السؤال الذي طرح عند رفع الستائر: لماذا قمنا بشن الحرب؟ فإذا لم تكن هناك اسلحة دمار شامل حقيقية يجرى العثور عليها، فإن السؤال سيظل كصرخة في واد. أو إذا حدث، وهو أمر اكثر احتمالاً ان تم الكشف عن مثل تلك الاسلحة في العراق ـ التي لا توازي عُشر او حتى واحد في مئة من الاسلحة التي نمتلكها نحن في اميركا ـ فإنه سيكون من المحتمل ايضا ان قدراً أكبر من تلك الاسلحة قد تم نقله واخفاؤه في اماكن خارج العراق. وإذا صح هذا الأمر، فإن احداثاً مروعة يمكن أن تقع او ان حدث ووقعت فنحن يمكننا التأكد من رد فعل واحد متوقع حدوثه ويتمثل في الآتي: «يا إلهي لقد قتل آميركيون ابرياء، مخلصون اليوم على يد ارهابيي القاعدة الاشرار! نعم اننا في تلك الحالة سنسمع صوت الرئيس الأميركي يتكلم حتى قبل أن ينطق بمثل هذه الكلمات. بالنسبة للأميركيين الذين لا يحبون جورج بوش، فنحن نعترف ايضا بأن تحمل وجوده في المكتب البيضاوي يتشابه مع الزواج بشخص يتحدث او تتحدث عن اشياء تعرف انت او تعرفين أنت مقدماً ان هذا الشخص سيقولها، وهو الأمر الذي يساعد على تفسير سبب ان النصف الآخر من اميركا يحبون بوش.ويظل السؤال المحوري بشأن السر في اننا قمنا بشن الحرب من دون اجابة، وفي النهاية هناك احتمال ان تأتي مجموعة من الأمور تعطي مجالا على الأقل يمهد الطريق لأن يعبر المرء عن تصوره إزاء الأمر. فبوسعي انا القول أننا قمنا بشن الحرب لأننا كنا في حاجة ماسة للقيام بذلك. فالاقتصاد الأميركي كان يغرق، والسوق آخذ من التدهور، وعانت بعض القلاع الأميركية الاصيلة (قطاع الشركات ومكتب التحقيقات الفيدرالي، والكنيسة إذا اردنا تسمية ثلاث فقط من هذه القلاع) من فضائح منفصلة، شوهت سمعتها بقدر كبير. وفي ضوء أن ادارتنا الأميركيين غير مستعدة لأن تحل أيا من المشكلات الخطيرة التي تواجهها فقد كان من الطبيعي ان تشعر الادارة بحافز ودافع داخليين يدفعانها لخوض مغامرات أكبر، وهو ما تمثل من خوض الحرب على العراق.. فلنقل ان الادارة علمت شيئا لم يعلمه عدد كبير منا، وهو اننا لدينا مجموعة جديدة جداً وربما جيدة على مستوى استنائي وفوق العادة من القوات المسلحة تتكون من جنود مهرة ومنظمين ومؤهلين نفسيا تقودهم هيئة من القادة الأذكياء المهرة، الواضحين، الأقل فساداً من أي مجموعة اخرى من اميركا تتقلد السلطة. فعنى هذه الحالة، لماذا لا يستخدم البيت الأبيض هذه القوة؟ فهؤلاء يمكنهم ان يبرهنوا انهم نموذج لرفع معنويات مجموعة معينة في أميركا، وهذه المجموعة ربما تكون المجموعة الرئيسية من البلاد، الا وهي الذكور البيض من الأميركيين، تلك الجماعة التي وإن حدث واقترب عددهم الكلي من 50% من الشعب، فإنها لا يمكن أن تتجاوز هذه النسبة. فهي الآن تمثل 30% من الشعب. غير انه على الرغم من ذلك فإن افرادها يبقون حيويين واساسيين في دعم الموقف السياسي للرئيس. وقد منيت هذه المجموعة بهزيمة كبيرة. فأفراد هذه المجموعة من الذكور البيض لم يصنعوا إلا القليل للغاية لرفع معنوياته منذ أن تدهور سوق الوظائف لولا ما صنعته القوات المسلحة. فالوضع في العمليات العسكرية مختلف بالتأكيد فالقوات المسلحة اضحت بمثابة مثال نموذجي لشخص رياضي شاب يعمل على اختبار وقياس قوته الحقيقية. فهل يمكن ان يكون هناك رجل ما يقف في الاحراش وجد ليأمر ويلقى بالتعليمات واسمه العراق؟ هذا الرجل لحمه مر وجلده سميك، ولكنه تقدم في العمر وازداد تبجحه. فياله من خصم لا يمكن اختيار أفضل منه لمهاجمته من خلال حرب صحراء لا يوجد بها كهوف تبدو وانها وجدت خصيصاً لتناسب امكانات سلاح جوي يمتلك قدراً لا يضارع من الاسلحة التقنية التي وصلت إلى درجة من الكمال التي يصل اليها نموذج خاص لطائرة واقفة على مدرج احد المطارات تم تصميمها للقيام برحلات خاصة لأصحاب المراتب العليا وصفوة القوم! ومن هذا المنطلق تم اختيار العراق. وذهب افراد شعبنا من الاشخاص الجيدين الذين يحتلون المراتب العليا للادعاء بأن عدونا شكل تهديداً نووياً. وذهبوا في غمار ادعاءاتهم إلى حد تصوير صدام حسين على انه مهندس عمليات الحادي عشر من سبتمبر. ثم اعلنوا أنه يؤوى شبكة من الارهابيين. ولم يحدث ان ثبتت صحة أي من تلك الادعاءات او خضع أي منها لتمحيص وتحقيق دقيقين، ولكن ما علينا، فلم تكن هناك حاجة لذلك فنحن كنا قد عقدنا العزم على شن الحرب بصرف النظر عن اي شيء فبعد الحادي عشر من سبتمبر وفي ضوء غياب شخص اسامة بن لادن سواء من افغانستان او من اي منطقة اخرى، لماذا لا يتم اختيار صدام حسين ليكون هو القوة الشريرة وراء سقوط برجي مركز التجارة؟ نحن سوف نحرر العراقيين.وبدافع من الجشع والبجاحة والغرور والفجور، لم يستطع نصف الولايات المتحدة المنقسمة على نفسها ان ينتظر الحرب الجديدة كنا نعلم ان تلفزيوننا سيكون رائعاً وكان كذلك فقد كان منقحاً، ولكنه رائع وهو الامر الذي من المفترض ان يكون عليه اي تلفزيون جيد، على الرغم من كل شيء. غير انه كانت هناك مجالات افضل لاستخدام مهاراتنا العسكرية، الا ان هذه المجالات تعيدنا مرة اخرى الى الوعكة التي يعانيها الرجل الأبيض الأميركي، الذي يتجرع ضربات يومية موجعة خلال الثلاثين عاماً الماضية فلقد حققت الحركة النسائية انجازات كبيرة في الوقت الذي اختفى فيه الذكور البيض عن الأضواء وبريق الشهرة. وانخفض حجم التشجيع والمكافأة المقدم لرؤية ومشاهدة الألعاب والمسابقات الرياضية، فقد انتهى زمن النجوم البيض العظام من كرة القدم وكرة السلة والملاكمة وتقريباً من رياضة البيسبول ايضاً، فالسود يسيطرون الآن على كل هذه الرياضات (في الوقت نفسه يتحرك ابناء أميركا من اصل اسباني بسرعة رهيبة وحتى الآسيويين بدأوا يكتفون بصمتهم) فنحن الرجال البيض لم يعد لدينا الا نصف رياضة التنس ويمكن كذلك الاشارة في هذا الصدد الى هوكي الجليد والتزلج والجولف (باستثناء تايغر وودز، بالطبع)، والسباحة واتحاد المصارعة. وعلى الوجه الآخر نجد ان الرجال البيض الأميركيين لا يزالون يسيطرون على القوات المسلحة فإذا كان السود والاميركيون من اصل اسباني عددهم كبير هناك، فإنهم ليسوا اغليبة بأي حال من الاحوال، ويوحي الوضع في سلك الضباط (اذا كان التلفزيون مصدراً يمكن الاعتماد عليه) بأن نسبة البيض تزيد كلما ذهبنا الى المناصب العليا من هذا السلك. علاوة على ذلك فإننا لدينا رجال دبابات يتمتعون بقوة ضارية وقوات مارينز تتمتع بقوة فائقة، وسلاح جوي هو الأفضل من نوعه في التاريخ فإذا لم نستطع ان نعثر على رجولتنا في اي مكان آخر، فإنه يمكننا ان نجدها في التفاعل بين الآلة الحربية والتكنولوجيا، ومن هذا المنطلق اتقدم انا بهذا الاقتراح الذي يفيد بأن هذا السبب هو احد العوامل الأساسية التي ذهبنا لشن الحرب من اجلها فنحن نعلم اننا متفوقون في هذا المجال. غير انه خلال الاحداث السريعة التي وقعت في الاسابيع القليلة الماضية، مر جيشنا بمرحلة تحول كبيرة فنحن قد تحولنا من رياضي عظيم الى جراح كبير قادر على التعامل بسرعة عالية مع مريض حالته شديدة التأخر وعلى الرغم من ان العملية انتهت الآن ويجري العمل في اللمسات الاخيرة لتطبيب المريض، فإن اسئلة جديدة وصعبة بدأت في الظهور: هل تم تطوير اي عقارات جديدة للتعامل مع ما بدا انه عدوى سريعة الانتشار؟ هل نحن نعلم كيفية التعامل مع التقيحات التي لم نكن على استعداد كامل لمواجهتها؟ ام انه من الافضل تجاهل العواقب؟ الا ينبغي لنا ان نثق في حظنا الاميركي العظيم وايماننا بحماية الله لنا فهل من الأفضل، اذا تبين لنا ان هذه التقيحات غير قابلة للعلاج، او ان علاجها والتعامل معها مضيعة للوقت، ان نتركها وراء ظهورنا فنحن يمكننا ان نتحرك نحو الهدف التالي فنحن يمكننا ان نضم صوتنا الى صوت جون واين ونقول لسوريا: انت يمكنك الركض، ولكن لا يمكنك الاختباء ونقول للسعودية: هل انتهى نفطك؟ ونقول لايران: نحن نحذرك حيث اننا نراقبك جيداً فأنت ربما تكونين وجبتنا المقبلة لانه عندما نشعر ان هذا الامر جيد، فنحن نكون مستعدين لشن الحرب ونشن حرباً اخرى واخرى.يجب ان ينتابنا هذا الشعور فنحن حصلنا على مذاق حقيقي بالفعل. ولكن لماذا؟ ان هناك سلة من المليارات يمكن ان نجمعها من الشرق الأوسط.غير انه يقال ان الدوافع التي تقود الى القيام بالافعال التاريخية الكبرى في اي دولة لا يمكن ان تعلو فوق مستوى الفهم الروحي الذي تتمتع به قيادة هذه الدولة فعلى الرغم من ان بوش لا يملك هذا القدر من المعرفة الذي يظن انه يمتلكه بشأن تصريف الإله لنعمه، فإنه يقودنا بسرعة فائقة نعم فهو رجل ابيض، بحكم حجمه على الأقل، يقودنا ولا يملك أياً من شرعية القيادة سوى انه ربما يعلم كيف يستغل ويراهن عن طريق امتلاكه الجزئي لفريق من فرق دوري البيسبول الرئيسية ويقود هذا الفريق لتحقيق نصر خاص بحاكم من تكساس، ثم انتهى به الامر الى جلسة ابتهال يشكر فيها الله على صنعه بتلاوة مجموعة من الترانيم، فهل يمكن لنا ان ننسى ذلك؟ بقلم: نورمان ميللر _ ترجمة: حاتم حسين عن «تايمز»

طباعة Email
تعليقات

تعليقات