كتاب ـ القرن الحادي والعشرون لن يكون قرنا أميركيا ـ الحلقة الأخيرة ـ تأليف : بيير بيرنيس ـ حيرة بين الشك والطموح، قادة جنوب أفريقيا يدركون متأخرين التلاعب الأميركي بهم

الثلاثاء 5 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 6 مايو 2003 خرجت افريقيا جنوب الصحراء من مجال الاهتمام الجيوسياسي العالمي خروجاً يكاد يكون كلياً باستثناء سواحلها الشرقية المطلة على المحيط الهندي وافريقيا الجنوبية. فقد صارت شعوبها حرة في ان تتقاتل في الصومال والسودان، وفي ليبيريا وسيراليون وفي كازامنس السنغالية وفي رواندا وبورندي وفي الكونغو البلجيكي والفرنسي سابقاً، وفي جزء مهم من أنغولا، فلا هم لأحد في العالم بكل ذلك. ولا أحد يتدخل اللهم الا في حالات نادرة لمساعدة هذا الزعيم أو ذاك في اعادة السلم واستتباب الأمن. «انتهى السلم الاستعماري، ولن نعيد الغزو من جديد» فبعد الاخفاق التام لعملية «اعادة الأمل» الأميركية في الصومال أصبحت القضية محسومة واضحة، لقد صار مصير العالم يتقرر في أماكن أخرى، في المغرب، في الشرق الأوسط، في البلقان في القوقاز وفي آسيا الوسطى ولا سيما في آسيا الشرقية وفي المحيط الهادي، وفي أوروبا والولايات المتحدة، بالطبع، ولكن بدرجة أقل في أميركا اللاتينية وفي المحيط الهادي. أجل في كل هذه الأماكن الا افريقيا شبه الصحراوية على الأقل في المستقبل المنظور. في هذا السياق الجديد لم تعد المساعدة في تنمية افريقيا السوداء من أولويات الشركات الغربية التي تمر هي نفسها بأزمة. فقد باتت المساعدة غير فعالة ومكلفة في نظر الرأي العام الغربي الذي صار يتذرع بالمعاينة الجافة التالية: «فقراء البلدان الغنية يقدمون الأموال لأغنياء البلدان الفقيرة !». وتبقى «المساعدة الخاصة» وكما يسميها بعضهم بالاستثمارات الأجنبية الخاصة ـ لكن رؤوس الأموال هذه صارت، أكثر من الاعتمادات المالية العمومية، تميل الى التوجه أولاً، باستثناء بعض القطاعات النادرة كالبترول، نحو الأجزاء من العالم التي يكون مردودها فيها أكثر ضماناً وأماناً كالصين وجنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية سابقاً وبلدان المحيط الشرقي والجنوبي للبحر الأبيض المتوسط. أما افريقيا فأمرها معلق الى أجل غير مسمى. ولنختم هذا الحديث بكلمة عن داء الايدز. ان أكثر من ثلاثة أرباع ضحايا هذا الوباء العام افريقيون، لكن في أوروبا وفي الولايات المتحدة لا أحد يشغله هذا الموضوع. فقد بات بديهياً ان الغرب لن يعيد ما فعله سابقاً مع الحمى الصفراء وحمى المستنقعات (الملاريا) أو داء النوم. فلنكرر لكم مرة ان عهد الاستعمار قد ولّى. وكذلك الحرب الباردة ! هيا مروا ! لم يعد هناك شيء يثير الانتباه ! شبه المربع الفرنكوفوني في الاتجاه المعاكس لهذا التطور العام وعلى عكس منافسيها القدماء في هذه الأصقاع ولا سيما انجلترا تظل فرنسا هي الوحيدة المتشبثة بافريقيا ما بين المدارين وتكريس وجودها القديم، اقتناعاً منها رغم تقلبات الزمن ان هذا الوجود، كما كان الشأن في الماضي، يتيح لها بأن تمارس مزيداً من ثقلها في قضايا العالم وبقدر أكبر مما تمارسه باقي البلدان الصناعية الكبرى، علماً بأن الانشغالات المركانتيلية ومثلها ـ على العكس ـ الدوافع الايثارية لا تتشكل سوى انسيابات ثانوية في هذه السياسة. فقد كتب فرانسوا ميتران في هذا الصدد في بداية الخمسينيات من القرن الماضي حين كان وزيراً لفرنسا ما وراء البحر في الجمهورية الرابعة يقول: «من دون افريقيا لن يكون لفرنسا تاريخ خلال القرن الواحد والعشرين. ففي العام 1995 عند نهاية فترته الرئاسية الثانية على رأس فرنسا وبعد ان تابع من دون تغيير يذكر السياسة الافريقية لسابقيه، ديغول وبومبيدو وجيسكار ديستان، كان ميتران رغم ما أعطاه من وقته وطاقته لبناء أوروبا، لا يزال يفكر في شأن افريقيا بمثل ما كان يفكر في الخمسينيات من القرن العشرين ولم ير في ذلك أي تناقض على الاطلاق. والجدير بالقول انه بعد مرور أربعين عاماً على استقلالها فإن المستعمرات الفرنسية القديمة في افريقيا الغربية والاستوائية ومدغشقر وكذلك في الدرجة الثانية ممتلكاتها البلجيكية القديمة في حوض الكونغو (زائير ورواندا وبورندي) هي التي تستمر الحكومة الفرنسية في منحها أهم عنايتها ومساعدتها في افريقيا السوداء ـ ولا تزال فرنسا الى الآن عاجزة عن الخروج عن «شبه المربع، الفرنكوفوني» هذا الذي يشكل «الحقل» المميز لتعاونها حتى وان كانت بعض مؤسساتها الكبرى (بنوك ـ بترول، أشغال عمومية) قد تمكنت من اختراق مناطق أخرى في نيجيريا وأنغولا أو في جنوب افريقيا. ولا تزال فرنسا الى اليوم بأشكال مختلفة، مباشرة أو عن طريق الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي وباقي المنظمات المالية الدولية تمنح لمجموع هذه البلدان أكثر من ثلثي مساعداتها المقدرة بأكثر من خمسة مليارات من الدولارات سنوياً. وبالنظر الى الوسائل المحدودة التي تمتلكها لتغطية نشاطها الخارجي الدبلوماسي والثقافي والتجاري والعسكري وفي مجال التعاون يمكن القول ان حجم هذه المساعدة هائل جداً حتى انه يمكن التساؤل في السياق الجيوسياسي العالمي الجديد ان كان لا يزال لهذا الحجم الكبير من المساعدة المركزة ما يبرره اليوم مثلما كان مبرراً في الماضي، بصرف النظر عن معرفة ما اذا كانت هذه المساعدة تذهب في وجهتها الصحيحة أم لا. فكم من فرص ثمينة أفلتت منها ! وكم من نشاطات استراتيجية مهمة لا تزال عاجزة عن الوصول اليها في أجزاء أخرى من العالم! أليس من الحكمة بالنسبة لفرنسا التي تفكر في العودة ولو الى حين الى الوضع الذي كان سائداً في منتصف القرن التاسع عشر قبل بداية الغزو الاستعماري الفعلي، قلت أليس من الحكمة لها ان تتراجع فيما يخص افريقيا الفرنكوفونية الى بعض النقاط الساحلية الأساسية كالسنغال وساحل العاج والكاميرون والغابون والكونغو ان استتب الوضع حقاً في هذه المناطق، وبأن تبذل مساع أكبر مما تبذله اليوم لدى بعض من جيران هذه البلدان الأنجلوفونيين أو اللوزوفيين ؟ ويمكننا في هذا الصدد أيضاً ان نقدم الملاحظات نفسها فيما يتعلق باحتفاظ فرنسا في هذه المناطق بجهاز عسكري أكل الدهر عليه وشرب، واستمرارها في دعم سلطة طغمة حاكمة فاشلة من الانتفاعيين، ومساعدتها في تنظيم بعض التمثيليات الانتخابية في النيجر وتشاد أو افريقيا الوسطى. ولا بد من الاشارة أيضاً في هذا السياق الى وزارة ما يسمى بالتعاون و «مهماتها» الباهظة في كل دولة من تلك الدول الافريقية التي لم يصبح لها فيها بعد عملية الأفرقة الجارية فيها أي متعاون تديره أو تشرف عليه (فبعد تقليص منتظم في عدد هؤلاء المتعاونين قدر هذا العدد عام 1998بـ 2500 مقابل 000,20 قبل عشرين عاماً) علماً بأن القروض المخصصة لهذا القطاع تمثل أقل من 10% من مجموع المساعدة العمومية الفرنسية الموجهة للتنمية، أما ما بقي فقد استحوذت عليه وزارة المالية التي كانت تخصصه سنة بعد سنة وخارج كل رقابة برلمانية ولأغراض المنفعة الثنائية ما بين فرنسا ودول أخرى لمهمات عقيمة، بدلاً من توجيهه نحو مشروعات التنمية المثمرة. فقد أعلنت حكومة ليونيل جوسبان في يناير عام 1998 عن اصلاح شامل في هذا النظام الباهظ، ولا يبقى سوى ان ننتظر وضع هذا القرار موضع التنفيذ ومن ثم انعكاساته على علاج المشكلات العميقة التي أشرنا اليها قبل حين. وكيف لا نشير في الأخير أيضاً الى الارتباك الانتحاري الذي وقعت فيه المصالح الفرنسية في افريقيا السوداء خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً ما بين 1993 و1997 بسبب عاملين أساسيين في هذه السياسة ما فتئا يتفاقمان ولا سيما في ظل حكومتي أدوارد بالادور وآلان جوبيه، ويتعارضان في ذات الوقت مع سياسة باريس المعلنة في كل مقام، ألا وهما سياسة اغلاق الجامعات الفرنسية في وجه معظم الشباب الافريقي وسياسة فرض التأشيرات العنصرية عليهم. وأكثر من ذلك خطراً وتناقضاً مع ارادة فرنسا في الحفاظ على تأثيرها القوي على جنوب الصحراء الافريقية، الغاؤها شبه الكلي للمنح الجامعية لهؤلاء الشبان الذين صاروا بعد ان أصبح متعذراً عليهم التوجه الى باريس أو بوردو أو مونبلييه كما كان يفعل آباؤهم وأجدادهم، يتجهون اليوم وبأعداد كبيرة الى الولايات المتحدة أو الى كندا حيث يجدون كل التسهيلات وكامل التشجيع. ناهيك عن تناقض «قوانين باسكا» المدعمة من دوبري مع تلك الارادة في الاحتفاظ بتأثيرها القوي على جنوب الصحراء، والرامية الى اغلاق الحدود وما يتبعها من طرد جماعي، الأمر الذي يشوه صورة فرنسا في أعين شعوب ظلت تعتقد، رغم ذكريات الاستعمار الأليمة بأن فرنسا «وطن لحقوق الانسان». لغز بريتوريا لقد أتاحت أزمة زائير لدولة جنوب افريقيا بأن تثبت ذاتها كأهم قوة افريقية في منطقة جنوب افريقيا وافريقيا الوسطى، وأكثر من ذلك ان تتباهى لأول مرة بطموحها في ان تفرض زعامتها وهيمنتها على كامل افريقيا جنوب الصحراء، وأن تقبل في الأخير بعد سنوات عديدة من التردد بأن تحتل على الصعيد السياسي المكان المرموق الذي يمنحها اياه ثقلها الاقتصادي (50 مليون نسمة يتمتعون بمستوى تعليمي جيد، وثروات معدنية هائلة، وبنية تحتية متطورة) على كامل القارة السوداء التي تنتج ثلث خيراتها. لقد ظل هذا البلد العنصري القديم لغاية السنوات الأخيرة، والذي كان قد أقصي تدريجياً ابتداءً من العام 1960 من جميع المحافل الدولية والدبلوماسية والاقتصادية والمالية والثقافية والرياضية، قبل ان يخضع في الأخير لحصار تجاري متشدّد ـ قلت لقد ظل هذا البلد يخيّب الآمال بما ظل يبديه من تردّد في الشروع في البحث عن حلول للمشكلات الافريقية الكبرى، بما فيها القضايا المطروحة في حدود منطقته المباشرة. وبذلك فقد أعطت جنوب افريقيا لكل الذين كانوا يأملون بأن القارة ستصبح بقوة دفع زعيمها الفذ نيلسون مانديلا بطل التنمية والديمقراطية في كامل افريقيا، الانطباع بأنها تفضل عن كل ذلك تكريس كل طاقاتها واهتمامها لقضاياها الداخلية، وبأنها قد قررت ان تخصص لهذه القضايا كل أموالها وطاقة قادتها ابتداءً بالسلطة المعنوية لأكثرهم جاهاً ونفوذاً. فلم يكن يهم جنوب افريقيا على ما يبدو سوى تنمية صادراتها في باقي افريقيا السوداء، التي لم تتوقف كلياً خلال زمن التمييز العنصري، ولم يكن يهمها سوى هذا الجانب فضلاً عن استثماراتها المنجمية. ولذلك فسرعان ما بدأت أصوات الاتهامات بالأنانية ونكران الجميل تتعالى هنا وهناك، ولاسيما من أقرب جيرانها الذين لم يأخذوا عليها مجرد التخلي عنهم واهمال مشكلاتهم على عكس الماضي، بل أيضاً اهمالها لقضاياها الخاصة. أما تدخلها في قضية زائير فلم يكن في النهاية سوى خيبة وفشل ذريع، طالما انه بادعائها المساهمة الفعالة في خروج «موبوتو» من غير اثارة أي مشكلات فإنها في النهاية لم تعمل الا على دعم فوز «كابيلا» الذي اتسم بطابع العنف، وهو الفوز الذي كانت أميركا وشركاتها المنجمية قد لعبت أوراقه الملتبسة من وراء الستار على حساب بريتوريا نفسها. غير ان جنوب افريقيا ما فتئت في هذه المناسبة ان ذكرت الأطراف المعنية بأنه لا بد من ان يحسبوا حسابها مستقبلاً في مختلف القضايا المطروحة على هذا الجزء الواسع والواعد من افريقيا. لقد أدرك قادة جنوب افريقيا بدايةً بأنهم من ناحية كانوا في هذا الظرف لعبة في أيدي أميركا، وبأن ازدهارهم من ناحية أخرى، حاضراً ومستقبلاً، قد أصبح مرهوناً بالحفاظ على الاستقرار في المناطق المحيطة. لذلك فلم يعد مقبولاً عدم الاهتمام بما يدور عند جيرانهم المباشرين، في ناميبيا أو بوتسوانا أو سوازيلاند أو زيمبابوي أو موزمبيق، بل ولا أبعد من تلك المناطق أيضاً، في ملاوي وزامبيا وأنغولا أو زائير. لقد انزعج قادة بريتوريا كثيراً من الأساليب السوقية لبعض الشركات الأميركية التي قامت على حسابهم باعادة التفاوض حول تنازلات منجمية جديدة بالغائهم تنازلات سابقة كانوا قد حصلوا عليها من موبوتو بل وحتى قبل هذا الأخير من البلجيكيين. ولذلك سرعان ما راح قادة بريتوريا يشنون بنجاح حروباً ضد هؤلاء المتطفلين. وفي غضون بضعة أشهر أو بضعة أسابيع أصبح التغيّر في موقف الجنوب افريقيين تغيراً جذرياً بحيث بدأ يثير حفيظة حتى البعض ممّن كانوا في السابق ينتقدونهم لاهمالهم، مثل كينيا وزامبيا. وهكذا وفي فترة زمنية قصيرة جداً أعاد قادة جنوب افريقيا النظر في سياستهم في العديد من المجالات. وبتحولهم الى ما اصطلح على تسميته بـ «السياسة الواقعية. استطاعوا ان يحققوا عودةً مذهلة الى المسرح الافريقي والدولي. فهم اليوم يسعون الى تحقيق التصالح مع نيجيريا «سامي أباشا» الذي كانوا قد قطعوا صلتهم به بعد تنكيله بالزعماء المعارضين له، وهم يسعون أيضاً الى طرح وساطتهم في الحرب الأهلية السودانية على غرار ما فعلوه عند الطرف الآخر من المحيط الهندي ما بين القادة الأندونيسيين والزعماء المحاربين من أجل تحرير تيمور الشرقية. كما وقد استأنف قادة جنوب افريقيا في كل الاتجاهات ومن دون عقد مبيعات صناعتهم القوية للأسلحة التقليدية التي ورثوها عن عهد التمييز العنصري والتي لا يرغبون قط في تفكيكها بأي حال من الأحوال، مثلما فعلوا مع صناعتهم النووية العسكرية (حيث فككوا القنابل النووية الست التي كانت في حوزتهم). وقد انضموا أيضاً الى معاهدة «لومي» التي تربط الاتحاد الأوروبي ببلدان افريقيا والكاريبي وبلدان المحيط الهادي. وقد أقاموا في الوقت نفسه علاقات دبلوماسية مع بكين، تاركين السنغال، آخر بلد افريقي من حيث الأهمية، وجهاً لوجه مع تابيئي (لأسباب تخشخش وتترنح في جيوب بعض من قادته السامين الواقعين في قبضة الأميركيين). وقد أكد نيلسون مانديلا أثناء زيارته للهند، رغبته في الاسهام بقوة في اعادة تنشيط حركة عدم الانحياز التي عيّن رئيساً لها. كما ألح في ذات الوقت على ضرورة الاسراع قي تحقيق اصلاح في نظام الأمم المتحدة، معبّراً عن رغبته في ان يصبح بلده عضواً دائماً من مجلس الأمن ممثلاً لافريقيا السوداء. الرياح والسفن ولكن قد تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، ألا يجوز لنا التساؤل في هذا الظرف ان لم يكن نيلسون مانديلا الذي جاوز الثمانين من العمر، قد ألقى بكل أوراقه الأخيرة قبل ان يغادر المسرح وهو لا يعرف على وجه اليقين ان كان من يخلفه، أي الرئيس تابو مبيكي على رأس الدولة سيكون قادراً السير على نهجه على المسرح الافريقي والدولي، وعلى صعيد السياسة الداخلية أيضاً. الحاصل في هذا المجال ان الغيوم تتكدس يوماً بعد يوم. وقد كان للسياسة المعتدلة المنتهجة تحت القيادة السامية لنيلسون مانديلا لطمأنة رجال الأعمال البيض الذين يتحكمون الى الآن في أهم شئون الحياة الاقتصادية في جنوب افريقيا، ولكسب ثقة المستثمرين الأجانب، قلت لقد كان لهذه السياسة ثمنها الغالي، ألا وهو الاحباط المتعاظم لدى فئة عريضة من السكان السود الذين أدركوا في الأخير ان نهاية «التمييز العنصري» لم تكن تعني وصولهم الى «الدورادو» افريقية، وبأن الاصلاحات الاجتماعية التي يطمحون اليها ما فتئت تتراجع الى أجل غير مسمى. ويبقى اقتصاد جنوب افريقيا واحداً من أكثر اقتصاديات العالم اجحافاً. فحسب دراسة حديثة للبنك الدولي فإن عشر السكان يستحوذون على 51 بالمئة من الثروة الوطنية. فالأقلية البيضاء (13 بالمئة من السكان) تمتص 61 بالمئة من الدخل الوطني، والسود (75 بالمئة من السكان) لا يستفيدون الا بـ 27 بالمئة من هذا الدخل فقط، بينما يتقاسم الهنود والملوّنون الباقي من هذا الدخل. بل لقد انخفض دخل الفئات الأكثر فقراً بنسبة 40 بالمئة منذ العام 1980. واجمالاً تظل الغالبية العظمى من السود تحت خط الفقر، وفي المقابل فإن 20 بالمئة من أغنى المواطنين في البلاد هم اليوم من السود ـ من بينهم اطارات قديمة في المؤتمر الوطني الافريقي الذين يحتلون اليوم مناصب في السلطة، بعد خمسين عاماً من الكفاح، مقابل 10 بالمئة فقط قبل عشرين عاماً. لكن هذه الحقيقة الجديدة لا تخلو من مخاطر انفجار كامنة. ومن ناحية أخرى، فإن البطالة اليوم تشمل نصف السكان السود الذين أدركوا سن العمل الفعلي، وهو ما يمثل نحو خمسة ملايين من الأشخاص، وحتى وان كانت أهمية القطاع اللاشكلي والتعاضد الأسري يحدّان من آثار هذه الظاهرة فإن هذه الأخيرة تظل مع ذلك ظاهرة معتبرة طالما ان وتيرة النمو الاقتصادي التي لا تعلو على وتيرة النمو الديموغرافي الا نادراً لا يسعها ان تعالج هذه الوضعية الا ببطء شديد. أما فيما يخص وعود المؤتمر الوطني الافريقي فإن غالبية السكان لا تؤمن بأن أحداً سيفي بها في المستقبل المنظور. فالثورة الزراعية بحكم الموارد المالية القليلة التي لا تسمح بشراء جزء من أراضي البيض التي لا ترغب السلطات انتزاع ملكيتها من أصحابها، تتم مع الأسف بوتيرة غاية في البطء. أما البرنامج الطموح الخاص باعادة البناء والتنمية الذي مثل حجر الزاوية في سياسة حزب مانديلا لدى وصوله الى السلطة، فقد وعد ببناء مليون وحدة سكنية في خلال خمس سنوات لم ينجز منها منذ ذلك الوقت سوى عشرين ألفاً فقط، فضلاً عن ان مشروع تزويد السكان بشبكة من قنوات المياه الجارية لمليون مواطن والكهرباء لمليونين ونصف لم ير النور الى الآن، بل لقد تم التخلي عنه بعد ان حُلّت الوزارة المكلفة أصلاً بانجازه في الثامن والعشرين من شهر مارس 1998. وأمام هذا الوضع المتفاقم كان من الطبيعي ان تكثر مظاهرات التذمر والاحتجاج وعدم الرضا. فقد أقدم مجلس النقابات الجنوب الافريقية القوى (لاكوساتا ـ 6,1 مليون منخرط) والذي ظل واحداً من أهم المؤيدين للمؤتمر الوطني الافريقي، على تنظيم العديد من الاضرابات. أما «السانكو» المنظمة المدنية الوطنية الجنوب افريقية وهي واحدة من الأركان الداعمة لحزب الحكومة فقد أبدت هي الأخرى تحفظات مهمة ازاء سياسات الحكومة، حيث قام أتباعها بمقاطعة دفع الأجور والخدمات كما كان الشأن أثناء عهد التمييز العنصري بالاضافة الى احتلالهم للمنازل غير المسكونة. وقد أدركت الجرائم نسباً لا تطاق. وقد باتت الهجرة غير القانونية (ملايين عديدة من الأشخاص) تطرح مشكلات خطيرة للغاية. أما الانكاتا وهو حزب الزولو الانفصالي الذي يتزعمه منغوستو بوتيليزي العدو اللدود للمؤتمر الوطني الافريقي، فلم يقل كلمته الأخيرة بعد في هذا الشأن. وأمام تصاعد مظاهر الاحتجاج والتذمر وعدم الاستقرار لا يرغب قادة بريتوريا في استخدام قوات الجيش والشرطة المتكونة في معظمها من البيض والتي يترددون في تسريحها طالما أنها تشكل المعقل الذي يحميها ضد الاضطرابات الاجتماعية حاضراً ومستقبلاً. لم يكن من السهل على مانديلا والمؤتمر الوطني الافريقي ان يتجاهلا هذه التطورات، حتى وان لم يبديا أي رغبة في تغيير السياسة، الشيء الذي دفعهما الى تقديم بعض الرهانات التي لم تكن سوى ضمانات رمزية. صعوبة التنبؤ بالآتي في اليوم نفسه الذي أعلن فيه عن التخلي عن برنامج اعادة البناء والتنمية وكتعويض عن ذلك تم تعيين أحد السود وهو تريفول مانويل على رأس وزارة المالية خلفاً لرجل الأعمال الأبيض بلانك كريس ليبنبيرغ وكان مانديلا، خلال المناقشات الطويلة الوعرة التي سبقت مصادقة البرلمان يوم 8 مايو 1996 لدستور البلاد الجديد الذي أصبح ساري المفعول في العام 1999 والذي طوى صفحة التمييز العنصري الى ما لا نهاية، قد قاوم في عناد طروحات سلفه الأبيض دي كليرك، والمتعلقة بمسألتين اعتبرهما هذا الأخير جوهرتين وهما الحفاظ على المعاهد التربوية التي تنشر تعليمها باللغات الافريقية وحدها والاعتراف بحق كرد على الاضرابات التي يتبناها رؤساء المؤسسات وقد تنازل الحزب الوطني في الأخير عن مطالبه في هاتين المسألتين وصادق على النص الدستوري الجديد. ولكنه أعلن في الوقت نفسه عن خروجه من الحكومة ـ التي أصبحت فعلية بعد ذلك بقليل ـ وعن ارادته في التصرف من تلك اللحظة كحزب معارض حقيقي، متوقعاً استعادة صحته بعد حين، بتدعيم ناخبيه البيض وبكسبه لجزء من الطبقة المتوسطة من السود والملونين، وهي العملية التي كان هذا الحزب قد بدأها بالفعل. وقد أصبح مانديلا وخلفه تابو مبيكي الذي لا يملك هيبته، منذ ذلك الوقت، يتمتعان بحرية التصرف. لكن الوضعية الاقتصادية والمالية كانت تميل الى الانحطاط والتدهور. وقد أصبح المستثمرون يماطلون في دخول السوق على الرغم مما تشهده بريتوريا من استمرار توافد رجال الأعمال ورجالات السياسة المساندين لهؤلاء المستثمرين. وقد دفع هذا الوضع بمن خابت آمالهم من البيض والسود على السواء في جنوب افريقيا ما بعد التمييز العنصري، الى انشاء حزب جديد متعدد الأعراق، الحركة الديمقراطية الموحدة وعلى رأسها زعيمان واحد أميركي أزرق العينين في الخمسين من العمر، مسئول سابق في الحزب الوطني وهو رولف بتروس ميير والثاني من قبيلة كزوسا، وهو مناضل قديم في المؤتمر الوطني الافريقي ويدعى هارينغتون هولوميزا. ومن الصعب التنبؤ بالدور الذي سوف تلعبه هذه التشكيلة السياسية في المستقبل ولكن المرجح ان هذا الدور لن يكون كبيراً على أية حال. غير انه لا بد من ان تسطّح يوماً المشكلات الحقيقية الموروثة عن حقبة التمييز العنصري، وعلى الساحة السياسية عندها سوف لن يكون من السهل على مسئولي جنوب افريقيا ان يتفادوا رؤية طموحاتهم وهي تتقهقر، كما حصل مع كثيرين من موزعي الدروس قبلهم، وعلى رأسهم الجزائر. ان مآسي الماضي لا يمكن ان تعالج الى ما لا نهاية المشكلات المطروحة في الوقت الحالي أو المحتملة مستقبلاً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات