الاثنين 4 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 5 مايو 2003 قررت «أوروبا القديمة» ممثلة بالمعسكر المناهض للحرب في العراق ان تمضي خطوة اخرى نحو بلورة تباينها عن الولايات المتحدة وبريطانيا في القمة الاوروبية المصغرة التي شهدتها العاصمة البلجيكية بروكسل، مؤخراً والتي جمعت قادة فرنسا والمانيا وبلجيكا ولوكسمبورغ، وفي هذه القمة تعهد هذا الرباعي الذي يصفه البعض في واشنطن الآن بأنه «محور ابن عرس» بالمضي قدماً في ارساء بنيان دفاعي اوروبي مشترك متكامل وتجاوز التحذيرات التي اطلقتها واشنطن ولندن وغيرها من عواصم «اوروبا الجديدة» من ان هذه الخطوة من شأنها ان تعزز الانقسام الحاصل داخل الاتحاد الأوروبي بخصوص العراق وتضعف التحالف الاطلسي. ويتضمن هذا المشروع الاوروبي العسكري الجديد «القديم» بداية تشكيل قوة تدخل سريع في اللواء الالماني الفرنسي الموجود مسبقاً وزيادته بقوات خاصة بلجيكية ووحدات مقاتلة اخرى في لوكسمبورغ. وستخضع هذه القوة الجديدة لقيادة مباشرة من قيادة عامة جديدة في بروكسل ويفترض ان تصبح جاهزة لاجراء المناورات المشتركة ابتداء بالعام المقبل. كما وعى القادة الاربعة لتشكيل قيادة نقل عسكري استراتيجي بحلول 2004 أيضاً. يأتي هذا التحدي للهيمنة الاميركية من جانب الرئيس الفرنسي جاك شيراك تحديداً كما يقول المراقبون بعد يوم واحد فقط من خطوة مشابهة قام بها شيراك في محفل عالمي آخر حينما وجه الدعوة للصين والبرازيل لحضور قمة الثماني في يونيو المقبل، باعتباره رئيس الدولة المضيفة للقمة في ايفيان، كما وجه الدعوة للهند ايضاً لمناقشة قضية العراق بعد الحرب، اذ مع غياب امل في تعافي العلاقات الاميركية الفرنسية سريعاً من الجرح الذي تسبب به الخلاف حول غزو العراق، اخذت فرنسا تزيد من توسيع تعاونها وروابطها مع قوى دولية من الصف الثاني والثالث، في محاولة منها للدفاع عن دورها العالمي وموازنة الهيمنة الاميركية الطاغية في عالم احادي القطبية، كما ان دولاً مثل الصين والهند لن تفوت مثل هذه الفرصة التي تتيحها لها فرنسا لتفعيل دور عالمي لها طالما حلمت به. ويتزامن هذا مع فشل رئيس الوزراء البريطاني توني بلير في اول محاولة له قام بها بعد انحسار غبار الحرب لاصلاح ما انكسر نتيجة لغزو العراق وتجاهل الحلف الاميركي البريطاني لمجلس الأمن وذلك خلال زيارته لموسكو ولقائه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حينما عبر الاخير عن عدم ثقته بلندن وواشنطن ورفضه القاطع رفع الحظر الدولي عن العراق خارج اطار الأمم المتحدة بطريقة توحي بسخريته من مزاعم امتلاك بغداد لأسلحة دمار شامل واتخاذها ذريعة لحرب رفضها العالم ممثلاً بالأمم المتحدة ومجلس الأمن. وكما هو متوقع، فقد قوبل الاعلان عن البرنامج الدفاعي الجديد في قمة بروكسل برفض فوري من جانب الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين قالتا ان ما تحتاجه أوروبا هو مزيد من السلاح والانفاق العسكري، وليس قيادة عامة جديدة، وان هذه الخطوة قد تهدد الناتو والعلاقات الأوروبية الأميركية. كانت قمة الثلاثاء الماضي الأوروبية المصغرة قمة رمزية إلى حد كبير. فلم يتوقع احد من المراقبين ان يعلن القادة الاربعة المجتمعون هذا التحدي الجدي للجبروت العسكري الأميركي الذي يحظى بانفاق يفوق انفاق الاعضاء الرئيسيين في الناتو، اضافة إلى روسيا والصين مجتمعين.غير ان هذا التطور يعكس القلق المتزايد في الاتحاد الأوروبي من ان السيطرة الاميركية على الشئون العالمية دون أي رقيب قد بدأ فعلاً بالاساءة للمصالح الامنية للكتلة الأوروبية. وهذا التشخيص للواقع الراهن يعبر عنه بوضوح معظم انصار السياسة الاميركية داخل الاتحاد الأوروبي. وعلى سبيل المثال عبر رئيس الوزراء الايطالي فرانكو فرايتني عن شكوكه العميقة من القمة المصغرة في بروكسل، محذراً من انها قد تضعف التحالف الاطلسي والعلاقات الاميركية الاوروبية. لكنه اضاف في المقابل ان الولايات المتحدة لن تصغي أبداً لاتحاد أوروبي ضعيف غير عازم على التشديد على مصالحه. وفرايتني الذي سيتسلم ابتداء من يوليو المقبل ولستة اشهر رئاسة الاتحاد الأوروبي، لم يقدم أي افكار حول الدفاع عن المصالح الامنية للكتلة الأوروبية غير حديثة عن «حوار استراتيجي» مع واشنطن اذا ما كان ذلك ضرورياً. ومن الملاحظ ان المؤسسات الأوروبية المركزية، بخلاف بعض الحكومات الأوروبية، لم تصل بانتقاداتها لهذه الخطوة إلى حد الادانة اذ ان خافيير سولانا منسق السياسة الدفاعية للاتحاد الأوروبي قال ان الدول الأربع اذا ما قررت زيادة انفاقها العسكري فذلك سيسعد كل اعضاء الاتحاد. يذكر ان المانيا وفرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ تنفق نسبياً من موازناتها على الدفاع اقل من متوسط الانفاق في دول الاطلسي. كما اعرب رئيس المفوضية الأوروبية رومانو برودي عن دعمه لهذه المبادرة ما دامت ذات أبواب مفتوحة امام باقي الاعضاء في الاتحاد. وأكد انه لا يرى فيها تحدياً مباشراً للولايات المتحدة الأميركية. وقال الناطق باسمه: «برودي لا يعتقد ان تعزيز السياسة الدفاعية الأوروبية المشتركة تمثل بأي شكل كان خطوة تهدف لمنافسة القوة العسكرية الأميركية. وهو يرى اننا يجب ان نعزز الحلف الاطلسي، وأفضل طريقة لذلك هي تعزز المكون الأوروبي في هذا الحلف ويفترض ان يكون هذا في مصلحة اميركا». غير ان هذا لا ينفي ان القمة المصغرة كانت محفلاً خاصاً لم يدع اليه برودي ولا سولانا ولا ممثل الرئاسة الأوروبية الحالية للاتحاد. يذكر ان فرنسا وألمانيا وبلجيكا ومنذ 11 سبتمبر قد بدأت حملة للدفع نحو سياسة عسكرية أوروبية اكثر قوة بهدف اعطاء اسنان للسياسة الخارجية الأوروبية وجعلها تؤخذ على محمل الجد من جانب الولايات المتحدة. لكن فرنسا وبريطانيا حتى الآن هما الوحيدتان في الاتحاد الأوروبي اللتان بدأتا زيادة انفاقهما العسكري. وفي مقابل هذا، عمل القادة الاربعة على التخفيف من هذه المخاوف وقوة الاعلان الرسمي لقمتهم لعدم اثارة الحساسيات مع الاخرين منذ الآن. فقد اصر اربعتهم على ان مقترحاتهم ليست عدائية تجاه احد وليست حصرية انما هي مفتوحة امام الاعضاء الحاليين والمستقبليين في الاتحاد الأوروبي. لكن هذا لا يمنع ان الاربعة تحديداً هم من اتهمتهم الولايات المتحدة وبريطانيا بتشكيل محور اللاحرب ضد العراق وسيتعين عليهم فعل الكثير لاقناع واشنطن بأنهم لا يريدون الاستقلال العسكري عن الناتو الأميركي. وقال جاك شيراك بعد اعلان المشروع الجديد: «اننا لا نهدد التحالف الاطلسي. بل نريد تعزيز القوة الأوروبية والناتو» يأتي هذا بعد محاولة واضحة منه لاتخاذ خطاب اكثر تصالحية مع اميركا لاصلاح علاقات بلاده معها. ومع ذلك كرر شيراك عقب القمة رفضه الصريح لعالم احادي القطبية وهو ما ذهب بلير إلى موسكو للدفاع عنه، وقال: «هناك عالم متعدد الاقطاب إلى جانب الولايات المتحدة توجد فيه أوروبا والصين. ونحن بحاجة لاتحاد أوروبي قوي حتى نحدث هذا التوازن». وكان هذا هو حال المستشار الالماني غيرهارد شرويدر الذي يحاول أيضاً التخفيف من التوتر الذي ساد علاقات بلاده بواشنطن حين قال عقب قمة بروكسل: «داخل الناتو لدينا قدر مفرط من اميركا وقدر ضئيل من أوروبا». في انتقاد غير مباشر للهيمنة الاميركية على هذا الحلف. وأضاف: «هذا ما نريد تغييره بزيادة الجزء الأوروبي منه». وتتضمن الخطة التي اعلنت عنها قمة بروكسل سبع نقاط رئيسية تتمثل في الآتي: 1 ـ انشاء «قوة تدخل اوروبي سريع»، وهي فكرة تدعمها كل الدول الاعضاء في الاصل حيث تهدف لانشاء جيش اوروبي عتاده 60 الف جندي. 2 ـ انشاء «قيادة اوروبية للنقل العسكري الاستراتيجي الجوي» بحلول عام 2004، إلى جانب خطوات مماثلة على مستوى النقل البحري والبري يفترض ان تتم مناقشتها لاحقاً. ويفترض بهذه القيادة ان تعتمد على الوسائل المتاحة حالياً إلى حين دخول طائرة النقل العسكرية الأوروبية ايرباص ايه 4000 ام الخدمة الفعلية نهاية هذا العقد. 3 ـ تشكيل «قوة حماية» اوروبية مشتركة مهمتها حماية القوات العسكرية والمدنيين في اوروبا من مخاطر أي تهديدات نووية أو كيماوية أو جرثومية. 4 ـ تأسيس قوة اوروبية للدعم والاغاثة مهمتها توفير مهمات طواريء واغاثة انسانية سريعة قادرة على البدء بتنفيذ الاوامر في غضون 24 ساعة فقط. 5 ـ ارساء مراكز تدريب تكتيكي عسكري أوروبية لطياري الطائرات النفاثة والمروحيات مع ارساء مناهج تدريب متكاملة للقوات البحرية بين الدول العسكرية. 6 ـ تعزيز مقدرات إدارة الأزمات والتخطيط العملياتي وارساء «نواة قوة مشتركة» واقامة مقر عام لقيادة هذه القوة في العاصمة البلجيكية بروكسل صيف 2004. 7 ـ تشكيل «قيادة تعبوية متعددة الجنسيات للقوات» لتحسين مستوى امكانيات القيادة والتحكم المتاحة حالياً للاتحاد الأوروبي والناتو. كما دعا القادة الأربعة الاتحاد الأوروبي لتضمين الدستور الأوروبي نص المفهوم الجديد «الاتحاد الامني والدفاعي الأوروبي». وهذا الاتحاد يجب ان «يجمع في عضويته الدول الأعضاء الراغبة في المضي اسرع وابعد في تعزيز تعاونها العسكري». وعضوية هذا الاتحاد تعني ان الدولة العضو يجب ان تكون مستعدة للتالي: 1 ـ زيادة انفاقها العسكري 2 ـ الانضمام لبرامج المشتريات العسكرية المشتركة مثل طائرة النقل العسكرية الثقيلة أي. 400 إم. 3 ـ الشراكة في المقدرات العسكرية والتدريب العسكري للضباط. 4 ـ الاستعداد في المشاركة بعمليات حفظ السلام التي تديرها الأمم المتحدة. ومع ان النية الحقيقية لقمة بروكسل لم تتضح بالكامل، كما يرى المراقبون، فإن من المهم هنا الاشارة إلى ما قالته وزيرة الدفاع الفرنسية ميشيل اليوماري قبلها بأسبوع في موسكو حول ضرورة ان «تكون لروسيا علاقة بالعمل التخطيطي الذي نقوم به الآن». ويعتقد بعض المراقبين في بروكسل ان هذه القمة الدفاعية الأوروبية المصغرة انما كانت المعادل الموضوع الأوروبي المعاكس لـ «تحالف الراغبين» الذي أعلنته واشنطن ولندن للالتفاف على تحالف دولي شرعي لغزو العراق. القمة الأوروبية في بروكسل لم تذهب إلى المدى الذي اقترحته وطالبت به بلجيكا المضيفة وهو اقامة قيادة عسكرية أوروبية منفصلة عن الحلف الأطلسي، لكنها مع ذلك اثارت فوراً غضب واشنطن ولندن اللتين حذرتا مباشرة من الازدواجية في التحالف العسكري الغربي. وسارع رئيس الوزراء البريطاني توني بلير قبيل الكشف عن البيان الرسمي للقمة للقول: «المهم هو عدم فعل أي شيء بأي شكل يمكن ان يزعزع العلاقة داخل الناتو. والاتجاه الوحيد الذي يمكن للاتحاد الأوروبي ان يمضي به لتعزيز عمله الدفاعي هو الاتجاه المتطابق بالكامل مع عضويتنا في الناتو. غير ان رئيس الوزراء البلجيكي غاي فيرهوفشتات صاحب الفكرة الاصلية الاقوى والمعارض الشديد للغزو الأميركي للعراق وهو ما اكسبه دعما داخلياً شعبياً كبيراً قال ان الاتحاد الأوروبي لن يؤخذ ابداً على محمل الجد في العالم دون عنصر دفاعي مشترك. واضاف «اذا ما اردنا ان يحسب العالم حسابنا واذا ما اردنا تجنب الانقسام في الاتحاد الأوروبي وهو ما عرفناه خلال أزمة العراق فإن من الضروري جداً حينها ان نمتلك هذه الاداة وهي الدفاع الأوروبي. والا فلن تكون سياستنا الخارجية ذات مصداقية». الانتقادات للمشروع الجديد لم تأت من جانب واشنطن ولندن فحسب، بل ومن مدريد ايضاً، وهي العضو الثالث في «تحالف الارادة» حيث قالت آنا بلاسيو وزيرة الخارجية الاسبانية في مقالة لها في وول ستريت جورنال: «ان سياسة دفاعية وامنية اوروبية حقيقية لا يمكن تحقيقها من خلال ثلاثة او أربعة بلدان تعمل لوحدها. انها طريقة مخطئة لبناء الاجماع. جو عدم الثقة في الاحادية الاميركية الطاغية وحليفتها البريطانية الذي مثلته قمة بروكسل، وجد انعكاساً له في اليوم نفسه في الجو الذي استقبلت به موسكو ايضاً ضيفها بلير. فقد اخفقت اول محاولة علنية يقوم بها رئيس الوزراء البريطاني لاصلاح ما افسدته الحرب على صعيد العلاقات الدولية فشلاً ذريعاً في الكريملين حينما رفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعوة ضيفه لرفع العقوبات عن العراق دون عودة المفتشين وثبوت خلوه من أسلحة الدمار الشامل. كما رفض بوتين أيضاً الرؤية التي طرحها عليه بلير حول الشراكة الاستراتيجية العالمية الجديد قائلاً انه لن يكون من المقبول في روسيا ان تهيمن الولايات المتحدة على المجتمع الدولي، في رفض واضح أيضاً للاغراءات البريطانية كي تبتعد روسيا عن المعسكر الرافض للحرب. وقال بوتين في المؤتمر الصحافي المشترك مع بلير ان «روسيا وشركاءها يعتقدون انه لابد من بقاء العقوبات سارية على العراق حتى تحقيق الوضوح التام بخصوص ما اذا كانت أسلحة الدمار الشامل موجودة في العراق أم لا. وأضاف بطريقة تبدو وكأنها ساخرة من ضيفه: «اين هو صدام؟ اين هي ترسانات أسلحة الدمار الشامل تلك، ان كانت موجودة أصلاً؟ ربما كان صدام لايزال مختبئاً في مكان ما تحت الارض وهو يجلس في أوعية أسلحة الدمار الشامل ويستعد لتفجير كل شيء لازهاق ارواح آلاف من العراقيين». وأكد على ان العقوبات لن ترفع ما دامت قد فرضت اصلاً بسبب امتلاك العراق أسلحة دمار شامل. وان «مجلس الأمن فقط هو من يستطيع رفعها ما دام هو من فرضها». ولتأكيد التداعيات العالمية للغزو الأميركي للعراق، فإن ما حصل في موسكو بين بوتين وبلير، يأتي فقط بعد يوم واحد من اعلان روسيا وست جمهوريات سوفييتية سابقة عن تشكيل هيئة أركان موحدة وقوة انتشار سريع في منطقة وسط آسيا في ختام قمة دول معاهدة الدفاع المشترك لوسط آسيا التي تضم روسيا وارمينيا وطاجكستان وروسيا البيضاء وكازخستان وقرغيزستان في العاصمة الطاجيكية دوشنبه. وأكد البيان الختامي للقمة عزم الأعضاء على تعزيز تعاونها الاقليمي والدولي على الصعيد الجيوسياسي وتوقيعهم عدة اتفاقات لاستحداث هيئة أركان مشتركة موحدة لقواتهم المسلحة وتحديد مساهمات كل عضو في ميزانية انشاء قوة دفاع جوي موحدة للمنظمة. وأكدت قرغيزستان ان القمة وافقت على نشر قوات جوية مشتركة في قاعدة جوية على اراضيها ستفتتح رسمياً في يوليو المقبل. كما قالت كازخستان ان القمة وافقت على القيام ببرامج تدريب عسكري مشترك لضباط القوات المسلحة للأعضاء اضافة لموافقة روسيا على توفير امدادات عسكرية لهذه الدول بشروط مالية مسهلة لتعزيز امكانياتها العسكرية. إعداد: جلال الخليل