الاثنين 4 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 5 مايو 2003 تميزت العلاقات بين روسيا والشيشان بقرنين من الصراع المسلح، منذ بداية القرن التاسع عشر عندما ارسلت جيوش القيصر لاخضاع المنطقة ومروراً بالعهد السوفييتي، عندما قام ستالين بترحيل جميع سكان الشيشان إلى آسيا الوسطى بسبب تواطئهم المزعوم مع النازيين، وصولاً إلى التوترات المتواصلة اليوم. اندلعت الحرب الشيشانية الثانية في الأول من اكتوبر عام 1999، بعد سلسلة من التفجيرات لمبان سكنية في موسكو ومدن اخرى. وقام رئيس الوزراء الروسي في حينه فلاديمير بوتين بشن هجوم عسكري ضد المقاتلين الشيشانيين، بينما انكرت القيادة الشيشانية تورطها في التفجيرات. ان الخطة من وراء اجراء موسكو لاستفتاء على الدستور في الشيشان في 23 مارس الماضي تعتبر خطة بسيطة، وهي الطلب من الناخبين الشيشانيين البالغ عددهم 537 ألف ناخب الموافقة على دستور اقليمي جديد مصاغ من جانب الكرملين، واجراء انتخابات لحكومة محلية لتحل محل حكومة الرئيس اصلان مسخادوف المنتخب في يناير 1997، وتوقيع معاهدة جديدة تحدد «الحكم الذاتي الموسع» للشيشان ضمن روسيا الاتحادية. والعنصر الرئيسي في الدستور المقترح هو المادة الاولى فيه والتي تشير إلى ان «أراضي جمهورية الشيشان غير قابلة للتجزئة وانها تشكل جزءاً لا يتجزأ من أراضي روسيا الاتحادية». ان هذه المادة تلغي ما كانت تناضل المقاومة الشيشانية من اجله منذ بداية الصراع في عام 1994 وهو السيادة الوطنية التامة والاستقلال. وافادت وسائل الإعلام الروسية انه وبحسب لجنة الانتخابات المركزية الروسية، فان النتائج التي ظهرت من 347 مركز اقتراع من اصل 418 موزعة في الشيشان اوضحت ان 96% من الناخبين صوتوا لصالح دستور موسكو المقترح، وان 6,2% من الناخبين الشيشان كانوا ضد الدستور. وبحسب وزارة الداخلية الشيشانية الموالية لموسكو، فان 14 ألف جندي وشرطي قد تم ارسالهم لحراسة مراكز الاقتراع وكان من بين المصوتين 36 ألف جندي روسي يمارسون حقهم بالتصويت بموجب الدستور الروسي. وطنطنت الصحافة الروسية كثيراً للاستسلام الذي جرى قبل بدء الاستفتاء بيوم واحد لستة واربعين متمرداً شيشانياً مع أسلحتهم. وقالت إدارة احمد قديروف الموالية لموسكو ان الرجال سيتم اعفاؤهم من المحاكمة الجنائية. ويتصيد قديروف لاحتمال انتخابه كرئيس للشيشان في انتخابات موسكو المقررة في عام 2004. وفي لفتة تذكير بالحقائق المروعة على الأرض في الشيشان والتي تحيط بالانتخابات، انفجر لغم ارضي تحت مركبة في العاصمة الشيشانية غروزني مما أدى إلى مقتل شخصين. وقتل ثلاثة جنود روس في هجمات منفصلة في انحاء الجمهورية. وفي مؤتمره الصحفي، قدّر وزير الخارجية الشيشاني الياس احمدوف ان روسيا تفقد قرابة 15 جنود يومياً. وبصورة تنذر بالشؤم على نحو اكبر لموسكو، صرّح المجلس الأوروبي في وقت سابق من شهر أبريل بأنه يدرس بذل مجهود لاقامة محكمة دولية لمحاكمة اولئك الاشخاص الذين يشتبه في مسئوليتهم عن ارتكاب جرائم حرب روسية في الشيشان. وردّ عضو مجلس الدوما الروسي بافل كراشنينكو بأنه يتعين على المجلس أو أوروبا ان تركز بدلاً من ذلك على الجهود المناهضة للإرهاب. لقد ذكرت نتائج الاستفاء العديد من المحللين بنتائج الانتخابات المؤيدة للحكومة في عهد ستالين. ورفض مراقبو حقوق الإنسان المحليين نتائج الاستفتاء باعتبارها نتائج مشكوك بصحتها. ويذكر ان 20 مراقباً أجنبياً حضروا الاستفتاء ومن بينهم مراقبون من مكتب الامن والتعاون في أوروبا. وصرّح باليان هرير، قائد فريق المكتب قائلاً: «ان التنظيم لعملية الاستفتاء وسيرها لم يخلوا من نواقص». وحتى الليبراليين الروس مثل غريغوري ايافلنسكي، زعيم حزب ايابلوكو، شككوا بالنتائج. وقال ايافلنسكي: «اتخوف من ان يزداد الوضع في الشيشان سوءاً في اعقاب هذا الاستفتاء. فلتحقيق التطبيع في الشيشان، لابدّ في البداية من وجود عملية سلمية يقودها الرئيس الروسي، وتمثل فيها جميع الاطراف المتجاربة». ومن جهة أخرى أعلنت موسكو ان الاستفتاء كان بمثابة نجاح مدو واثبات على صحة سياسات الكرملين. وكانت حكومة مسخادوف قد كشفت في وقت سابق النقاب عن اقتراحها الخاص بالسلام، والذي حدد ملامحه وزير خارجيتها إلياس أحمدوف في واشنطن في 18 مارس الماضي. ووفقاً لخطة وزارة الخارجية، فإن الأمم المتحدة ستمارس وصايتها على الشيشان. وفي مراحلها الأولى، تنسحب جميع القوات الروسية والهيئات الحكومية ويتم إقامة حكومة انتقالية تحت اشراف الأمم المتحدة. وتقوم قوات حفظ للسلام تابعة للأمم المتحدة بنزع اسلحة السكان بينما تعمل على ترسيخ الاطار لمجتمع مدني من خلال تدريب بيروقراطية مدنية محلية وقوات للأمن. وفي اعقاب انتهاء الفترة الانتقالية، تجرى انتخابات عامة لتحديد التركيبة المستقبلية للحكومة الشيشانية. وبالنسبة لموسكو، فان خطة احمدوف تعتبر معيبة على مستويين، الاول يتمثل في ان موسكو ستضطر الى الاعتراف باستقلال الأمر الواقع الحتمي للشيشان. والمستوى الثاني يتمثل في ان روسيا ستذعن بدخول قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة الى الشيشان، ولقد اصرت روسيا على الدوام بأن الصراع في الشيشان هو شأن داخلي زاد من تفاقمه وجود اسلاميين متشددين أجانب ومن ضمنهم رجال القاعدة. لقد بذلت حكومة بوتين محاولات مضنية لربط الصراع الشيشاني بحرب الرئيس الاميركي على تورط عناصر اجنبية في الشيشان. وقد تطرق أحمدوف بشكل مباشر لهذه المسألة خلال زيارته لواشنطن. ووفقاً له، فان التمويل السعودي للمقاومة الشيشانية كان «شحيحاً» وتألف في معظمه من تبرعات الافراد. وفيما يتعلق بالمقاتلين الاجانب في الشيشان، فان العدد يقدر بحوالي 200 نصفهم تقريبا من مناطق اخرى في روسيا الاتحادية. وبخصوص الصلة مع تنظيم القاعدة، اكد أحمدوف على عدم وجود مثل هذه الصلة وأشار الى افغانستان كمثال على ذلك، فلم يتم اكتشاف اي شيشاني حياً او ميتاً هناك رغم التقارير الاعلامية الغربية الاولية. غير ان موسكو سجلت نجاحات دبلوماسية في واشنطن. فممثلو مسخادوف لم يعد بمقدورهم عقد الاجتماعات على مستوى منخفض مع وزارة الخارجية الاميركية التي تمكنوا من تأمينها في النهاية في عهد ادارة كلينتون. وعلاوة على ذلك، فان حكومة مسخادوف ليست لديها علاقات رسمية من أي نوع مع ادارة بوش. والانتصار الدبلوماسي الثاني لموسكو تمثل في حمل وزارة الخارجية الاميركية على اضافة ثلاث جماعات شيشانية الى قائمتها للمنظمات الارهابية، وهي الكتائب الاسلامية العالمية وفوج الاهداف الخاصة الاسلامي وكتيبة شهداء الشيشان للاستطلاع والتخريب وبحسب أحمدوف، فان اثنتين من الجماعات تعتبران من نسج الخيال. ومما زاد من مخاوف ادارة مسخادوف تلك التصريحات التي جاءت على لسان نائب وزير الخارجية الاميركية ريتشارد ارميتاج خلال مقابلة اجرتها معه محطة الاذاعة الروسية ايخو موسكفي في الثالث والعشرين من يناير الماضي. ففي معرض رده على سؤال حول ما اذا كانت الولايات المتحدة ستوافق على توجيه ضربات روسية لمواقع المقاتلين الشيشان في جورجيا، قال أرميتاج ان واشنطن ستجد من الصعب عليها انتقاد مثل هذا العمل. وقد قوبل طلب بالتوضيح من السفارة الاميركية في موسكو بالرفض. واذا كان كلا الطرفان يختلفان حول كيفية تحقيق وقف للأعمال العسكرية فانهما يتفقان على عدم تفاؤلهما بخصوص مسيرة الصراع. ومن الصعب الحصول على أرقام دقيقة (للضحايا) لأن موسكو اغلقت بشكل فاعل الجمهورية أمام الصحفيين الاجانب، ولكن حكومة مسخادوف تقدر عدد الشيشانيين الذين قتلوا منذ اندلاع الحرب في عام 1994 بين 180 الف الى 150 الف مع لجوء 350 الف شيشاني آخر الى المناطق الروسية المحيطة في انغوشيا وداغستان. اما عاصمة الجمهورية غروزني، والتي كانت في يوم من الايام مدينة تضم 400 الف نسمة، فقد جرى تدميرها تدميراً كاملاً من ناحية عملية. لقد شهد العام الماضي عددا من النجاحات للمقاومة الشيشانية، ففي اغسطس 2002، نجح المتمردون الشيشان في اسقاط مروحية روسية على متنها 199 جنديا في اكبر خسارة عسكرية روسية في الحرب الشيشانية تتم في عملية واحدة. وفي 26 اكتوبر 2002، قام موفزار بايريف، ابن شقيق الزعيم الشيشاني آربي بايريف، بالاستيلاء على مسرح نورداست في موسكو، وبعد ثلاثة ايام، قتل 129 رهينة من اصل اكثر من 700 وجميع المقاتلين الشيشانيين الـ 41 عندما قامت قوات الأمن الروسية بضخ نوع من الغاز الى المسرح في السادس والعشرين من اكتوبر واجتاح 200 شخص من قوات سبتسناز الخاصة المبنى. وفي السابع والعشرين من ديسمبر من العام نفسه، هاجم المتمردون الشيشان مقر الادارة الموالية لموسكو في الشيشان وقتلوا 83 شخصا وجرحوا 210 اشخاص آخرين. وعلى صعيد آخر، نجح الجيش الروسي في فرض سيطرته على المراكز الكبيرة في الشيشان، وقام بقتل القائدين خطاب وآربي بارييف، والسؤال الوحيد المطروح هو ما اذا كان الطرفان يرغبان برؤية الصراع يتدهور الى مستوى ان يكون نسخة عن جنوب لبنان، أم انهما يستطيعان التفاوض. وفي ظل الاسى المتواصل واللامبالاة النسبية من جانب المجتمع الدولي، لا يبدو ان هناك سبباً كبيراً للتفاؤل. ترجمة: ضرار عمير _ عن «جينز اسلاميك افيرز اناليست»