كتاب ـ القرن الحادي والعشرون لن يكون قرنا أميركيا ـ الحلقة التاسعة عشرة ـ تأليف : بيير بيرنيس ـ الفساد وعودة العسكر وانحسار الديمقراطية، أفريقيا جنوب الصحراء تتخبط في مستنقع الفقر والحروب الأهلية

الاثنين 4 ربيع الاول 1424 هـ الموافق 5 مايو 2003 تبدو افريقيا، للوهلة الأولى، قارة قليلة السكان بمعدل كثافة سكانية لا تزيد على خمس عشرة نسمة في الكيلومتر المربع الواحد، لا يستثنى منها سوى بلدان قليلة تأتي رواندا وبورندي على رأسها. لكن افريقيا القليلة السكان هذه هي في الوقت نفسه قارة تشهد انفجاراً ديموغرافياً هائلاً ولا شك أن هذه الميزة الثانية هي التي تشكل الظاهرة الأساسية في هذا المجال. فبمعدل نمو لم يزد الا بنسبة 2% الى أكثر من 3% سنوياً خلال السنوات الأخيرة، فقد تضاعف سكان القارة الافريقية ثلاث مرات منذ العام 1960. ويعود الأصل في هذا النمو القوي بالأساس الى الانخفاض الملموس في معدل وفيات الأطفال الناتج عن التطورات الكبيرة التي شهدها النشاط الصحي المكثف منذ الفترة الاستعمارية، على الرغم من أن الوضع الصحي لا يزال في حاجة الى الكثير، بينما يكاد معدل الولادات يظل على المستوى نفسه من الارتفاع الذي كان عليه قبل عقود من الزمن، وذلك بحكم بطء عملية تطور العادات والتقاليد: فلم يعد انقاذ حياة طفل عند الولادة أو في سن الرضاعة مكلفاً، اذ أنه ثمن لقاح لا يكاد يكون حتى رمزياً. غير أن اطعام هذا الفرد على مدى الخمسين أو الخمسة وخمسين عاماً من معدل مدة حياته الافتراضية بالمقاييس الحالية، وتوفير السكن له والملبس والعلاج والتعليم ـ أياً كان الغذاء بسيطاً وأياً كان المسكن واللباس متواضعاً وأياً كانت العلاجات الطبية والتعليم محدودة ـ فإن الثمن أغلى من ذلك بكثير. وتصوروا بعد ذلك كم كان كل هذا مع مئات الملايين من الرجال والنساء. انه يمثل مبالغ هائلة تفوق بكثير المبالغ المخصصة لمكافحة وفيات الأطفال. أسطورة النمور الافريقية في خلال ثلاثين عاماً شهدت معظم بلدان افريقيا السوداء نمواً اقتصادياً أكيداً. فقد تطورت المنتجات الزراعية الغذائية منها والصناعية أو المخصصة للتصدير تطوراً ملحوظاً في غالب الأحيان. وفضلاً عن ذلك فقد شرعت هذه البلدان بالفعل في استغلال الثروات المنجمية والمعدنية التي يحتوي عليها باطن الأرض الافريقي، ولا سيما بترول خليج غينيا (نيجيريا ـ الغابون ـ الكونغو وأنغولا). فقد بدأت بالفعل في أماكن عديدة، مثل ساحل العاج (التي قد تصبح واحدة من «نمور» القارة) عملية التصنيع بشكل يحمل الكثير من الدلالات الايجابية. وفضلاً عن ذلك فقد تواصلت في كل مكان تقريباً أشغال التجهيز والتهيئة التي كان قد شرع في انجازها خلال الفترة الاستعمارية حيث دعمت السلطات بنيات النقل التحتية الضرورية على الخصوص لتطبيق أي سياسة من سياسات التنمية. ومع ذلك كله فقد ظل معدل نمو المنتوج القومي لمجموع البلدان الافريقية، أقل في متوسطه من معدل النمو الديموغرافي في كافة هذه البلدان طوال تلك الفترة على الرغم من أن ذلك النمو يظل في مجمله نمواً لا يستهان به بأي حال من الأحوال. واجمالاً فقد نتج عن ذلك الوضع تدهور بطيء وثابت في المستويات المعيشية، في مواجهة نمو الحاجيات المتعذر تلبيتها، كالحاجيات المتولدة عن الارتفاع الملحوظ في عدد الأفواه الجائعة وكذلك الحاجيات الناتجة عن الزيادة المستمرة في طموح الناس الى مستويات معيشية أرقى: فبعد أن توسعت مداركهم وكثر اطلاعهم صار الافريقيون أقل استسلاماً للأمر الواقع وأقل لا مبالاة بالتطور الجاري من حولهم حتى صارت المنافع والخدمات التي كثيراً ما كانوا يجهلونها ولا يسمعون عنها ـ وهي أشياء بسيطة في العادة ـ مثل مربيات البندورة المركزة ـ وأسقف الصفيح المتعرج وأجهزة راديوهات الترانزيستور ـ تبدو لهم الآن في غاية الضرورة والأهمية. ولا بد من الاشارة الى أن هذه المعدلات تغطي بطبيعة الحال أوضاعاً جد متباينة لأن الدول الافريقية لأسباب عديدة متفاوتة في ما تملكه من ثروات طبيعية وزراعية أو معدنية تتعرض أشعارها لتقلبات مستمرة، ثروات عادة ما تتفاوت طرق استغلالها أيضاً تبعاً لقربها أو بعدها عن السواحل. ففي داخل كل واحد من هذه البلدان غنية كانت أم فقيرة ما فتئت في توزيع المداخيل ترتفع من ناحية أخرى، ما بين برجوازيات ادارية أو برجوازيات أعمال صغيرة مرتبطة بالسلطات العمومية القائمة ذات النفوذ رغم قلتها، وما بين باقي السكان (المقدرون اجمالاً بـ 90%) المتكونين أساساً من العمال المزارعين والطبقة الكادحة من عمال المدن. فمنذ أربعين عاماً ما فتئ سكان المدن الافريقية يتزايدون بوتيرة سريعة، أسرع حتى من وتيرة النمو السكاني الاجمالي حتى صار تعدادهم في المتوسط يقارب نصف السكان الاجمالي، وتلك هي مفارقة افريقيا المثقلة بشتى أنواع المخاطر، افريقيا التي يظل اقتصادها ريفياً على الرغم من اكتسابها لمزيد من الطابع الحضري! فقد صارت الأرياف تدفع الى المدن فائضها من الشباب الحالمين بالعمل ولحياة أفضل والذين يتكدسون في أكواخ الضواحي البائسة التي ما فتئت تتسع وتمتد في محيط بعض الأحياء السكنية الراقية كأحياء كبار الموظفين أو رجال الأعمال. ففي هذه الضواحي البائسة المسحوقة تحت أشعة الشمس تنفخ جيوش الثورات القادمة. ولهذه الجيوش توفر التربية اطاراتها أيضاً. ففي افريقيا السوداء هذه أيضاِ يظل التعليم متخلفاً. فلو قلصنا الى النصف الاحصاءات الرسمية المبالغ فيها عن قصد فإن حوالي 30% فقط من الأطفال الأفارقة يتردّدون على المدارس الابتدائية (باستثناء بعض البلدان مثل غانا والكاميرون والغابون والكونغو التي تزيد فيها هذه النسبة على ذلك بكثير). غير أن معظم هذه المدارس يظل مستواها رديئاً وفقاً للمعايير التربوية ذات الطابع الأوروبي الموروثة عن الحقبة الاستعمارية. وتسود الأوضاع نفسها في مرحلتي الثانوي والعالي. غير أنه على الرغم من ضآلته فإن هذا التعليم يقتطع ربع ميزانيات الدول الضئيلة، ولا يزال الوضع غير مؤهل لأي تحسن على المدى القريب. غير أنه على الرغم من هذه المعدلات الضعيفة فقد أتاح نظام التعليم في هذه البلدان على مدى ثلاثين عاماً توفير أربعة أضعاف من الخريجين من كافة المستويات ولا سيما من ذوي الشهادات العالية. لكن هنا تحديداً يكمن المشكل الحقيقي لهذه البلدان. فمن البديهي بالفعل أن عدد مناصب الشغل التي تم استحداثها في القطاع الحديث للاقتصاد خلال كل هذه الفترة قد ظل على الرغم من الجهود المبذولة، أقل بكثير من مستوى هذا الانتاج التعليمي وذلك لسبب جد بسيط وهو أنه اذا كان تعليم الفرد يكلف أكثر من انقاذ حياته عند الولادة ومن اطعامه مدى الحياة فإنه من المكلف أكثر أن توفر له الدولة منصب شغل مناسب لمؤهلاته ومتلائم أيضاً مع مستوى الحياة الذي يراه مناسباً لمؤهلاته وفقاً لما رسخ في ذهنه. لقد ساعد تضخيم أعداد التوظيف العمومي الى مستويات من الازدحام الذي بات لا يطاق بالاضافة الى أفرقة مؤسسات القطاع الخاص الى حدود الاكتفاء بالحد الأدنى من الموظفين من جنسيات المستثمرين الأجانب في التخفيف من تلك الأوضاع الصعبة، لكن ينبغي التفكير الآن في حلول أخرى وباعادة النظر في كل شيء. فالتغيير الجذري في أنظمة التعليم من أجل تكييفها مع مستوى التنمية ومع حاجات الاقتصاد الفعلية. أمر بات يفرض نفسه بالحاح، لكن الأمر يحتاج الى ثورة لم يتجاوز أحد فيها الى الآن مرحلة الخطاب السياسي. تنويعات على الاستبداد كان ذلك في لابول في يونيو 1990. فعلى غرار ما كان يجري في شرق أوروبا كان فجر الحرية يلقي بضيائه على الكرة الأرضية بأسرها، ففي جنوب الصحراء على الخصوص اشتد عود هذه الحركة حتى صارت لا تقاوم. فبعد ثلاثة عقود من الاستبداديات المدنية أو العسكرية راحت الأحزاب الصغرى التي نمت في كل مكان مثل الفطر بعد سقوط المطر تكسح الفرق الحاكمة القديمة البالية، اللهم الا اذا سارعت هذه الحكومات الاستبدادية بتغيير أساليبها في الحكم تغييراً جذرياً. لقد حرص فرانسوا ميتران، بأسلوبه الأبوي المعتاد، على أن يؤكد لنظرائه الأفارقة رغبته الصادقة في أن يمنحهم هذه المرة فرصة أخيرة، حيث أعلن في خطاب رسمي ـ أزعج أكثرهم ـ عن قراره بانشاء جائزة لأحسن ديمقراطية بحيث ستمنح مساعدات فرنسا للبلدان التي تلتزم بانتهاج الطريق السليم وفقاً للنهج الديمقراطي المعلن عنه: أما بقية البلدان فستقلص المساعدة الممنوحة اليها الى أضيق الحدود أو حتى الى أردأ من ذلك. وتوالت القمم واللقاءات. وبعد أربع سنوات في بداية نوفمبر عام 1994 التقى المعلم من جديد الطلبة أنفسهم الذين حققوا في غضون تلك السنوات بعض الانجازات أو وعدوا بأن يبذلوا جهوداً في الحال أو في أقرب الآجال. ولكن ما الذي حدث في غضون ذلك تحت شمس الحرية المدارية الساطعة؟ لم تكن بلدان افريقيا شبه الصحراوية تملك غداة استقلالها نخباً عصرية بأعداد كبيرة. فلكي تبدأ في بناء الأمم الفتية جنّدت أجهزة الدولة الحديثة كل الطاقات المتوفرة ولم تهمش أو تستبعد أو تقص أحداً. وبصرف النظر عن تنوع الأوضاع واختلافهما فقد كان مجيء أحزاب حكومية موحدة وراء قادة كارزميين منبثقين عن كفاح التحرير، في كل مكان أمراً محتوماً بل ومن نواحٍ عديدة مبرّراً أيضاً. لكن في المقابل لا شيء يبرر الانحرافات العسكرية والبوليسية التي تلت وانتهت الى سلسلة من الانقلابات لا سيما وأن التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تذرع بها مدبرو هذه الانقلابات لتبرير هذه التحولات القسرية لم تغير شيئاً من الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تلك بل زادتها سوءاً وتعقيداً. لكن بعد مرور ثلاثين عاماً اختلفت الأوضاع كل الاختلاف. ففي كل مكان زادت أعداد النخب الحديثة المتفتحة ولم يعد منذ فترة طويلة بالامكان ضمها الى أحزاب الدولة الحاكمة التي لم تعد سوى أدوات طيعة في خدمة استمرار العصابات الانتهازية الانتفاعية في الحكم. ومن ناحية أخرى فقد تدهورت أوضاع الغالبية العظمى من السكان نتيجة لنمو ديموغرافي سريع ولنمو اقتصادي بطيء وغير كاف ان لم يكن نمواً سلبياً. تضاف الى ذلك كله آثار التوزيع غير العادل للمداخيل. ولهذه الأسباب مجتمعة باتت الساحة في هذه البلدان مهيئة لنمو كافة أشكال المطالب والاحتجاجات ومن ثم اتسعت دائرة الحاجة الى احترام الحريات الأساسية وحرية التعبير والنشر والاجتماع، وتجسيداً لكل تلك المطالب الملحة بدأت تتشكل هنا وهناك أحزاب معارضة كان نشاطها يدور معظمه في السر تقريباً. وكان لا بد أن يؤدي انهيار النظام الشيوعي في أوروبا الشرقية الى اعطاء دفعة قوية للنظام الديمقراطي الناشئ في هذه البلدان الافريقية. فتحت المدارين دوّى وابل الرصاص الذي أردى شاوسيسكو قتيلاً في بوخارست كالرعد المزمجر في القصور الجمهورية. ساعتها سارع رؤساء هذه الدول المستبدون باعطاء الكلمة للشعب أو بالأحرى للذين كانوا يدعون أنهم ممثلوه. واقتداءً بتجربة أولية كتب لها النجاح في البنين انتظمت في كل مكان تقريباً «الندوات الوطنية» التي قلما أثمرت نتائج ايجابية ولكنها أتاحت للكثير التنفيس عن مشاعرهم المكبوتة. بعد ذلك توالت الانتخابات العامة الرئاسية والتشريعية التي سبقتها اصلاحات مؤسساتية شرعت التعددية وأقامت توازناً جديداً في السلطات.لكن في معظم الحالات لم يكن من نتيجة لهذه الانتخابات سوى تكريس شرعية السلطات الحاكمة بفعل انقسام معارضيها وخلافاتهم وبفعل التزوير والضغوط البوليسية وغيرها. ومنذ ذلك الوقت لم يتأخر أي بلد من بلدان افريقيا السوداء الفرنكوفونية عن هذا النوع من العمليات الانتخابية باستثناء المستعمرات البلجيكية القديمة: زائير موبوتو وكابيلا الآن ورواندا وبوروندي التي تقاتلت فيها قبائل الهوتو والتوتسي بكل شراسة. وما قلناه عن هذه البلدان يمكن أن نقوله أيضاً ـ باستثناء نيجيريا الجنرال المشؤوم ساني آباشا ـ عن كل بلدان افريقيا الأنجلوفونية واللوزوفونية تقريباً ما عدا البلدان التي كانت تدور فيها حروب أهلية طاحنة، كالسودان والصومال وليبيريا وأنغولا. ففي عشرة بلدان اذن صارت حقوق الانسان والحريات الأساسية للمواطنين مكفولة تقريباً حتى وان لم يؤد هذا الى التداول البرلماني الا نادراً. العسكر يعودون لكن هذا التطور الايجابي بوجه عام حتى وان لم يدرك نهايته الديمقراطية حقاً ما فتئ منذ منتصف التسعينيات مع الأسف يتراجع، حيث بات العساكر هنا وهناك يعودون للحكم من جديد، وهي بالتأكيد ظاهرة سيئة تنم عن مرض عميق. فبعد ثلاثين عاماً صارت هذه البلدان الافريقية تستعيد من جديد سيناريوهات مرحلة الستينيات. وبذلك صارت دورة الليبرالية السياسية تنغلق من جديد. كانت الدورة السابقة لها قد بدأت غداة الحرب العالمية الثانية وكانت دورة الارتقاء نحو الاستقلال والحرية. فما بين عام 1945 و 1960 كان المستعمر الفرنسي أو الانجليزي قد بدأ يرخي قبضته تدريجياً على الشعوب. وبدأت الانتخابات التعددية تنظم لانتخاب ممثلين برلمانيين أو للمجالس المحلية بفرض اعطاء السكان الأصليين فرصة ادارة شئونهم الداخلية أولاً ثم مصيرهم على المسرح الدولي بعد ذلك تدريجياً. وفي مرحلتين أو ثلاث ثم الانتقال الى أنظمة الحكم الذاتي ثم الى الاستقلال التام النهائي. لكن الحرية السياسية لتلك السنوات لم تعش طويلاً مع هذه الأنظمة. فحول الزعماء الذين فرضوا أنفسهم في تلك الأثناء بحجة تجميع كل القوى من أجل التنمية والتطور ما فتئت التعدديات السياسية أن تراجعت تاركة وكأنها لأنظمة الحزب الواحد أو للنظام اللاحزبي حين بدأ الجيش يغادر ثكناته. فما أن جاءت نهاية الستينيات حتى استحالت افريقيا شبه الصحراوية المستقلة الى أنظمة استبدادية استطاعت عبر هزات عديدة أن تفرض هيمنتها على مدى نحو عشرين عاماً. لكن الحركة ما فتئت أن انقلبت على نفسها شيئاً فعلى غرار الحرب العالمية الثانية أحدث انهيار النظام الشيوعي في أوروبا الشرقية في أفريقيا هبوب موجة من الحرية التي أدت، حسب الحالات، الى قلب هذه الأنظمة الاستبدادية أو الى ارغامها على أحداث اصلاحات عميقة في داخلها. وفي كل مكان بدأ الناس يتحدثون بحرية وفي التجمع في مواجهة السلطة من أجل الحصول عليها ديمقراطياً بواسطة الانتخابات التي فتحت للمنافسة من جديد. وقد كانت هذه الانتخابات تنتهي أحياناً الى تداول حقيقي على السلطة أو على الأقل الى تجديد الفرق الحاكمة ضمن الأحزاب المهيمنة المحافظة على أماكنها حول الزعماء القدماء أو خلفهم المباشرين. لكن ها هي الموجه بعد خمس أو ست سنوات تنحسر من جديد وتعود الدورة الليبرالية للانغلاق من جديد أسرع من قبل.. ترى ما الذي جرى؟ انه الفقر الواسع الذي باتت تتخبط فيه معظم البلدان شبه الصحراوية، وتدهور أجهزة الدولة (الضريبية والجمركية والقضائية والأمنية والصحية والتعليمية، الفاسدة بشكل عام والغارقة جميعها تقريباً في الرشوة والفساد كلما تقدمت خطوة جديدة في عملية الأفرقة (أي انزال الافريقيين في مراكز الأوروبيين)، ثم عودة الصراعات الطائفية القديمة التي كثيراً ما تنتهي الى حروب أهلية حقيقية. فلا شك أن أسباب الانحسار الديمقراطي متنوعة ومتظافرة. فقد شاهدناها بشكل واضح في الأحداث التي كانت النيجر وغينيا وسيراليون وافريقيا الوسطى والكونغو برازافيل منذ عام 1995 مسرحاً لها. لا ينبغي أن ننسى الأصول الانقلابية للعسكر الذين صاروا رؤساء دول حتى وان كان الاقتراع العام قد «بيضهم» فيما بعد. في أمثلة هذه الدول: غانا وأوغندا وغامبيا وموريتانيا وبوركينا فاسو وتوغو ـ والقائمة مفتوحة! ولا تزال في الواقع مراحل عديدة لا بد من اجتيازها على طريق الديمقراطية البرلمانية المدارية (نسب الى المدارين)، بينما صارت السحب في افريقيا الجنوبية حيث توشك «معجزة مانديلا» على الانحسار من الذاكرة، تتكدس وتتكوم، لقد كان للخروج السلمي من «الأبارتيد» (أي التمييز العنصري) تتمة بالتأكيد. فحتى يطمئن البيض والمستثمرون الأجانب حتى لا ينهار الاقتصاد بين عشية وضحاها، لم يف المؤتمر الوطني الافريقي عملياً بأي من وعود الاجتماعية في بلد يظل واحداً من أكثر بلدان العالم تبايناً وتفاوتاً. فبينما يتصاعد الغضب في المدن الصناعية لا يزال المزارعون السود في الحقول يعانون من نقص فادح في الأراضي. ولذلك لا تزال انكاتا حزب الزولو بقيادة منغستو بوتيليزي، المتمركزة في ناتال، تهدّد بكل ثقلها، وحدة البلاد واستقرارها. الخروج من التاريخ بعد سقوط حائط برلين، خرجت افريقيا ـ غير المحدّدة الى حين ـ من التاريخ، فقد وجدت افريقيا وهي القارة التي لم تملك من الأهمية الا القليل، مهما قالت وادعت نخبها المتحمسة، نفسها بين عشية وضحاها، مهمشة من جديد لتعود مرة أخرى الى الوضع الذي كانت عليه قبل قرون عديدة قبل وصول العرب ثم الأوروبيين الى سواحلها. فمنذ ما قبل التاريخ وافريقيا لا تملك الشيء الكثير تبيعه للقارات الأخرى، اللهم الا ذهب السودان الذي أثرى مغرب القرن الوسيط وممالك اسبانيا الأندلسية، ثم وبشكل مأساوي، أبناءها أنفسهم، ضحايا «النخاسة» المشئومة، وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبعد انتهاء الغزو الاستعماري بدأت بعض الزراعات الفائضة الموجهة للتصدير تشهد بعض الازدهار ـ الفول السوداني والنخيل الزيتي والبن والكاكاو والموز والقطن ـ بالاضافة الى استغلال غاباتها الكثيفة ومن بعدها، عقب الحرب العالمية الثانية، استغلال بعض ثرواتها المنجمية ـ كالحديد والبوكسيت والنحاس والأورانيوم ولا سيما البترول، ناهيك عن الفحم وذهب وألماس افريقيا الجنوبية، ولا شيء من كل هذا كان ذا أهمية تذكر، وأدهى من ذلك كانت العائدات تذهب الى الشركات الأجنبية المستوردة الوحيدة للمنتجات المصنعة الأوروبية المتواضعة التي كثيراً ما أضرت بالصناعة المحلية، ولم تؤد هذه المضاربات التجارية الى أي تنمية ذات دلالة رغم ما أحدثته هذه المضاربات بالضرورة من بنيات تحتية كالطرقات وسكة الحديد وموانئ ومؤسسات صحية وتعليمية. ولم يغير الاستقلال الكثير من هذه الأوضاع ففي مجال السوق التجاري لا تمتص افريقيا شبه الصحراوية الى الآن أكثر من 2% من الصادرات العالمية، وبامكان باقي الكرة الأرضية الاستغناء دون أي ضرر على معظم منتجاتها المزروعة أو التي يتم استخلاصها. فحتى السنوات الأخيرة ظلت عواقب الخصومات الأجنبية التي لم يكن لافريقيا أي نفوذ عليها، تخطي هذا الواقع المؤلم. فعلى مدى أكثر من أربعة قرون ما فتئ البرتغاليون والاسبان والهولنديون والانجليز والفرنسيون والألمان والايطاليون وحتى البلجيكيون يبسطون خصوماتهم وحروبهم على سواحلها، ثم بداخل أراضيها الى أن قسموها فيما بينهم باسم الحضارة ولأسباب خداعة من القوة على مستوى الدول التي أنفقت أموالاً طائلة في هذه العملية ولأسباب مركنتيلية فيما يخص رعاياهم. فكما قال ديستريلي نفسه يومًا: «لقد كانت المستعمرات دوماً جد مكلفة للمستعمر حتى وان كانت في العادة تدرّ الكثير على رعاياه فيها». وبعد انهزامهم في أوروبا لم يجد الألمان بداً بعد الحرب العالمية الأولى من التنازل عن مستعمراتهم في افريقيا قبل أن يضطر الانجليز والفرنسيون والبلجيكيون والبرتغاليون بعد أن أنهكتهم عواقب الحرب العالمية الثانية، بعد مرور ربع قرن على تلك الحرب، منح مستعمراتهم الاستقلال على مراحل، في الوقت الذي كانت مواجهات الحرب الباردة قد بدأت تنوب عن تلك الحرب.وفي سياق الصراع القائم ما بين الشرق لم يكن يسع القوى العظمى الساعية الى فرض هيمنتها على كامل الكرة الأرضية أن تهمل القارة السوداء من حساباتها. فطوال كل هذا الوقت شعر المعسكران القائمان وأهم القوى التي تشكلهما بضرورة تكريس موارد مهمة، مدنية وعسكرية حتى يحتوي أحدهما الآخر. وقد عرفت بعض البلدان الافريقية كيف تستفيد من هذه المنافسة الجديدة، وقد شكلت العملية السياسية التي أدارها الزعيم العربي جمال عبد الناصر بنجاح حول بناء السد العالي درساً مفيداً ما فتئ قادة هذه البلدان يقلدونه مع تنويعات والوعود التصويتية بهيئة الأمم المتحدة: موسكو ضد واشنطن وبكين ضد موسكو، والقوى الاستعمارية القديمة ضد القوى الامبراطورية الجديدة، وفرنسا ضد ألمانيا وايطاليا وكندا أو اليابان، لينجزوا بذلك بضع مئات من الكيلومترات من الطرق أو السكك الحديدية، أو مصنعاً للاسمنت أو مصنعاً للفولاذ أو ملعباً متعدد الرياضات أو داراً للثقافة، لكن فجأة ما فتئت عاصفة انفجار الاتحاد السوفييتي على نفسه أن قوضت هذه القصور الورقية التي لم تكن في الواقع سوى أضغاث أحلام.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات